الثلاثاء، 21 ديسمبر، 2010

التواصل والأنظمة الرمزية


التواصل والأنظمة الرمزية

جمعت من مصادر مختلفة

تتعدد وجوه البحث في التجربة الانسانية وتتنوع الى حد التباين والتناقض، ذلك ان الوجود الانساني يحمل في طياته من الغموض والالتباس ما يجعل من هذا التعدد في المقاربات امرا مشروعا بل ضروريا احيانا، لعلنا بذلك نمسك ببعض تلا وين هذا الكائن ونظفر تبعا لذلك بممكنات تمكن من رفع الحجب وكشف المعاني والدلالات الملتحفة بطيات التاريخ المختلفة والممتدة في العمق الحضاري للبشرية. ان السؤال عن الانسان من يكون؟ وكيف السبيل الى معرفته وفهمه وتأوله؟هو من الصعوبة ما يغري بالتحدي والمغامرة الفكرية، مغامرة لا تستقيم قولا منظوما ونسقا مبنيا إلا متى استقام الخطاب مؤسسا وناقدا ومشرعا. فأي خطاب يجرؤ على هذا؟ وأي فكر يقدر الاضطلاع بهذه المسؤولية في ظل واقع تهيمن عليه سلطة الآني والزائل والجاهز؟
لا مندوحة لنا هنا غير ركوب الصعاب ومعانقة القمم ، ودونهما تنعدم كل محاولة فكرية جادة ويستحيل تعقل الإنسان تجارب وتاريخا ورؤى سرابا وتيها يبلغ حد العدم والسد يم.إن الأمر ينفتح على إمكانيتين : إما تحمل المسؤولية والعمل على بناء انساق متعددة هي بمثابة نوافذ تنكشف من خلالها كل حقيقة الإنسان او بعضها، وإما الارتماء في دروب اللامعنى وما يحمله من إقرار بالعجز واستسلام لمصير غامض لا يمكن ان يكون مرآة لإنسان حمل قدره بين يديه وقبل تحدي العدم.
 
ولا يمكن لفكر كان العقل والسؤال والنقد والتأويل والتأسيس ديدنه إلا أن يكون ضمن الدائرة الأولى، وهذا الفكر لا يعدو أن يكون غير الفلسفة بما هي انفتاح على الوجود والموجود ، على الكينونة والكائن بلغة هيدقير أي على الانسان في انفتاحه على العالم والوجود في تعرجاتهما المفتوحة (ميرلوبونتي وهوسرل) فاي وجهة اتخذها الفكر الفلسفي للتفكير في الانسان اليوم؟ وأية نظم قرأ من خلالها وجوه حضوره وصور فعله؟
يبدو أن القول الفلسفي حول الإنسان اليوم قد شهد تغيرا جذريا على جانب كبير من الأهمية. وقد طال هذا التطور الذي بلغ حد القطيعة أحيانا المنهج والمنزلة والآثار،إذ يمكن القول إن الفلسفة المعاصرة قد قطعت مع التقليدين القديم والكلاسيكي في تأولهما للانسان دورا وأثرا .لقد فتحت المجال لعلاقات جديدة بين الفلسفي والإنساني في علاقة بمفاهيم راهنة باشكالياتها وقضاياها وكثافة حضورها . ولعل مفهوم التواصل أفضل دليل على هذا المنعطف للفلسفة اليوم.
إن الفلسفة المعاصرة وخاصة لدى  فلاسفة الاختلاف أمثال دريدا، فوكو، ليوتار،  دولوز، ولدى هابرماس وفلاسفة النقد الاجتماعي لمدرسة فرانكفورت ، ادرنو وهوركايمر وماركوز، وغيرهم كثير، قد تأسست ضمن مسار جديد نوعا ما .انه مسار يكشف عن إبعاد جد هامة ترتبط بالتواصل الإنساني ،شروطه والياته، وبالوسائط التي يتوخاها الإنسان لقول ذاته في تشابكها مع الآخر والعالم أملا في نحت مشترك إنساني قد يأخذ سمة الكلي أو الكوني الحاضن للمختلف والمتباين والمغاير والتاريخي.
 فمواصلة لنيتشه ـ ولكن بطرق جديدة ـ عمد الفلاسفة المعاصرين إلى التأسيس لشروط جديدة للقول الفلسفي حول التواصل في علاقته بالإنساني لقد لخص فوكو هذا التوجه الجديد في الفكر الفلسفي في العبارة الشهيرة التي صارت علامة تميز فلاسفة الاختلاف «التفكير على نحو آخر» وكشف هؤلاء الفلاسفة بذلك عن دروب جديدة على الفيلسوف ان يغامر فيها لعله يستطيع من خلالها المسك بالإنساني في وحدته وتعدده ،وفي غيابه وكثافة حضوره.
يمكن التأكيد،اليوم، أن السؤال الفلسفي قد غادر المتعالي والمطلق والكلي المجرد واستوطن الزمني والصيرورة والنسبي بحثا عن الشروط الممكنة المؤسسة لكلي وكوني إنسانيين.  فالمقولات الكبرى والمجردة أصبحت عاجزة عن بلورة حقيقة الإنساني، بل إن قيمة السؤال الفلسفي عن التواصل في علاقته بالإنساني تنكشف في مدى تعينها وتحددها ضمن شروط تاريخية ضرورة، إذا أرادت أن تقول شيئا ذا معنى حول التواصل. إن التواصل بما هو خاصية العيش المشترك للإنسان قد صار لحظيا آنيا لا غير )هابرماس.(
 إضافة إلى ذلك شهدت أسس التواصل الإنساني وشروطه ،تبعا للثورات الاتصالية والمعلوماتية، قطعا مع التصورات المثالية والميتافيزيقية التي سجنت التواصل في مفاهيم لا تاريخية واختزالية/التواصل في اللغة لا غير / إن التفكير في التواصل الإنساني اليوم هو تفكير في مسار إنتاجه  ،وهو أيضا تفكير في عناصره وفي العوامل المتحكمة فيه/بشرية وتقنية/،وهو تفكير في الاستراتيجيات الفاعلة في لعبة الرموز بما هي أس وعمق وشرط كل تواصل  إنساني.
وبما أن الرمز والإنسان لا ينفصلان فان فهم حقيقة التواصل لا يمكن أن تجد مشروعيتها إلا إذا توقفت عند خصائص الأنظمة الرمزية:مبادئها، آليات اشتغالها وغاياتها.
وتأسيسا على ذلك يقتضي فهم حقيقة الوجود الإنساني اليوم إدراك حقيقة «التواصل والأنظمة الرمزية» ضمن جدلية الفردي المتعين والكوني المنشود  الوقوف عند التساؤلات التالية توضيحا وتشخيصا وتوثيقا:
ـ أولا:  ما هي الأسس المشرعة للتساؤل الفلسفي حول التواصل في بعده الإنساني؟ كيف اهتمت الفلسفة بالتواصل مبنى ومعنى؟
ـ ثانيا: أي خصوصية يكتسبها الرمز والعلامة في تحديد فهم متكامل لبنية الأنظمة التواصلية التي يبدعها الإنسان؟ وهل يصح القول إن التواصل الإنساني لا يتحقق إلا بالرموز ومن خلالها؟
ـ ثالثا: فيم تتمثل أهم الأنظمة الرمزية؟وما مشروعية النظر للغة والدين والصورة كأنظمة رمزية تواصلية؟ هل يعود ذلك إلى كثافة حضورها التاريخي والحضاري؟أم إن الأمر يتعلق فقط باختيار لا ينفي إمكانات أخرى للتفكير في التواصل الانساني في علاقته برموز أخرى كالفن والعلم والأسطورة والايدولوجيا والقواعد الاخلاقية مثلا؟
ـ رابعا: كيف يمكن للرموز أن تتحول إلى سلطة قاهرة تكرس الهيمنة والتشيؤ والاغتراب ؟وما شروط التحرر من المظاهر السلبية المصاحبة للأنظمة الرمزية خاصة في إشكالها المعاصرة (الصورة وسائل الاتصال المعاصرة)؟
 ـ  Iـ التأسيس الفلسفي للتواصل في بعده الإنساني
يبدو أن رهان الفلسفة اليوم يقوم على الإقرار بالحق في الاختلاف كشرط لكل تفكير ممكن كما يؤسس له دولوز ودريدا كل بطريقته.  ومن اجل هذه الغاية يدافع الفيلسوف على ضرورة الآخر كأفق لكل نظروفعل.إن الآخر جزء لا يتجزأ من الأنا بل هو الشرط الممكن لتعينها وتطورها )هيجل، سارتر،ريكور( هكذا يمكن القول ان راهنية الفلسفة محكومة بمدى نجاحها في وضع مبادئ توافق اشكال  الوعي ) هوسرل،كانط  ( أين  تكون المشاركة في عالم متامثل في  ذاتها الحقل الذي يضمن بناء الذات لذاتها.إن الفلسفة نفسها تعرف كنظام خطاب مخصوص ينشد تواصلا ما .يكفي هنا العودة الى تاريخ الفلسفة لنقف على الاهمية التي اكتساها التواصل في المتن الفلسفي.ولنا في مؤلف ارسطو «الشعر» وتاثيراته في الفلسفة الوسيطة العربية (ابن حزم، الفارابي ،الكندي، ابن رشد وغيرهم كثير (وفي عصر النهضة الاوروبي وخاصة من خلال مفهوم «التطهير»  خير دليل.
 يكتب جون هاردي في هذا الصدد: «لا يوجد في الادب اليوناني مقطع لمفكر اشهر من الكلمات العشر من كتاب»  «الشعر(1449) « المتعلقة بمفهوم التطهير: لم ينقطع النقاش،منذ عصر النهضة، حول «تطهير الانفعالات»
من جهته اخرى أولى كانط التواصل  أهمية قصوى وبين في مؤلفه الهام «نقد ملكة الحكم»  ان الحكم الجمالي هو الذي يمكن لوحده، وعلى عكس شكلي التواصل المعرفي والاخلاقي اللذان يكونان غير مباشرين، من تحقيق تواصل  بين الذوات يقوم على قيمة جوهرية ستكون موضوع بلورة أوضح  وأعمق في نظرية الفعل التواصلي لدى هابرماس. واذا كان كانط يؤسس للتواصل الانساني بناء على تمثل مهم للكلي الذي يتحقق معرفيا  أو اخلاقيا اوجماليا فانه يؤكد ان التواصل الذي يتحقق في الحكم الذوقي  هو تواصل يكشف عن طبيعة مميزة للكلي في فلسفة الجمال.
ان التواصل الذي يقيمه الحكم الذوقي هو أكثر أنواع التواصل الكاشفة لحقيقة «الانسان لانه تواصل يتم من دون مفاهيم وهو التـواصل الإنســـاني». يؤكد فيلوننكو انه تواصل مباشر وهو تبعا لذلك ارقي انواع التواصل أو هو التواصل الذي يحقق وحدة بين انواع التواصل غير المباشرة: المعرفية والعمليومكن هذا فيلوننكو من الحديث عن ثلاث انواع من التواصل في فلسفة كانط وهي على التوالي:
 ـ التواصل الاول هو تواصل موضوعي يتم بواسطة الشيء، وهو تواصل غير مباشر نجده مؤسسا في "نقد العقل المحض".
 ـ الشكل الثاني من التواصل هو المتحقق بواسطة حريتنا، أي القانون الاخلاقي،لكن نجد هنا ايضا ان هذا النوع من التواصل يتم بطريقة غير مباشرة، بواسطة «كونية القانون» الاخلاقي.
ـ  اما النوع الثالث من التواصل فهو ذلك الذي نقف عليه في الحكم الذوقي: انه التواصل الــذي يمكــن الانسان من الالتقاء بالآخر مباشرة ومن دون مفهوم.
 ان ما اكد عليه كانط في فلسفته حول القيمة الفلسفية للتواصل الانساني في مختلف اشكاله هو الذي استرعى انتباه الفلسفة المعاصرة، وخاصة الانثروبولوجيا الثقافية )كاسيرر (التي اهتمت بمنزلة الوسائط الرمزية في الوجود الانساني وبدورها في تحديد شروط «العيش المشترك» ان التوافق والتفاهم والتبادل والتحاور والتثاقف لا يمكن ان تجد شروط تحققها ما لم تؤسس مختلف هذه الوسائط لقطب الرحى والشرط الضروري واللازم لكل تفكير في الانسان ونعني بذلك أسس التواصل ، شروطه ، آليات نجاحه ووسائل تحققه. فماذا نعني بالتواصل تحديدا؟
يبرز اتيان سوريو في معجمه «المصطلحات الجمالية» ان التواصل في مفهومه العام يدل على «الانفتاح» وهو يشير الى «الممر الذي بواسطته يمكن للافراد اوللاشياء ان تنتقل». وهو يعبر عن عملية «التوقع والتنظيم العملي لكل علاقة ممكنة» (كالابواب والاروقة في فن المعمار)ويبين سوريو أن مفهوم التواصل يتعلق من جهة أخرى بوسائل الاتصال (النظرية العامة للاتصالات).
كما يحيل التواصل على معان أخرى كثيرة،  فهو  يدل، مثلا، في الفن على سهولة التبليغ والتوصيل ، «فهو يتعلق بمدى وحقيقة التواصل من جهة الوجدان، ويريد الفنان في هذا الإطار ايصال معلومة خاصة الى المتلقي». وهو «قد يحقق نجاحا هاما وقد يفشل».  وهذا من شانه ان يطرح اشكالية العلاقة بين الفنان وجمهوره التي تحيلنا بدورها الى «مشكل التواصل» نجد في هذا المجال مفهوما قريبا من مفهوم التواصل وهو يشير الى نوع معين من العلاقة الناجحة بين الفنان وجمهوره وهي «وحدة الشعور» او «التشارك  في الاراء والافكار» (communion) . ان وحدة الشعور هذه تدل،كما يبين سوريو،على النجاح الاقصى لعملية التواصل،أي «تحقيق الوحدة الكاملة بين الافكار والاحاسيس وهي تدل على نوع من الوحدة الفكرية». لذلك يرى اسوريوان التواصل الذي يرنو الى هذه الوحدة الشعورية لا يبلغ بالضرورة مرحلة الاكتمال لكنه يتقدم نحوها. ان التواصل بهذا الشكل يرتكز أساسا على عناصر محسوسة تقيم علاقة مباشرة وحيوية بين الفنان وجمهوره .فقد يفشل موسيقي أو ممثل في تحقيق رغبته في التأثير بطريقة ما على الجمهور لكن وغم ذلك يؤكد ا. سوريو ان فعل التواصل يتحقق :يوجد  مثلا تواصل بين الشاعر وقرائه في اللحظة التي تؤثر فيها حيويا قراءة قصيدة له في الاتجاه الذي يرغب فيه الشاعر، وهذا من دون حاجة لان تكون هذه الاحساسات قد وقعت بالضرورة لشخصية الشاعر. في هذه الحالة  يمكن الحديث عن المشاركة (participation) .ومن جهة اخرى يلاحظ اسوريو "ان الكثافة التواصلية للاثر الفني ليست بالضرورة في علاقة جدلية مع قيمته الجمالية".
 ان النظر الى فلسفة كانط من جهة التواصل لا يؤدي ضرورة الى إبعاد مختلف القراءات الأخرى من حيث الوجاهة والأهمية ،بل إن الغاية منه كما يبرز ذلك ، مثلا،  هانس روباريوس هوالانتباه الى آفاق اكثر راهنية في تأول الحقيقة الانسانية .اذ يبين انه اذا أردنا حقا اليوم ان نقف ضد منطق «التصنيع الثقافي» كما ابرزه ادرنو فان العودة الى مفهوم التواصل للنظر من خلاله للتجربة الانسانية بمختلف إبعادها هو أمر ضروري وذلك من اجل التأسيس لبينذاتية مفتوحة تقوم على التعرف والتقبل والتواصل وكل هذا من اجل الوقوف عند الوظيفة الاجتماعية لاشكال التواصل المختلفة. يقول في مؤلفه «من اجل استتيقا التلقي» ، معتمدا على نموذج الفن: «ان التجربة الجمالية تبقى منقوصة من وظيفتها الاجتماعية ...اذا لم تفتح على تجربة الاخر ، التي تحقق،منذ القدم، في التجربة الفنية في مستوى التعرف الجمالي التلقائي».
ان القيمة الفلسفية للتواصل والوسائط المعتمدة في ذلك قد مثلت حقلا للتساؤل والتأسيس التظري في الفلسفة المعاصرة  .يكفي العودة لاعمال هابرماس وخاصة مؤلفه  «نظرية الفعل التواصلي» للوقوف على ذلك. لقد بنى هابرماس مشروعه الفلسفي على «نظرية الفعل التواصلي» يكشف مارك جمناز «ان تصورات هابرماس تلعب دورا هاما في هذا الوعي بعالم التواصل خصوصا لدى الفلاسفة المعاصرين» فماذا يعني هذا فلسفيا؟
ما يمكن استخلاصه من كل ما تقدم هو اولا ان التفكير الفلسفي حين يهتم بالتواصل خصوصا والانظمة الرمزية عامة انما هو يهتم بشروط تحققه كفكر يتمحور حول الانسان وحول صور حضوره في العالم.
 ـ ان لتفلسف الذي لا يراهن على إبداع  شروط جديدة لقول  الإنساني لا يمكنه أن يجد مشروعية له في واقع الانسان اليوم ذلك أن سجن التفلسف في الموضوعات الكلاسيكية على اهميتها هو بمثابة الاقرار بالعجز امام واقع انساني ميزته التبدل والتطور والتعدد والتداخل بين ابعاد متنوعة ولا مناص للفيلسوف من تحمل مسؤوليته الجسيمة في الاضطلاع بالانساني.فليس له إلا أن يواجه الثورة الاعلامية والاتصالية الذي لا مثيل لها ولاخيار له إلا العمل على فهم ونقد ما تشهده الانسانية اليوم من ظواهر جديدة غيرت  جذريا شروط لقاء الانسان بالانسان وثقافة باخرى وحضارة بالحضارات الاخرى.ان العولمة وعلوم الاعلامية وحضارة الصورة بما تعنيه من تجاوز للأشكال التقليدية المكونة لعالم الثقافة وهيمنة عالم الرموز على كل مجالات المعيش الانساني لا يمكن إلا أن ترج الفيلسوف في صورته التقليدية )ذلك الحكيم المنعزل عن هموم الانسان اليومية والسابح في فضاء المثل ( ولا يمكن الا أن تؤرق الفيلسوف الذي لا يكون كذلك الا بانخراطه في «احوال المعيش» للانسان اليوم )ابن خلدون(  لا تكريسا او تبريرا (هيجل)  وانما شكا ونقدا وتشخيصا وتحطيما ( دريدا) ، وكل ذلك من اجل تحقيق غايات الانسانية القصوى )كانط(  كما تتجلى في الحق و المعنى والعدل والحرية.
 ثالثا ان التساؤل الفلسفي حين يجعل من «دراسة العلامات» حقل نشاطه فانه بذلك لا يتخلى عن دوره التقليدي بل هو يكسبه راهنية أعمق ، اذ يمكن النظر الى تاريخ الفلسفة من زاوية علاقته بالعلامة والرمز ومن جهة تأسيسه للتواصل .فهذاامبيرتو ايكو يقدم تاريخا للفلسفة بناء على نظرية العلامة او السيميولوجيا .يكتب امبيرتو ايكو: «فالسيميولوجيا في الواقع تعود الى وقت بعيد، ربما الى الف عام او الفين.لا يتعلق الامر طبعا مع الروقيين بسيميولوجيا وسائل الاتصال ، رغم ان السفسطائيين لم يكونوا مغفلين الى هذا الحد بخصوص هذه المسالة.ان القواعد الاساسية لدراسة العلامات كانت موجودة سلفا». ويعمد امبيرتو ايكو الى تقديم تحقيبا لتاريخ الفاسفة بناء على طبيعة التصور الخاص بالرمز والعلامة والتواصل.ويكشف ان الاهتمام بالعلامة لم ينقطع منذ نشاة الفلسفة الى حدود الفلسفة المعاصرة ويذكرنا بدراسة هوسرل بعنوان: «سيمياء واعمال رسل وفتغنشتين وكاسيرر» ويذهب الى حد اعتبار «السيمياء» جزء من الفلسفة .يكتب في هذا المجال «عندما أقول: هناك سيمياء عامة تمثل فرعا من فروع الفلسفة ،فانني اعني ان الفلسفة منذ ان  اعتبر ارسطو اللغة كاساس لمتافيزيقا الكائن، وعندما يقول ان الكينونة هي مانقوله بطرقة مختلفة،فانه يؤسس مفهوم الكينونة على اللغة».
  ان التفكير الفلسفي حين ينخرط في البحث عن الانساني ضمن افق الزوج المفهومي وحدة / كثرة وحين يجعل من التواصل والانظمة الرمزية مجاله لابراز مشروعيته كخطاب لا ينفصل عن العقل في انفتاحه الدائم على الصيرورة ونشدانه اللامحدود للثبات لاينفصل عن لحظة الميلاد كما تعينت مع سقراط وتجسدت مع افلاطون (فمحاورة السفسطائي لم تكن غير صورة للفيلسوف الذي وان كان يطلب الواحد والجوهر فانه لم ينقطع عن مواجهة العرضي والمتغيروالمتعدد في تنوع اشكاله) بل هو يتدبرنفس الزوج ولكن في اطارراهنية الاشكاليات التي تحكم اليوم الوجود الانساني بما هي اشكاليات لا يمكنها ان تتجنب مشكل التواصل ومشكل الرموز في كثافتها اليوم.يكفي التذكير بما يقوله افلوطين في تاسوعاته: «ان الواحد سابق على كل الكائنات الاخرى،ما هو اذن؟ انه قوة الكل,اذا لم يكن،لا شيء يكون،لا الكائنات، لا العقل، لا الحياة الاولى ولا إي حياة اخرى.انه فوق الحياة وهو سببها.إن نشاط الحياة التي تمثل كل الكائن ليست الاولى، هي نابعة من الواحد وكأنها نابعة من عين ماء.تصوروا عين ما لا أصل لها البتة».
ـ II ـ في العلامة والرمز:
 يمكن القول إن إبراز شروط السؤال الفلسفي ومشروعيته لا ينفصل اليوم عن التساؤل حول مختلف العلوم التي نشأت في ارتباط باشكالية اللغة منشأ وبنية و تداولا: «لقد كان اعتماد العلوم الانسانية منذ حوالي منتصف القرن العشرين على الكشوفات الالسنية، وبخاصة اعتماد النموذج اللغوي في الجملة مقياسا لكشف بنية تلك العلوم ووصفها ثورة اتخذت سمة الموضوعية...» لذاك ليس غريبا ان يتم الحديث عن المنعرج اللغوي لبعض التيارات الفلسفية المعاصرة، وليس غريبا ان يتأسس النظر للإنساني اليوم بناء على الكشوفات التي تقدمها السيميائية او علم العلامة وان تؤول اشكالية الكلي ضمن أفق العلامة والرمز لا داخل اللغة فحسب بل داخل كل الأنظمة الرمزية المكونة للثقافة الانسانية ( اسطورة، دين، لغة،علم،فن،صورة،سينما،وسائل الاتصال الراهنة)... فماذا نعني بكل من العلامة والرمز؟ وهل توجد إمكانات للتقاطع والتلازم بين المعنيين؟ وهل نقدر على كشف حقيقة التواصل الانساني في وحدته وتنوعه من خلال العلامات والرموز؟
1
ـ في التعريف:
العلامة:  يقتضي الوقوف عند معاني وجلالات العلامة التمييز بين التأريخ للعلامة وبين تحول الدراسات المتعلقة بها الى علم.اما البعد الأول فهو قديم قدم المنطق واللغة،في حين أن تخصيص علم لها وهو علم العلامة اوالسيميائية او السيميولوجيا فهوقد ظهر مع فردينان دي سوسير   (1913-1857)ومع تشارلزساندرز بيرس (1914-1838).
 يعرف دي سوسير العلامة بانها المتكون من الدال والمدلول.ويبين ان العلاقة بين الدال والمدلول هي علاقة ضرورية مثل علاقة وجهي الورقة اوالعملة.فالعلامة ثنائية الأبعاد.أما العلامة اللغوية فيحددها باعتبارها العلاقة الرابطة بين الصورة الصوتية والتمثل الذهني،وبهذا فان العلامة اللغوية مجردة وليس لها علاقة مباشرة بالاشياء.ذلك ان المدلول باعتباره صورة ذهنية مكونة للعلامة وهو ليس عنصرا من اشياء الواقع .ويرى البعض ان العرب انتبهوا الى هذا الجانب الذهني او التصوري للغة . يقول يحيى بن حمزة: «الحقيقة في وضع الالفاظ هو للدلالة على المعاني الذهنية دون الموجودات الخارجية.والبرهان على ما قلناه هو انا اذا رأينا شبحا من بعيد وظنناه حجرا،سميناه بهذا الاسم، فإذا دنونا منه وظننا كونه شجرا،فانا نسميه كذلك، فإذا ازداد التحقيق بكونه طائرا،سميناه بذلك، فإذا حصل التحقيق بكونه رجلا سميناه به .فلا تزال الألقاب تختلف عليه باعتبار ما يفهم منه من الصورالذهنية .فدل ذلك على أن إطلاق الألفاظ إنما يكون باعتبار ما يحصل في الذهن .ولهذا فانه يختلف باختلافه». كتاب الطراز، الجزء الاول، ص 36.
 يمكن العودة الى المناطقة العرب للوقوف عند اهمية ما انجزوه في هذا المجال .لقد درسوا العلامة بوجه اعم مما حدده دي سوسير للعلامة ، وذلك دون تخصيص لطبيعة المدلول، كما انهم يدخلون الشخص المدرك في اعتبارهم..فعندهم إن الدلالة هي: «كون الشيء بحالة، يلزم من العلم به العلم بشيء آخر») التحتاني ،شرح الشمسية،ج1ص، (14)  (174تتأسس الدلالة لديهم على «علاقة مزدوجة :من جهة بين الدال والمدلول،ومن جهة أخرى بين هذين معا وبين المدرك».
     من جهة أخرى ان فهم حقيقة العلامة يتطلب إبراز احد أهم خصائصها كما تبلورفي العلامية واللسانيات الحديثة وتتمثل في أن العلامة «تنطوي على القصد إذ يقتضي دستورها الدلالي توفر النية في إبلاغ ما تفيده، وفي هذا تتميز عن القرينة لان القرينة تشمل كل شيء يدرك مباشرة فيفيد دلالة تتعلق بغيره كدلالة السحاب على المطر...إما العلامة فإنما تدل بوضع هو اصطلاح متفق عليه تصريحا أو مسلم به ضمنيا، ولا يكون أمر المتلقي للعلامة إلا قاطعا فإما هو عالم بالاصطلاح  فمستفيد اذن بفحواه وإما هو جاهل فلا ينفعه اجتهاد فيها ولا تأويل بشأنها» .
  إن تحديد مراتب الدلالة وعناصرها أمر أساسي ينبغي ايلاؤه كل عناية.لذلك ارتأينا أن نعود الى نظريات الفلاسفة المعاصرين الذين اصبحت معهم العلامة موضوعا فلسفيا لا يقل اهميةعن أي موضوع فلسفي آخر ،بل إن فهم الخطاب الفلسفي لن يتحقق عندهم الا اذا تحددت معالم التصورات التي تؤسس للعلامة وللعلم الذي يشتغل عليها أي العلامية.فأي تعريفات استقرت عليها العلامة لدى الفلاسفة المعاصرين؟واي افق تفتحه للقول الفلسفي حول الانساني في فرديته وفي كونيته؟

    ان السؤال عن العلامة لا ينفصل في الواقع عن مفهوم الرمز،اذ ان العلامة والرمز متلازمان تلازم الوجه والقفاء  لذلك فان تدبر أمر العلامة ينفتح ضرورة على الرمز والتفكير في الرمز لا يستقيم قولا متعقلا الا إذا تشابك مع العلامة.وتبعا لذلك سيتبلورحد الرمز كلما توضحت دلالات العلامة.
 واذا كان الرمز يتميز بتعدد دلالاته فـــــهو  مشــــــتق من الكــلمة اليونانية ( symbolon)المشتقة من الفعل (symballein)  وهو يفيد «وصل، جمع، قرن» فالرمز يدل على «الربط والوحدة» وهو امر يتحقق في مختلف الثقافات.اما من «حيث الدلالة فان الرمز اغتنى عبر التاريخ بمعان عديدة،منها المعنى التماثلي، فالميزان على سبيل المثال هو رمز للعدالة،وهنالك المعنى السيميائي وذلك في استعمالنا للرمز في مجال المنطق والرياضيات،كما ان هنالك مستوى اخر للرمز هو المستوى البلاغي المجازي الذي يستدعي التاويل» ولكن مهما كان الامر فان الرمز يتحدد في كونه «ما يسمح بتجسيد اوتجريد وقائع»
وفي هذا الاطار يمكن العودة الى تصورات بعض الفلاسفة الذين اثروا حقل البحث في العلامة والرمز ووقفوا عند الابعاد الفلسفية للتفكير فيهما. ويعد ارنست كاسيرر احد اهم من جعل من فلسفته بحثا ينشد في كليته الى التساؤل عن البعد الرمزي للانسان .وهو الامر الذي دفعه الى بيان اهمية النظر الى الشروط المتحكمة في تكون العلامة والرمز .وكشف ان الانسان يتميز عن بقية «الانواع الحيوانية» التي تشترك كلها في امتلاك «جهاز مستقبل» اواستقبال و»جهاز مؤثر» اوتاثير،في كونه يمتلك حلقة ثالثة هي التي يمكن ان نسميها «الجهاز الرمزي»
  وقد اكد كاسيرر على اهمية دراسة البعد الرمزي الانسان دراسة تاريخية تقف عند شروط تكون الرمز والعلامة وعند تطور هما من الاسطورة الى الدين والفن والعلم.وبين في هذا الشان ان مفهوم الرمز مر بثلاث مستويات ،وهي مرحلة المحاكاة البسيطة التي يكون فيها الرمز مجرد اعادة انتاج للاشياء،ثم مرحلة المماثلة حيث يقوم الرمز بتمثيل خواص الاشياء، واخيرا مرحلة الرمزية المجردة.
 لقد أصبح التمثل الرمزي أساس التفكيرالانساني لدى كاسيرر ولذلك فان التمثل المفهومي ليس الا بعدا من ابعاد الخلق الرمزي،وهو لذلك المحدد للوعي الانساني على الحقيقة.كما يتم فهم اليات نشاط كل من العلم والفن والاسطورة واللغة والدين والتاريخ بناء على البعد الرمزي وفي اطاره.ان الانسان يخلق العالم بخلقه للرموز.ان الرموز ليست محاكاة اونقلا للواقع بل هي المكونة والمشكلة لهذا الواقع،فالواقع هو ما تعنيه الرموز ،ان ما تقوله الرموز هوالواقع ولا معنى للواقع خارجها.
إن كاسيرر حين يدرس الرمز والعلامة فانه يعمل من خلال ذلك على تأكيد الفكرة التالية:وهي أن الانسان قد خلق الرموز في تفاعل مع مختلف التصورات التاريخية للواقع التي تعبر عن تطور اشكال الوعي الانساني عبر التاريخ.لهذا يؤكد كاسيررعلى وجود ثلاث نظم رمزية تعبر عن ثلاث وظائف مختلفة:
 -الوظيفة التعبيرية في هذا المستوى ليس هناك فرقا بين الرموز والاشياء التي ترمز اليها في الوعي البشري ، والعالم الذي تخلقه هذه الرموز هو عالم الاسطورة والدين.
-
الوظيفة الحدسية التي تقوم بتمثيل عالم الحياة اليومية وإشكال الادراك المباشر المحدد لحياة الانسان المكرورة ويقوم الرمز هنا بتمثيل خواص الاشياء الثابتة حدسيا.
-
الوظيفة المفهومية التي تخلق العالم الموضوعي للعلوم ،وتكون فيه الرموز تعبيرا عن نسق من العلاقات لا غير.هذا وقد كشف كاسيرر عن هذه النماذج الثلاثة للواقع التي تقابلها ثلاث نظم رمزية في مؤلفه الكبير»فلسفة الاشكال الرمزية» اما في مؤلفة  «بحث في الانسان»  فقد اضاف الى تلك النظم الثلاثة الفن الذي يعرض لنا معرفة بالاشكال المحضة والتاريخ الذي يوفر لنا معرفة بالاحداث الماضية.(20)  تجدر الملاحظة هنا ان المرحلة الثالثة هي المرحلة الرمزية المجردة التي تتضح فيها قدرة الانسان الكاملة على خلق الرموز المحضة ويطلق عليها مرحلة الدلالة ..يقول ارنست كاسيرر عن هذه المرحلة التي تكون حقلا مستقلا بذاته: «و ما دام الانسان قد خرج من العالم المادي فانه يعيش في عالم رمزي،وما اللغة والاسطورة والفن والدين الا اجزاء من هذا العالم،فهذه هي الخطوط المتنوعة التي تحاك منها الشبكة الرمزية،اعني النسيج المعقد للتجارب الانسانية».
III - علاقة الانظمة الرمزية بما هو انساني:
1) قدرة الانظمة الرمزية على تحقيق تواصل انساني:
تتحدّد الأنظمة الرمزية باعتبارها وسائط بين الإنسان والعالم وبين الإنسان والآخر، وسيطا يمكن الإنسان من تحقيق التواصل وتحقيق إنسانيته التي تشترط الفعل التواصلي. ومن هذا المنطلق فإن اللغة كنظام رمزي تستخدم العلامة، و تمثل بالنسبة لغوسدوف طريقا للدخول في الواقع الإنساني، وهذا يعني أن الطفل بعد أن يقطع صمت الحياة العضوية، بفضل التحكم المتدرّج في اللغة، يتحدّد كذات ويتمكن من التواصل مع بني جنسه. وهذا يعني أن اللغة تأسس عالما رمزيا متميزا يستحضر العالم ولكن لا يشبهه، لأن الكلمات ليست الأشياء، ولذلك كانت اللغة نظاما رمزيا. والوظيفة الرمزية للغة تتمظهر في القدرة على استعمال العلامات كرموز تمكننا من تمثل شيء آخر رغم غيابه. وبالتالي فإن اللغة كنسق من العلامات ليست لها علاقة مادية بما تعنيه هذه العلامات. وهذا الاختلاف عن الواقع يعطي اللغة نوعا من الاستقلالية عما هو كائن، وتسمح بالتالي للإنسان من الارتباط بالعالم و بالارتحال عنه. وهذه الاستقلالية والتسيير الذاتي للغة جعل "غوسدورف" يعتبرها الوسيلة الجوهرية التي تمكّن الفرد من تمثل ثقافة المجموعة التي ينتمي إليها. فاللغة هي التي تمكن الإنسان من تجاوز كينونته البيولوجية. وهو ما يعني أن الوظيفة الأولى للغة هي التواصل بين الناس، فأن نتكلّم هو أن نتواصل، وفعل الكلام هو فعل تمرير المعلومات، لذلك فإن اللغة هي قبل كلّ شيء رابط اجتماعي، إذ هي منظومة اجتماعية تكون الإنسان ذاته كشبكة للتبادل والمشاركة والتواصل بما هي حوار يقتضي إفساح المجال أمام الناس للتعارف المتبادل كمقدّمة للفهم والتفاهم. لذلك يمثل الآخر طرفا أساسيا في فعل التواصل اللغوي، ففي هذا التواصل اللغوي، يحضر الآخر حتى عند غيابه، وحوار الذات مع ذاتها هو أبسط أشكال حضور هذا الآخر. وهذا يعني أن وعي الذات بذاتها يتحقّق عبر اللغة كنظام رمزي.
والاعتراف المتبادل يقتضي بدوره كلّ الأنظمة الرمزية الأخرى، فالأسطورة كقول أي كنظام دلالي له قواعده ومقاصده لا تختلف في أداء وظيفتها التعبيرية عن اللغة وعن كلّ أشكال التواصل كالدعاية والإشهار والصحافة والصورة، فهي كلها نظما دالة، خاصة وأن ما يميز مجتمعاتنا اليوم هو تنوع وكثرة الأنظمة التواصلية، فالصحف والراديو والأشرطة المرسومة كلها أشكال تعبيرية غير لسانية وتمثل الحامل الأسطوري للتواصل المعاصر. ولكن إذا كان الحوار لكي يكون كونيا لابدّ أن يبنى على معياري الحقيقة والحرية، فهل يمكن القول، في إطار التأثير الكبير للأنظمة الرمزية على الإنسان كوسائط لا غنا عنها، بأننا إزاء إكراه بنيوي للذات داخل الأنظمة الرمزية ذاتها؟ هل تتعطل قنوات التواصل بين الذوات بفعل تعدّد الأنظمة الرمزية أم أن الوعي بحدود هذه الأنظمة يمثل في حدّ ذاته سبيلا لتحرّر الذات من الإكراه البنيوي الذي تمارسه عليها الأنظمة الرمزية؟
2) تنسيب قدرة الأنظمة الرمزية على تحقيق تواصل إنساني:
يلاحظ أدونو و هوركايمر أن السيطرة على الطبيعة مرتبطة ارتباطا وثيقا بتحوّل النوع الإنساني، لكن هذه الحركة الأولى لسيادة الذات عبر السيطرة على الطبيعة كمشروع للحداثة جعلت من وجود الذات وسيلة للهيمنة على مجموع العالم ووسّعت من هذه الهيمنة لتشمل الإنسان أيضا. ويقرّ"أدورنو" و"هوركايرم" أن نتائج هذه السيادة تتمثل في كون النسق الثقافي الذي محوره البضاعة، أدى إلى استعباد الإنسان. وهكذا فإن علاقات الاتصال اضطربت كثيرا من فرط التقدّم التقني، ذلك أن العنف الرمزي في الحضارة صناعية دائم الحضور ويشكل بعمق كلّ أصناف الهيمنة، فما يتواصل حوله الناس اليوم في إطار غزو الوسائل التكنولوجية لكلّ فضاء إنساني هو الخطاب الكاذب الذي تتناقله وسائل الإعلام، هذا الخطاب الذي لا يؤدي إلاّ إلى اغتراب الإنسان عن مشاكله الأصيلة وقضاياه الوجودية عبر تحويل موضوع التواصل إلى بضائع يتم تقديمها بشكل يغري الناس من أجل تحقيق الربح. وهكذا يبدو أن تعدد وسائل الاتصال وتقدمها وعوض أن يساهم في تفعيل الحوار بين الناس أدى إلى عكس ذلك إلى شلّ التواصل، والعدالة الوحيدة التي تحققت في الحضارة الصناعية ليست عدالة اجتماعية ولا عدالة سياسية بل هي عدالة تساوي كلّ الناس وتماثلهم في وضعية العزلة التي أنتجتها وسائل الاتصال.
و يجب أن نلاحظ أن اللغة أيضا يمكن أن تكون خطرا عندما تكون الكلمة وسيلة للفعل في الآخر وذلك ما يكشف عنه "رولان بارت" عندما أقرّ بأن "اللغة وسيلة تشريعية اللسان قانونها"، بحيث تمارس اللغة إكراها بنيويا يصعب معه التمييز، في عملية التواصل، بين المحتوى والشكل، خاصة وأن كلّ وسيلة تقنية للتواصل لها فعل ارتدادي على الرسالة التي تمرّرها، بل يبدو حسب "ماك لوهان" أن "الرسالة الحقيقية هي الوسيط ذاته". لذلك فإن تجديد وسائل الاتصال بدءا بالكتابة إلى شبكة الانترنات يؤثر نسقيا في الثقافة والفكر ولذلك تحاول الميديولوجيا اليوم تحليل الوظائف الاجتماعية العليا (الدين/ الفن/ السياسة/ اللغة) في علاقاتها بوسائل النقل و التنقل (وسائل الاتصال) وما تحمله من أفكار تخص مجتمعا من المجتمعات. خاصة وأنّ نمط الحياة المعاصر يتسم بالتكالب على المصالح وبتقديس التقنية ومنتجاتها في غير اكتراث بالبعد الثقافي والروحي للوجود الإنساني. والفعل الذي تولّده هذه الوسائط على الثقافة بصورة عامة، جعل ميشال هنري يقرّ بأن الأمر لا يتعلق بانحطاط القيم الأخلاقية والدينية والثقافية تحت تأثير وسائل الإعلام التي تنشر خطابا رديئا، بل إن الأمر يتعلق بسيرورة تحطيم الإنساني، إذ نشهد تراجعا للإنساني في كل المستويات. للأنظمة الرمزية، إذن، سلطة. إنها تمارس عنفا رمزيا، يولّد حسب بورديو تبعية لا ترى، تبعية تشغل انتظارات جماعية واعتقادات اجتماعية أنتجتها ورسّختها وسائل الاتصال. وفي هذا العنف الرمزي، تتجلى السلطة الرمزية باعتبارها سلطة تكوين المعطى بمجرّد التصريح به، سلطة الفعل في العالم عبر الفعل في تمثل العالم. وتتحقّق في علاقة تنتج الاعتقاد في شرعية كلمات أو شرعية الأشخاص الذين ينطقونها وهذه العقيدة العملية هي حق الدخول الذي تفرضه بطريقة خفية كلّ الحقول الاجتماعية.
IV - أزمة تواصل أم أزمة وسائط:
إذا لم تكن الأنظمة الرمزية وسائط شفافة ووفية بل إنها كوسائط تمارس سلطة، نوعا من الاكراه البنيوي على الذات يعيق التواصل ويستحيل فيها التواصل إلى علامات عبودية، علاقات متسلط بمتسلط عليه، فما هي إذا الشروط التي يجب أن تتوفر من أجل أن يكون التواصل أساس الإنساني أو على الأقل حتى تعي الذات بحدود الأنظمة الرمزية فتتعامل تعاملا نقديا مع هذه الأنظمة أملا في تحقيق تواصل حقيقي بين الناس؟
يرى هابرماس أنه لا يمكن أن نختزل العلاقات التواصلية في تبادل المعلومات، ذلك أنّ الفعل التواصلي ليس مجرّد تبادل لمعطيات بل هو تأويل لما يحدث، إنه تأسيس لقواعد العيش في كنف المجتمع، إنه مساهمة في تركيب العالم الاجتماعي المعيش. وهذا يعني أن التواصل عند هابرماس يشكل الإنساني والبحث في شروط نجاح أو فشل التواصل يمثل لحظة جوهرية في كلّ تفكير في المجتمع وفي العلاقات الاجتماعية. وصلاحية التواصل بالنسبة لهابرماس تقتضي مجموعة من الشروط:
- المصداقية: إذ تمكنني من أن أفترض حسن نية المتكلّم.
- الحقيقة: بما هي قيمة معرفية تمكنني من افتراض غاية الآخر كغاية لا نفعية.
- الحرية: الذي تمكنني من افتراض أن كل قول يقوم على الإقناع والحجة العقلية، بحيث يكون المحاور قادرا على الإقناع بحقيقة القضايا المقدمة.
- الاعتراف بتطابق الأفعال المقترحة مع المعايير السلمية.
لكي تتحقق علاقات تواصلية ايجابية من الضروري أن يكون المخاطب قادرا على التثبت من مختلف نماذج الصلاحية الأنفة الذكر، إذ يجب أن يوجد دائما افتراضا قبليا لهذه الشروط كعناصر حاضرة واقعيا، أو على الأقل افتراضيا إذ نفترض أن هناك إمكانية للمحاججة وهنالك إمكانية للقبول أو الرفض لأنه في غياب هذه الشروط لن يكون هناك فعلا تواصليا. وهابرماس يعترف أنّ كلّ المجتمعات لا تخلو اليوم من ضغط المصالح الذي يولّد العنف والغش تحت تأثير العقل ألأداتي المعرفي، أي مجموع الأنشطة التي تهدف إلى تقوية سيطرة الإنسان على المحيط وتلبية الحاجيات التي يصوّرها في هذا الإطار. ذلك أن المجتمع لا يستطيع أن يستمرّ دون مستوى أدنى من النشاط ألأداتي، وهي نشاطات تولّد مشاكل عندما تكون الخلفية الورائية للمحاور التواصلية، واستراتيجية هذه العقلانية الأداتية تتمثل في التعامل مع الآخر لا كمتقبل فعلي ومحاور ولكن كوسيلة للفعل. وهذا يعني أن هابرماس ينتهي إلى اعتبار الإنتاج مجرّد نشاط ضروري، بل هو أدنى مرتبة وتابع للتواصل بما هو جوهري للإنسان، ولكن العقل ألأداتي ضخّم هذا النشاط الإنتاجي وسوّق له باعتباره الأساسي في الإنسان ممّا حطّ التواصل إلى أدنى مستوياته.
وسيطرة العقل الأداتي تجلت في سيطرة الصورة اليوم كنظام رمزي، فالصورة تتحدّد في معناها الأصلي باعتبارها إعادة إنتاج طبق الأصل، والفلسفة كانت تستبعد الصورة بناءا على التقليد الأفلاطوني الذي يستبعد العالم الحسي ذلك أن الصورة والمفهوم يتقابلان راديكاليا فالصورة في معناها الدقيق تمثل الشكل المحسوس لشيء خاص والمفهوم هو الفكرة الكونية والعامة ولذلك ارتبطت الصورة بالعجائبي والمقدس دوما. أما الوظيفة الترفيهية للصورة فهي وظيفة حديثة، ويجب أن نلاحظ أن هذا التمييز الراديكالي بين المفهوم والصورة راجعته الفلسفة الحديثة وأصبحت الصورة تتقدّم كركيزة ضرورية مثلا لكل فكر علمي، وبهذا المعنى ترافق الصورة الفكر، وبالتالي تمثل رمزا بما أنها لا تؤخذ في ظاهرها بل تحمل على ما تشكله. ففي الذهن لا تمثل صورة ولكن إشارة إلى واقع. ومن هذا المنطلق فإن الصورة ليست انعكاسا بسيطا للواقع تتم قراءتها بشكل مباشر بل إنها عكس ذلك غير مستوعبة مباشرة إذ تفترض جهدا إدراكيا وتأويلا يجعل من الصورة بالفعل واقعا مدركا. وهذا يعني أن الصورة تؤخذ كإشارة إي كأداة تكمن وظيفتها في نقل رسالة ولذلك تعتبر الصورة نظاما رمزيا قائم الذات.
ويلاحظ رولون بارط أن ما يميز مجتمعاتنا المعاصرة هو تنوع أنظمة التواصل وكلها تمثل حوامل أسطورية للتواصل المعاصر. والجمع بين الأنظمة التواصلية يفسح بالنسبة إلى رولون بارط المجال لكشف القدرة التأثيرية للأشكال التواصلية، إذ هي أشكال لها وظائف دالة ضمن نطاق الوضعية التي ترتبط بها، فالعلامات تجمع بين مفهوم وصورة أو بين شكل ومعنى. وكلّ هذه الوسائط تمثل حسب جون بودريار وسائل تخضع المشاهد للإكراه و القصر. فالإنسان المعاصر محكوم بنظم وعلامات تمثل بدائل على الواقع، والتراكم الهائل للصور كبضاعة للاستهلاك جعل غي ديبور يتحدث عن المجتمعات المعاصرة باعتبارها مجتمعات الفرجة، و تمثل الفرجة، عنده، رؤية كلية للحياة، وهي أساسا ترسانة من الصور المؤثرة على المشاهد، مما جعل ديبور يتحدث عما سماه بالاستبعاد المعمم الذي يمثل وجها من وجوه الاغتراب. وهذا الاغتراب له قدرة تأثيرية بالغة تستمدّ من الاساس الاقتصادي بحيث تطوّع الصورة والكلمة لتشكيل الوعي الزائف. إنه تأثير يغري الجموع صنعه مخطط الاقتصاد الليبرالي للتحكم في صفوف الناس وإبعادهم عن مشاغلهم الحقيقية عبر التشبه بسلوك المشاهير والنجوم الذين يتصدرون الفرجات الاشهارية. وبقدر ما تعتمد الفرجة أنواعا من الصور الباهرة وأشكال الترفيه المغرية، يتحول الإنسان المستهلك للسلع إلى مستهلك للأوهام، والصورة التي كانت في الأصل تبلغ الدلالة وتحدث التواصل تحوّلت إلى عنصر تأثير مفسد للتواصل الحقيقي ومعطّل للحوار بين الذوات. يتعلق الأمر إذن بقوة خاصة، بوظيفة تعطي للصورة قدرة فعلية على توليد فعل منعكس شرطي. وهذه السلطة التي للصورة جعلت ريجيس دي براي يقسّم تاريخ الحضارات إلى ثلاث عصور محكومة بنظم سلطوية متناسبة مع شكل الذي تتخذه الصورة في كلّ عصر:
- عصر الخطاب، رمزه أفلاطون، وشكل صورته هو الصنم الذي يتطلب الرهبة، والنظام السياسي الذي يقابله الثيوقراطية (حكم ديني).
- عصر الأشكال، رمزه ديكارت، وشكل صورته الفن الذي يتطلّب الحياة، والنظام السياسي الذي يقابله يسميه دي براي: الايديوقراطية (سلطة الفكر).
- عصر الشاشة رموزه "الكهنة الجدد" الذين يمثلهم المشاهير، وشكل صورته هو الصورة البصرية التي ترتبط بالمصلحة، أما النظام السياسي الذي يقابله فهو الفيديوقراطية (سلطة الصورة).
وهذا يعني أن كلّ نظام سلطة تنتج صورة هي مجال وسائطي، يشكل وعيا زائفا، ذلك أن كلّ نظام سلطة يقدّم نفسه على أنه بديهي، يقول ديبراي: "إن الصورة التي ترينا العالم هي بالذات ما يمنعنا من النظر إليه". وهكذا إذا يبدو أن أزمة الوسائط لا تتعلق بكثرتها وباختلافها وإنما بهيمنة أحدها على الأخرى فأزمة التواصل اليوم ترتبط بهذا الهجوم القوي للصورة والمكانة التي أصبحت تحتلها كوسيط أساسي، وكوسيط لا يعكس فقط إرادة التواصل في أخلاقياته الإنسانية بقدر ما يعكس إرادة المهيمن على التأثير عبر الصورة كنسخة تدعي التطابق مع الواقع. ويبدو أن تمثل العالم في الصورة قد أزاح كلّ التمثلات الأخرى فغدت الصورة هي حقيقة العالم.
الأنظمة الرمزية:
-         في التواصل في حد ذاته:
"التواصل يقابله المصطلح الأجنبي continuité وهو يعني فيما يعني الاستمرارية ويتضمن مفهوما آخر يتلامس معه وهو مفهوم الاتصال communication ...والشيء ذاته بالنسبة لمصطلح اللاتواصل discontinuité والذي يعني الانقطاع والانفصال معا..."
التواصل هو مفهوم مزعج وفضفاض نعثر عليه في كل مكان وتؤمنه العديد من الوسائل والتقنيات وهذا ما يجعله  مفهوما بالغ الأهمية  والجاذبية مختلطا بمفهوم الاتصال، فهل تعني هذه التداولية للمفهوم أننا نحتاجه ضرورة اليوم؟
على الرغم من أن مجموعة كبيرة من الفلاسفة انتقدوه بشدة ورفضوه أحيانا فانه يطفو مجددا على السطح ويفرض نفسه على الجميع كعملة ينبغي تداولها. إن التواصل أمر جيد وقيمة كونية تفتقت عنه الأذهان ودنت منه القلوب ومالت إليه الأجساد وهو قد غزى ميدان السياسة بعد أن ترعرع في مجال الاقتصاد، كما أضافته الثقافة إلى مهامها الأخرى وتحول الكون إلى وكالة عالمية للتواصل.
بيد أن تكاثر الإقبال على التواصل وسهولة الاستعمال وسائل الاتصال أخفى دلالة هذه القيمة وحجب معانيها ،فما المقصود بكلمة التواصل؟
إذا ما أردنا تحديد لفظ التواصل فينبغي أن ننظم الحقل الدلالي الشاسع الذي يغطيه ونتبع مساراته المتعرجة في ثلاثة لغات هي العربية والفرنسية والانجليزية.
إذا انطلقنا أولا من لغة الضاد فإننا نجد كلمة "وصل" تشير إلى العلاقة بين اثنين أو بين نقطتين أو بين حالتين إنسانيتين ( الوصل والهجر في لغة العاشقين) ويدل على خلق الروابط الإنسانية بين الناس. من جهة أخرى نعثر على كلمة "بلغ" والتي تتضمن شحنة دلالية قوية وتفيد البلاغ والتبليغ والدعوة والتبشير والدعاية والإرجاع.
لقد جاء في لسان العرب ما يلي:" وصل: وصلت الشيء وصلا وصلة، والوصل ضد الهجران، الوصل هو خلاف الفصل، وصل الشيء بالشيء يصله وصلا وصلة,. وقد جاء في القرآن:"ولقد وصلنا لهم القول" أي وصلنا ذكر الأنبياء والأقاصيص لكي يعتبروا. واتصل الشيء بالشيء أي لم ينقطع، ووصله إليه أوصله: أنهاه إليه وأبلغه إياه... ونجد كذلك بلغ الشيء بلوغا وبلاغا وصل وانتهى وأبلغه هو إبلاغا وبلغ تبليغا ويبلغ بالشيء أي وصل إلى مراده وبلغ مبلغ فلان ومبلغته والبلاغ ما بلغك.
نقول له في هذا له بلاغ وبلغة وتبلغ أي كفاية وبلغت الرسالة أي تمت ووصلت. وقد جاء في القرآن:"هذا بلاغ للناس ولينذروا به" والبلوغ هو وقت الكتاب على الإنسان والتكليف وإذ بلغ أجلهن أي قاربته وبلغ النبت أي انتهي.
إن الفعل تواصل والاسم تواصل قد ظهرا أول مرة في اللغة الفرنسية في النصف الثاني من القرن 14 وكانا يعنيان "المشاركة في" وكانا قريبان من الفعل اللاتيني   communicare الذي يفيد "الجمع بين الأشياء" و" وضع الأشياء ضمن علاقة" ، غير أن القرن 16قام بالتقريب بين كلمتي  communiquer و communication من كلمة communier  و communion والتي تعني الملكية الجماعية وهذا المعنى ثبته قاموس littré  بمعنى "الاقتسام مع اثنين أو أكثر" ويقال تقاسم خيرا ما أي اشتركا في إثبات صحته. وقد ترتب عن ذلك إفادة كلمة communiquer   معنى النقل أي انتقل من الجزئي إلى الكلي  ومن الكلي إلى الجزئي وتصبح وسائل النقل قنوات اتصال.
أما اللغة الانجليزية فنعثر فيها منذ القرن 15 على الجذر  communis الذي يدل على فعل التقاسم و"وضع جنبا إلى جنب" وفي القرن17 ستصبح كلمة communication تدل على الوسيلة التي تمكننا من الجمع بين الأشياء ضمن الإطار الواحد. في هذا السياق ستنتشر وسائل الاتصال الحديثة بداية من وسائل النقل في القرن18 وتزداد الطرق والقنوات البحرية والمسالك الحديدية والموانئ الجوية وسترتبط تسمية التواصل منذ 1950 بالصحافة والسينما والإذاعة والتليفزيون.
إذا رجعنا الآن إلى معجم روبارت الكبير فإننا نعثر على تعريف جديد ينضاف إلى التعريفات الأربعة السابقة :
1-    الفعل الذي من خلاله نبلغ أحد شيئا ما.
2-    الشيء الذي نبلغه.
3-    الفعل الذي من خلاله نتواصل مع شخص ما.
4-    الانتقال من مكان إلى آخر.
5-    معنى جديد يرتبط بالانتظام والتواصل ويعني كل علاقة ديناميكية ضمن حركية ما.
يعبر هيدجر عن المعنى الأنطولوجي لكلمة تواصل بقوله:" ينبغي فهم ظاهرة التواصل في معنى واسع وأنطولوجي فالقول الذي يسمح مثلا بنشر "بلاغ" أو بإعلان صحيفة إخبارية ليس إلا حالة خاصة من حالات التواصل في معناه العام...فهو يحسن المشاركة في الشعور العام بالوضعية وفي فهم الوجود-مع-الآخرين. فليس من مهمة التواصل نقل انطباعات وآراء وأماني سريرة ذات أخرى. إن التواجد في جوهره يكون منذ البدء دوما وسلفا جليا في الشعور العام بالوضعية وفي الفهم المشترك والوجود مع الآخر في الخطاب يكون متقاسما صراحة غير أنه موجود سلفا والحال أنه لم يدرك بعد ولم يرفع إلى مستوى الامتلاك ما دام لم يعرض بعد للتقاسم".
في الأنظمة الرمزية: (كاسيرار E.Cassirer)
عندما تناول ديكارت الإنسان واختزله في بعده الواعي فإنه ميز الإنسان بالطبيعة عن الحيوان. فالفرق بين الإنسان والحيوان حسب ديكارت هو فرق بالطبيعة، فالإنسان عاقل والحيوان "لا عقل له البتة" كما وضح ذلك ديكارت في رسالته إلى "الماركيز دي نيوكاستل" وهكذا فإن ديكارت يكون قد أفرد قولا خاصا بالإنسان قولا ميتافيزيقيا ينزّل الإنسان منزلة خاصة في العالم.
         غير أن "كاسيرار" الذي عاش في القرن 20 يحاول أن يفهم الإنسان كجزء من الطبيعة، لذلك يتجاوز التعريفات التقليدية والكلاسيكية للإنسان عبر الإقرار بأن الفرق بين الإنسان والحيوان ليس فرقا بالطبيعة وإنما هو فرق بالدرجة فالإنسان هو حيوان أكثر تطورا من بقية الحيوانات ، أكثر تطورا إلى درجة أنه يحدث نقلة نوعية تجعله يتميّز راديكاليا عن الحيوان، هذه النقلة النوعية تتمثل في الوسائط التي أنتجها ليتواصل مع العالم ومع الآخر.
         وإذا كان العلم قد انتهى مع البحوث البيولوجية إلى اعتبار الحياة قائمة بذاتها بحيث يمثل كلّ كائن عضوي كيانا فريدا من نوعه فإنّ "كاسيرار" يعتبر أن العالم الإنساني تمكن من تحقيق تحوّل نوعي يفرق نهائيا الحياة الإنسانية عما سواها وهذا التحول النوعي لا يتمثل في مستوى تغير كمي يتمثل في توسع دائرة الوظيفة لدى الإنسان وإنما "اكتشاف الإنسان بمنهج جديد" يقول كاسيرار جعله قادرا على أن يكيف نفسه بحسب مقتضيات البيئة التي يعيش فيها، فالإنسان مقارنة بالحيوان لا يعيش فقط في واقع أوسع من حيث أبعاده وإنما أنتج الإنسان لذاته واقعا جديدا خاصا به، واقعا يقوم على الوساطة، وساطة الأنظمة الرمزية، و ما يميز الإنسان عن الحيوان هو إذن، حسب "كاسيرار"،  قدرة الإنسان على الترميز أي أن يتواصل بواسطة هذا الجهاز الرمزي الذي ينتج دلالات يتشكل بواسطتها معنى العالم، فالإنسان يتميز عن بقية الكائنات لأنه كائن بيوثقافي.
لذلك ينقد "كاسيرار" رومانسية "روسو" الذي اعتبر تحول الإنسان نحو اكتساب خصائص جديدة غير طبيعية فيه علامة فساد لإنسانية الإنسان. ذلك أن ما هو إنساني في الإنسان حسب "روسو" هو الطبيعي وكلّ إضافة غير طبيعية في الإنسان لا تؤدي  إلا إلى فساده و تمثل انحطاطا بالنسبة للنوع الإنساني. و "رومنسية" "روسو" جعلته يقرّ  في أصل التفاوت بأن إنسان الطبيعة أفضل حالا من إنسان الإنسان مما جعله لا يتوانى على الإقرار في "العقد الاجتماعي": «الإنسان خيّر بالطبيعة ولكن المجتمع هو الذي أفسده». ضد هذه «الرومانسية الحالمة» يقر "كاسيرار" بأن الأنظمة الرمزية تميز الإنسان باعتبارها نشاطا أصيلا لا يمكن أن يرتبط بشيء آخر غير العقل البشري وقدرته على التكيف بل أكثر من ذلك لا يمكن أن نتحدّث عن واقع إنساني قبل هذه النظم الرمزية، ذلك أنها لا تمثل انعكاسا لواقع موجود بصفة مستقلة عنها بل إن الواقع لا يصبح معقولا إلا بفضل الأنظمة الرمزية فهي شرط تعقل الواقع تماما مثلما أن المفاهيم القبلية عند "كانط" تمثل شرط إمكان التجربة ذاتها.
          وهذا يعني أن كلّ الوظائف الروحية لدى الإنسان تشارك المعرفة في الخاصية الأساسية من جهة كونها مسكونة بقوة مشكلة في الأصل، قوة لا تكتفي بمجرّد إعادة الإنتاج فتشكيل الإنسان للعالم يكون بواسطة الانظمة الرمزية. و الأنظمة الرمزية بعيدا عن أن تعبر بطريقة سلبية على الحضور المحض للظواهر، فإنها توجد فيها فضيلة الاستقلالية التي للطاقة الروحية كقيمة خاصة للمثالية، وهذا يصدق على الفن تماما كما يصدق على المعرفة، يصدق على الفكر الأسطوري تماما كما يصدق على الدين.
         فعالم الصورة الذي تتواجد فيه كل واحدة من هذه الوظائف ليس مجرّد انعكاس لمعطى  خبري بل هو على العكس من ذلك مولّد من قبل الوظيفة الرمزية المناسبة  بحسب مبدأ أصيل فكلّ الوظائف الروحية تنتج بهذه الكيفية تشكلاتها الرمزية التي و إن كانت مختلفة تماما عن رموز الذهن فإنها لا تختلف عنها من حيث قيمة مصدرها الروحي، إذ لا يمكن اختزال ولا واحدة من هذه التشكلات في الأخرى فكلّ واحدة تحيل إلى زاوية نظر روحية معينة، وكلّ واحدة تمثل من  هذه النظرة مظهرا خاصا للواقع. فلا يجب أن نرى في الأنظمة الرمزية طرقا مختلفة يتمظهر من خلالها الواقع بل يجب أن نرى في الأنظمة الرمزية طرقا مختلفة يتمظهر من خلالها الواقع في ذاته للعقل، ولكن هي أيضا طرقا مختلفة يتبعها العقل للتموضع في سيرورته الخاصة أي الطرق التي يتبعها العقل في تمظهره لذاته.
         وسواء أخذنا الفن أو اللغة أو الأسطورة أو المعرفة فإنها تؤدي كلها مباشرة إلى ولادة مشكل كلّ مختلف، انتاجات الثقافة (اللغة، المعرفة...) تتماثل رغم اختلافاتها الداخلية في إشكالية عامةن وتتقدم كمحاولات لتحويل العالم السلبي للتمثل البسيط أين يبدو الذهن منطلقا في عالم تعبيراته الخاصة. والوظيفة السميولوجية التي تتمظهر في النظم الرمزية تتقدم تحت مظهر موجّه لإنتاج أشياء متمثلة وهذا النشاط يسميه "كاسيرار" التموضع: L’objectivation . فالأنظمة الرمزية هي إذن سيرورات ديناميكية للترميز لا تمثل انعكاسا للواقع الخارجي بل إنها تجعل تمثل الواقع الخارجي ممكنا.
أ‌-    اللغة والتواصل
يمكن أن ننظر الى مفهوم اللسان من زاويتين إما من جهة الاستعمال الفردي ووقتها نكون ازاء الكلام . وإما من جهة كونه " :  نظام من العلامات و الرموز" كما ورد في المعجم التقني و الفلسفي لا لاند و هو تقريبا نفس التعريف الذي يقدمه "ديسوسير" إذ يعتبر كغيره من الألسنيين أن اللغة مؤسسة اجتماعية و اصطلاحية  لها وظيفة تواصلية و هذا الموقف العلمي يتقاطع في أكثر من موقف مع التصورات الفلسفية التي اتخذت من اللغة موضوع مساءلة و لعل المحاورات الافلاطونية تجسد بدقة أن مسألة اللغة هي من بين المسائل المعضلة و التي لا تدفع الاحراجات و إنما تعمقها، و في هذا الإطار سنحاول مراودة بعض الأسئلة التي اقترنت باللغة على اعتبار أن الهدف الأساسي الذي كان يطمح إليه الإنسان و هو يتهيأ من الخروج من عالم الحيوان المثقل بالإشارات و الأصوات المبهمة، هو وضع أسس تواصل يعبر بها  عن قدرته الإبداعية فتشكلت الأصوات و تم بناء العلامات وفق صيغ اعتباطية اقترنت أساسا بالاتفاق الذي يفسر اختلاف الألسن رغم كونها تعمل بنفس الآلية المتمثلة في التمفصل المزدوج بما يحمله من قدرة على التحليل و التفكيك و التركيب و الربط و هو أمر يجعل اللغة الإنسانية نسيجة وحدها إذ الطريقة التي وفقها نتكلم تعبر عن مبدأ اقتصاد في اللغة غريب إذ الجهاز الصوتي مكون من عدد صغير من الأصوات لكن هذه الأصوات إذا ما ركبت و حللت نتحصل على عدد لا متناهي من العلامات والعلامات بدورها خاضعة لمجرى الخطاب و تحولاته (مارتينيه).
 إن انتظارات الإنسان وهو يبني صرح اللغة في سحيق أزمنة الماضي و آماله ليشكل اللغة كرؤية للعالم يمكن أن تفهم في إطار جدلية الذات و الآخر لحظة اكتساب اللغة بما هي نتاج تواصل و شرط إمكان الوجود الإنساني فعلا. فتعلم اللغة هو في حد ذاته مدخل أساسي إلى عالم الآخرين و ممر للانتساب إلى مملكة الإنسان، فأنسنة الإنسان ليست نتاج تطور طبيعي من خلال تحقيق الاستعدادات البيولوجية، بل هي عملية تظل رهينة الاشتراطات الاجتماعية التي تعين مميزاته النوعية وتنقل له خبرات الجماعة التي راكمتها عبر تاريخها من خلال رموز اللغة بما هي خزان كل ذلك فاللغة هي شرط إمكان أنسنة الإنسان  و في غيابها يصير الإنسان "وحشا خلو من المعنىوفق عبارة روزنتال.
واللغة بما هي نتاج تواصل تكون علامة على أن الإنسان مجعول للتواصل بصورة قبلية فالعلامات اللغوية بما هي شكل تعبيري إلى جوار الأشكال التعبيرية الأخرى تكشف عن وجودنا للآخرين بلغة  "ج بول سارتر" وهو ما يبرز وحدة الإنسان و اللغة ،إن وجود اللغة في حد ذاته يشير إلى أن هناك من يشاركني في هذه الرموز بحيث يكون قادرا على تفكيكها و فهم مضامينها فالعلامات اللغوية لا يمكن أن تكون من إبداعي الفردي، إذ هي مؤسسة تتعالى علي لتشمل غيري فهي ما يوحد بيننا و يمكننا من التفاهم و إدراك مواضيع اختلافنا و تمايزنا و تقاربنا، كل ذلك لا يمكن أن يتم إن لم يوجد حد أدنى يؤسس عالما مشتركا هو عالم الإنسان ألم يصرخ سقراط حين أزعجه صمت الآخر: " تكلم حتى أراك " ثم ألم يردد ديكارت في لحظة لاحقة، " اللغة رداء الفكر" ليعلن من ثمة أن اللغة هي الضامن الذي يخرج الإنسان من حيز الحيوانية إلى حيز الإنسان ذلك أن التفكير هو شكل من أشكال اللغة الصامتة كما بينت الدراسات اللسانية و بعض التأملات الفلسفية المعاصرة (مرلوبوتي /لوفافر) فالالسني المعاصر "بنفينيست" اعتبر أن اللغة هي شرط اكتساب المقولات المنطقية التي بها يتم تنظيم الواقع و إدراكه وهي فضاء ترتيب الأفكار واستحضارها وتوليدها يقول ميرلوبنتي في ظاهرية الإدراك : "الكلام لا يترجم فكرا و إنما يحققه" بلغة أخرى اللغة لا تترجم لنا خصائص الإنسان فحسب وإنما تسهم في تحققه و تمثل عنصرا لا غنا عنه لتشكيل ماهيته بما هو كائن الحرية والإرادة والوعي
تلك هي إذن بعض الآمال/ أو لنقل تلك هي انتظارات الإنسان من وراء اللغة كتعبيرة ثقافية صاغها متطلعا لعالم مفعم بالغايات لكن السؤال العالق بقلق الإحراج و المفارقة يتعلق بما أسماه نيتشه بالمآل أي بما انتهت إليه اللغة لحظة طلاقها الغايات و معانقتها  لعالم الوسائل ألم يكتب ليقول "الإنسان صانع اللغة و لكنه أول ضحاياها". فإذا ما كانت اللغة لحظة تجلي المكبوت والمهمش واللامعقول كما تمثلها ميشال فوكو، وإذا ما كانت اللغة لا تقول ما تقول حين تقول، فإننا مع برغسون نكتشف حدودها و قصورها، إذ كثيرا ما تقف الألفاظ حجابا بين الإنسان و ذاته و بين الإنسان والعالم وهو ما يؤكد عدم التجانس بين اللغة   وحياة الذات
و هذه القطيعة تبدو في الواقع قطيعة مزدوجة فهي قطيعة بين الأنا و عالمه الداخلي و بين الأنا و الآخر  ومردها عدم قابلية ترجمة التجربة الذاتية إلى ألفاظ بحيث يمكن تحويلها إلى موضوع تواصل، فالإنسان يعيش دوما إحباطا غير قابلا للرد فهو يرغب في التواصل لكنه لا يستطيع ذلك.
و يمكن بلورة هاتين القطيعتين من خلال أطروحات كل من " هنري برغسون" و غاستون برجي. فالأول: يبين لنا أن عالم الذات هو ديمومة متجددة لا يمكن إرجاعها فهي ليست حالات نفسية متعاقبة و متكررة بل هي عالم الكيف غير المتجانس و المتنوع دائما لذلك تصبح مقولة الزمن لا غية لان الزمن يقتضي فهم الأشياء و ربما ذلك ما يفسر لما يعرف "برغسون" اللغة بما هي اختزالية تشتيتية يتم بناءها على نحو تعاقبي لذلك فهي تشوه سيلان المشاعر و الانفعالات و تفسد تجددها الدائم فاللفظ لا يبقى من الشعور إلا خصائصه العامة  إذ يفرغه من بعد الشخصي و يوهمنا بثباته و يقدم المشاعر على إنها مكرورة ومتعاقبة فتحجب عن الذات حقيقة مشاعرها و تخدعها و تجعلها أمام ظل كينونتها فكي يترجم عالم الذات إلى ألفاظ ينبغي أن يتحول إلى عالم جامد،  إن الألفاظ التي بها نتواصل تذوب الأنا في قوالب النحن فيغيب الأنا الشخصي في ثنايا الأنا الغير شخصي يكتب " برغسون " في كتابه "محاولة حول معطيات الوعي المباشر: ها نحن أمام ظل لأنفسنا إذ نتوهم أننا حللنا شعورنا و لكننا استبدلناه في الواقع بحالات جامدة يمكن ترجمتها الى كلمات". أما " برجي" فإنه يؤكد إن ما تحياه الذات من انفعالات ومشاعر وحالات مختلفة هو من الفرادة بحيث لا يمكن فتحه للآخرين إلا على وجه الإيماء والإشارة، فالإنسان ج مكره على أن يحيا في عزلة لا سبيل لاختراقها عبر تشريك الآخر فيها، فاللغة وظيفيا تهدف إلى التواصل وكشف حجب الذوات والعالم، لكن التواصل يهدف  دوما إلى نقل ما لا يمكن نقله، إذا التجربة الذاتية لا يمكن أن يدركها الآخر في فرادتها، فحالات مثل الألم أو اللذة لا يمكن للآخر أن يستشعرها في أدق تفاصيلها ، وتتجلى هذه القطيعة بوضوح في الموت فوفاة صديق تبرز غربتي بالنسبة إليه فانا احضر جنازته كغريب ومهما كان فان الحزن يظل تجربتي ويبقى الموت بالنسبة لي تجربة مجهولة فنحن نموت كما نولد بمفردنا، ويلخص "برجي " أطروحته فيقول :" لا يقدر الآخرون على اختراق وعي كما أنني لا اقدر على فتحه لهم حتى لما أريد ذلك" ولقد استنتج نيتشة من خلال النبش وراء أكوام الفكر أن أوهاما عديدة قد سيطرت على الإنسان وينتهي إلى كون اللغة أداة خداع ووسيلة للمراوغة نتيجة كونها مبنية على أقنعة الاستعارات الميتة ورياء الكنيات الم يقل:" كل لفظ هو حكم مسبق وفي ذلك يكمن خطر اللغة على الفكر." وفي لحظة معاصرة يدعونا ميشال فوكو  إلى العمل جديا على تهشيم بعض الكلمات لاستجلاء المعنى الأخر الذي تخفيه والى جواره "رولان بات" كتب يقول: "إن اللغة فاشية فان نخطب هو أن نخضع" مما يعني أن اللغة لا تحقق التواصل إلا على جهة الزيف والمغالطة لذلك نفهم أن ما تخفيه اللغة أحيانا يقوله الجسد ولعلى ذلك ما تفطن إليه هنري لوفافر لحظة مساءلته لعلاقة اللغة بالواقع إذ يقول:" ما قبل اللغة وما بعد اللغة يوجد الصمت ، إن في الكلمات ليل  عميق المعاني ليل شفاف يظهر أيضا في العيون والنظرات ينتظر الكلام." 
فاللغة لا تسمح لنا بالقول أحيانا وتجبرنا على القول بغير علاماتها وأصواتها وتجاربنا الفردية تؤكد كثيرا إننا نحتاج للكلمات فلا تأتي أحيانا.
ب - الأسطورة والدين:
الأسطورة عند غارودي R.Garaudy
يتنزل تصوّر "غارودي" للأسطورة ضمن موقفه العام القائل بان " التربية هي الفعل الخالق للإنسان". و من هذا المنطلق تكون الأسطورة فعلا مؤسسا للإنسانية, إذ هي احد مكونات الفعل الذي يشكل العالم، ذلك أن الأسطورة عند "غارودي" هي لغة التعالي , و غارودي لا ينظر إلى التعالي من جهة كونه خارجية أو قوة، فليس هو تعالي فوقي لرب و لا هو تعالي تحتي لمعطى جاهز، وهو ما يعني أن الأسطورة ليست مجرد مشاركة في العالم و إنما هي فعل خلق بما هي لحظة عمل. ذلك أن "غارودي" يقر أن الإنسان يبدأ مع العمل، فـ"غارودي" على خطى ماركس، يجذر الأسطورة في الفعل، إذ هي لحظة عمل يميز الإنسان.
و بذلك يخالف "فرويد" الذي لا يرى في الأسطورة إلا ترجمة للرغبة و إن كانت مصعدة. فبالنسبة لغارودي هناك اختلاف جوهري بين الأسطورة كفعل والرغبة، لأن الرغبة تواصل الطبيعة من حيث هي طبيعة في الإنسان في حين أن العمل يتعالى على الطبيعة. و اعتبار العمل القالب الأم للأسطورة كما هو القالب الأم لكل ثقافة في مقابل الطبيعة، يجعل "غارودي" يميز بين الرمز الحُلُمِي والرمز الأسطوري، فالرمز الحُلُمِي هو تعبير و ترجمة عن الرغبة في حين أن الرمز الأسطوري هو لحظة خلق متواصل للإنسان من قبل الإنسان.
 وإذا كانت الأسطورة هي هذه اللحظة من العمل التي يتقرر فيها ظهور الإنسان فإننا لا نستطيع أن ننعت بالأسطورة ما هو مجرّد أثر باق من الماضي، ما هو مجرّد عقل بائس ومتجاوز للأمثولة والخرافة المرضية، كما لا نستطيع أن ننعت بالأسطورة مجرّد إعادة إنتاج أو مجرّد المحافظة على الحاضر بالطريقة التي تجعل منها معيارا للسلوك، فهذه النماذج الاجتماعية المضاعفة بالدعاية والإشهار هي وهم و اغتراب، لأنها لا تدفع التاريخ بل على العكس من ذلك توقفه بأن تعطي صورة للرغبة و تجعل الإنسان يدور في حلقة مفرغة هي حلقة الغريزة، ذلك هو حال المتغيرات المختلفة لهذه الإشكال من الخرافات المرضية المتعدّدة بداية من الدعاية للعرق و العنصرية كما تجلت في سياسة هتلر أو للجنسانة كوسيلة إشهار أو حتى هذا الإرهاص المنحط للبطل الأسطوري الذي يمثله المعبود بحيث يقدّم للناشئة وهما معوضا لحياة مغتربة، لحياة بتفويض : فبفضل انتفاخ الأسطورة تتحول مثلا المغنية "مادونا" كمعبود إلى "افروديت" آلهة الخصب عند اليونان. و هذا يعني انّه حسب "غارودي" هناك أساطير ينتجها الإنسان اليوم لا تصلح لشيء في حين أن الأسطورة توجّهنا نحو مركز الخلق في الإنسان و تفتح له آفاقا جديدة و تساعده على تخطي حدوده, و لذلك فإن "غارودي" لا يطلق اسم الأسطورة إلا على الحكاية الرمزية التي تذكر الإنسان بحقيقته ككائن خالق أي ككائن يتحدد أولا بالمستقبل الذي يخترعه لا بماضي النوع الذي يدفعه فقط بالغريزة و الرغبة. و مثل هذه الأساطير ليست بالضرورة من إنتاج العقلية البدائية فهذه الأساطير تتضمن تجاوزا مزدوجا للمعنى المباشر، فهي تجاوز للطبيعة الخارجية و تجاوز لطبيعتنا الخاصة’ إنها عودة للأساسي, للإنساني الذي ينهض و يستطيع أن يقول "لا" لما هو معطى كواقع. فالأساطير الكبرى تعبر عن طفولة الإنسان الذي يرفض تحديد الواقع بضرورة النظام الموجود في الطبيعة أو في المجتمع فقط، إذ هي ما يتجاوز بعد التنظيم العقلي للعالم, فسواء تعلق الأمر بـ "برومثيوس" Promethée أو بـ "انتيقون" Antigone... كل هؤلاء الأبطال يجابهون المستقبل و يتحركون فيما بعد الراهن الممكن, ففي كل أسطورة شعائرية أو دينية يستعيد الإنسان تعاليه الخاص بالنسبة إلى كل نظام معطى و ذلك انطلاقا من العمل كبعد نوعي إنساني فالمستقبل هو خميرة الحاضر. و هذا يعني أن ما يميز الأسطورة كانفتاح على التعالي ليس خروجا عن الزمن بفعل تأبدها و لكن تحكمها في الزمن، فالزمن الأول للأسطورة يمكن الإنسان من أن يعيش من جديد صباح العالم , لحظة الخلق, إذ يمكن الإنسان من أن لا يرى في ذاته مجرد جزء من الكون و سجين قوانين هذا الكون و لكن يجعله يرى ذاته كقادر على التعالي على الكون و من التدخل فيه كخالق. فبرومثيوس و انتيقون، تماما مثل أنبياء إسرائيل و القصص الإنجيلية و القرآنية يقولون لنا أن انطلاقة جديدة ممكنة, أن الإنسان يستطيع أن يبدأ حياته من جديد و يغير العالم. و هذا يعني أن التعالي ليس فقط صفة الله بل هو أيضا بعد من أبعاد الإنسان، و الأسطورة هي ما يذكر الإنسان بهذا التعالي، هي ما يذكر الإنسان بممارسة قدرة المبادرة التاريخية, ذلك أن معنى التاريخ ولد مع أول إنسان، ولد مع أول عمل و مع أول مشروع, وهذا المعنى يُثرى بكل مشاريع الناس و يبقى دائما خلقا و المهمة التي يجب القيام بها.
           الأسطورة إذن ليست عند "غارودي" وسيلة للخروج من التاريخ بل  على عكس ذلك هي تذكير بماهو نوعيا تاريخ في التاريخ, تذكير بفعل المبادرة الإنسانية. و البطل الأسطوري هو الذي يعي بمشكل يعترض الإنسان في وضعية تاريخية، وهو من يكتشف معناه الإنساني المتجاوز لهذه الوضعية و ما نصر البطل أو فشله  إلا علامة توقظنا على قدرتنا على حل مشاكل زماننا.
           و هذا يعني أن العمل بالنسبة لـ"غارودي" له دور مؤسس في تكون الأسطورة, إذ هي لحظة من لحظات العمل، و لا يمكن بالتالي اعتبارها لحظة من الماضي تميز عقلية بدائية خرافية كما لا يمكن أن ننظر  إليها مثلما نظر إليها فرويد عندما اقر في "الطوطم و المحرّم" Totem et Tabou بان الميثولوجيا تمثل بالنسبة للمجموعة ما يمثله الحلم بالنسبة للفرد، فالحلم ليس إلا ترجمة لواقع سابق في الوجود في حين أن الأسطورة عند غارودي هي تذكير الإنسان بضرورة تجاوز حدوده " إذ أنها بيداغوجيا العظمة". و في هذا الإقرار يسير غارودي على خطى كسيرار عندما اعتبر أن الأنظمة الرمزية هي ما يشكل الإنساني، ذلك أن النشاط الحيواني هو تواصل بسيط للرغبة و حاجة النوع في حين أن ما يميز العمل الإنساني الذي تشكل الأسطورة لحظة من لحظاته هو انبجاس مشروع, خلق نموذج يكون قانونا للفعل وهو ما يمثل خصوصية الرمز الأسطوري على الرمز الحُلٌمِي. و بالتالي فإن الواقع ليس فقط طبيعة معطاة بحتميتها الخاصة، إنه أيضا طبيعة ثانية يخلقها الإنسان بواسطة التقنية و الفن، لذلك فهو أيضا كل ما لا يوجد بعد إذ هو أفق الممكن دائم الحركة. ومن هذا المنطلق لا يمكن أن تفهم الأسطورة فقط كعلاقة مع العالم و الوجود و لكن أيضا كنداء يجب القيام به, يقول غارودي "فالأسطورة مشروع أي طريقة في التملص من المعطى و التعالي عليه". و بهذا المعنى تمثل الأسطورة شهادة للحضور الفاعل و الخلاق للإنسان لذلك تمثل الفعل الخلاق المنظور له من الداخل انطلاقا من القصد الذي يسكنه، إذ تتموضع الأسطورة مع غارودي في مستوى المعرفة الشعائرية و القرار المسئول و الحر للإنسان لذلك يقر غارودي بان الأسطورة و العلم يتشابهان في الوظيفة مع فارق يتمثل في كون الأسطورة لا تدعونا لان نكون فقط صانعي أشياء أو حاسبي علاقات و لكن أيضا واهبي المعنى و خالقي المستقبل بما أنها تقتضي التنصّل عن العالم و بالتالي تجاوز الوجود في المعنى و في الخلق. و رغم أن الأسطورة تتحدد باعتبارها لغة التعالي فإنها ليست سلبا للعقل بل هي تجاوز جدلي في عقل واع بضرورة تعاليه على ذاته، خاصة و أن العلم ذاته يفسر المرئي باللامرئي، و "هنري فالون" H.Wallon يذكرنا بأن "تفسير المرئي باللامرئي لدى البدائي ليس ضربا من الضلال الذي يبعده عن الواقع".
ما الدين؟:
إن كلمة «رولجيون» الفرنسية تتضمن معنى الارتباط بالإلوهية الذي يعنيه أحد أصولها اللاتينية «روليقاري» و كذلك معنى الاحترام الذي يتضمنه أصلها الآخر «روليقيري» . لذلك يرتبط الدين بالاعتقاد في وجود قوة متعالية تقتضي الاحترام و الطاعة. إذ يرتبط الدين بثنائية المقدس و المدنس، يقول ميرسي إليادإن كل التحديدات المعطاة إلى حدّ الآن للظاهرة الدّينية، تحتوي على قاسم مشترك : فكل تحديد يقرّ تناقضا بطريقته، بين المقدس و الحياة الدينية و المدنس والحياة الدنيوية»، فبالنسبة إليه تفترض التجربة الدينية دائما الاعتقاد بكون شيء ما يأتي من العالم الآخر، و بالتالي مخالف للتجربة المعتادة التي تميز المدنس و يتمظهر.
و هذا الشيء المخالف تماما هو المقدس الذي يشارك ضرو رة في التعالي، لذلك يمكن أن نحدد المقدس باعتباره واقعا مطلقا يتجاوز الواقع الإنساني و الأرضي. فالمتدين يتوجه إذن إلى العالم اللاإنساني للقيم المتعالية، و هو ما يتضمن قطيعة مع العالم الأرضي. و إذا كان المقدس هو ما يأتي من العالم الآخر فإن ما فيه و ما به يتمظهر هو المدنس. و هذا يعني أنه بالنسبة إلى المؤمن، لا يكون للمدنّس من معنى إلاّ في المستوى الذي يشير فيه إلى المقدس، و بالتالي فإن سيرورة التقديس تقتضي فصل ما يعبّر عن المقدس على محيطه الدنيوي. ذلك أن كلمة »مدنس« الفرنسية أصلها لاتيني «بروفانون» وتتكون من كلمتين «برو» و تعني أمام و«فانوم» و تعني المعبد، فكلمة مدنس الفرنسية تعني إذن، أمام المعبد، فالمدنس يعني اشتقاقا كل ما يوجد خارج المكان المخصص للمقدّس. و هذا يعني أن المقدس و المدنس هما حدّين لا معنى لهما إلاّ بالنسبة إلى بعضهما، إذ أن المقدس هو خاصية لا تمتلكها الأشياء من جهة كونها أشياء، و لكن هو خاصية تضفيها عليها عناية ملغزة، فهو خاصية بعض الأشياء ( كأدوات العبادة : السجاد، عصا الراهب...)، وبعض الناس ( الملك، الراهب..)، وبعض الأمكنة (المعبد، المسجد...). و كخاصية تنتجها العناية الإلهية يمثل المقدس، بالنسبة إلى المتدين، قوة غامضة إذ هو هرّاب بحيث أن المؤمن لا يضمن تدخّله لفائدته كلما دعاه، فهو مصدر كلّ فعالية، و هو قوة خطرة إذ هو فتّاك لا يجوز انتهاك حرماته، لذلك يعيش المؤمن مشاعر متناقضة في الحسّ الديني، فمشاعره تجمع بين الثقة و الرعب تجاه المقدس كما حلّل ذلك روجي كايوا.
قيمة الدين :
يرى لوكراس أن الدين هو نتيجة الجهل بالأسباب الحقيقية المحرّكة لقوى الطبيعة. فالجهل ينتج خوف الإنسان من الطبيعة وقواها الغامضة، و عن هذا الخوف تنتج سيرورة التقديس و تأليه قوى الطبيعة، فيرى فيما هو نافع له تعبيرا عن رضها، وفيما هو ضار له تعبيرا عن غضبها، فيقيم المعابد و الشعائر و الطقوس تقرّبا إليها. و لكن الإنسان شقي بهذا الاعتقاد الذي لا يزيد إلاّ في جهله و في بقائه عرضة للأخطار. و من هذا المنطلق يدعو لوكراس للتخلّص من هذا الجهل عبر البحث عن تفسير عقلاني ممكن لما يحدث في الطبيعة، تلك هي التقوى الحق عنده :« ليست التقوى في أن يغمر الإنسان المعابد بدماء الحيوانات أو بأن يسترسل في التمنّيات، بل هي بالأحرى إمكانية النظر إلى كلّ شيء بفكر لا يرقى إليه أي اضطراب».
عكس لوكراس، يرى باسكال أن تناهي الإنسان و صغره في الطبيعة يمثل مصدر شقائه، و أن اعتقاده في الإله يمكّنه من تجاوز هذا القلق، خاصة و أن الإنسان لن يخسر شيئا ، فإذا كان الله موجودا فعلا فإنه سيجازيه خيرا في الآخرة و يقيه شرّ عقابه، و إذا لم يكن موجودا فإن العبادة ستحرّره من القلق على الأقل، و هذا كافي بالنسبة لباسكال للانخراط في الرؤية الدينية التي تبدو في الحالتين نافعة و ذات قيمة بالنسبة للإنسان.
أما فيورباخ فيرى أن الدين يعبّر عن اغتراب الإنسان، فالإله ليس إلاّ ماهية الإنسان المغتربة عن ذاتها. ذلك أن الإنسان يسقط من ذاته صفات على الإله، و كلّما أثرى الإله إلاّ و تفقّر الإنسان، لذلك لا بدّ من قلب الدين لاستعادة الماهية الإنسانية المغتربة.
في حين أن النقد الماركسي للدين يجد جذوره في موقف فيورباخ. ذلك أن ماركس يؤكّد على نقائص نقد أستاذه للدين باعتباره نقدا مجرّدا، و يسعى إلى ربط الظاهرة الدينية بالواقع التاريخي الملموس. فالدين هو واقعة تاريخية، تمثل الظروف الاجتماعية و الاقتصادية شرط وجودها. ذلك أن ماركس يسمّي بنية تحتيّة البنية الاقتصادية لمجتمع ما، و يسمّي بنية فوقيّة المؤسسات السياسية و الإيديولوجية (دين، فن، أخلاق، فلسفة...) التي تحدّد أشكال الوعي و تنمذجها. و الدين هو وعي زائف تكرّسه الطبقة المهيمنة اقتصاديا للحفاظ على مصالحها و هيمنتها، فهو مخدر «أفيون» يجب التخلّص منه عبر نشر وعي الفلسفة الثورية.
المقاربة السوسيولوجية للدين :
يحلّل دوركاهيم الدين تحليلا وظيفيا. فالدين هو ظاهرة اجتماعية تفسّر بوظيفتها الاجتماعية المتمثلة في خلق الوحدة والتماسك الاجتماعي. و من هذا المنطلق تمثل الشعائر و الاحتفالات الدينية مناسبة يجدد فيها الفرد إحساسه بالانتماء إلى المجموعة، و بذلك تتماهى هذه الشعائر في مستوى الطبيعة و الموضوع والأساليب و النتائج مع مختلف الأعياد والاحتفالات الوطنية و القومية. لذلك يرى دوركاهيم أنّ المقدس ليس بالضرورة قوة متعالية فالدين هو إنتاج اجتماعي. والفتور الأخلاقي الظاهر في المجتمعات الغربية يؤكّد ذلك. ذلك أن المقدسات القديمة، مقدسات المسيحية، هرمت وأصبحت عاجزة على القيام بوظيفتها التوحيدية أمام التغيرات الاجتماعية بعد الثورة الصناعية، لذلك يرى دوركاهيم أن هذه المجتمعات مطالبة بإنتاج مقدسات جديدة تحلّ محلّها، و نظّر للعلمانية و النظام كمقدسات يمكن أن تأخذ مكان الأناجيل القديمة.
المقاربة السيكولوجية للدين :
يرى فرويد أن الدين وهم فاعل. وهم ناتج عن حاجة الإنسان للحماية و حنينه إلى الأب الحامي. فالله ليس إلاّ تصعيد لرغبة الحماية و الحاجة إلى الحنان في صورة فكرة. لذلك يرى فرويد في «مستقبل وهم» أن الدين عصاب جماعي و الإنسان مدعو للشفاء من هذا العصاب حتى يتخلّص من صبيانيته و يصبح راشدا.
الدين من سديم الخوف إلى تأليه الإنسان:
يقول آلان : "ليس الفن و الدين شيئين اثنين بل هما الوجه و القفا لنسج واحد لا غير." تجدر الملاحظة أولا الى ضرورة التمييز بين الدين كرؤية للعالم و بين الأشكال التاريخية التي اتخذتها هذه الظاهرة، والملاحظة الثانية أن ليس ثمة تفسير واحد للدين  و بالتالي ليس هناك موقف يجمع بين المحاولات الرامية الى تفسيره يشير هذا المفهوم وفق التحديد المعجمي الى معنى المؤسسة التي تمارس سلطتها على مجموعة من الأفراد يجمع بينهم القيام بطقوس منتظمة والإيمان بقيم مطلقة و يتميز الدين بكونه منظومة من الأحاسيس والأعمال التي تتخذ من قوة ما فوق بشرية موضوعا لها، أما في المعنى الانثروبولوجي فان الدين لدى الأقوام البدائية هو الاعتقاد بعالم الأرواح أو هو استرضاء القوى المتعالية و التي يعتقد أنها تحدد مجرى الطبيعة و توجه حياة البشر و هو عند الاغريق و الرومان المقدس أو المحرم الذي لا يجوز مسه أو مخالفته إنه السري و الخطير  و الرهيب و الخفي، الم يقل ميرلوبنتي: " الدين حق و لكن بحقيقة لا يعرفها هو نفسه "وليس بعيدا عن "ميرلوبنتي" يبين فرويد أن الأفكار الدينية تنبع من الحاجة نفسها التي تنبع منها سائر انجازات الحضارة متمثلة في ضرورة الدفاع عن النفس ضد تفوق الطبيعة الساحق فالإنسان  كان مطالب بأن يضع حدا لحيرته و ضياعه وضائقته أمام قوى الطبيعة المخيفة الأمر الذي يتيح له أن يقيم علاقة معها و أن يؤثر فيها في خاتمة المطاف. فحقيقة الدين و آليات اشتغاله من زاوية التحليل النفسي تنزله تنزيلا نفسيا نظرا لكونه نتاج لحاجة الإنسان للحماية و الشعور بالأمن ذلك إن الإحساس المرعب بالقلق أيقض الحاجة إلى الحماية وهي حاجة لباها في البداية الأب ولحظة قتل الأب خلق الإنسان أبا أعظم أشد بأسا هو الإله إن المساءلة الفرودية للدين عبرت عن علاقة انسلاب واغتراب جارية في فضاء المخيال  ورامية بالأمر إلى حدود العصاب أو المرض أو الوهم بحسب التسميات الفرودية المختلفة ذلك أن السكن والإقامة في خيمة الإلهي هو تغريب للإنسان و دفع به إلى حياة الزيف و الوهم فالأوهام الدينية تتجذر في قرارة الذات وتضرب بجذورها في البدايات الأولى للتاريخ الإنساني و يعتبر فرويد أن تحطيم هذه الأوثان هي مستحيلة فقد كتب يقول في رسالة مارس 1923  "لرومان رولان" "لقد قضيت جزءا هاما من حياتي مشغولا بتحطيم أوهامي الذاتية وتلك العائدة للإنسانية أيضا".                                                               
هكذا يبدو فرويد و كأنه يحمل قلق الإنسان و التاريخ فوق ظهره. فإذا كان الدين يحقق للفرد والجماعة انسجاما مع الكون و مقدرة ولو زائفة بحسب التحليل الفرويدي على مواجهة الحياة خاصة و أنه يصرح في كتابه "مستقبل وهم" بجسامة تجربة الوجود للفرد أو الإنسانية فهل يصبح الإنسان سويا إذا نزعنا عنه بعده الأسطوري والديني؟              
إن القيمة النفعية للدين من وجهة نظر نفسية تبدو ذات أهمية بالغة و من هنا تتجلى جدوى الاعتقادات الدينية بقطع النظر عن صدقها أو زيفها.برغم كل هذه الأسئلة المنقوصة و ما يقابلها من أجوبة مبتورة    وظرفية فإنها لا ترقى إلى ما يطمح إليه فرويد من إعادة تشكيل للإنسان الحر.
هكذا اندفعت الإنسانية إلى الدين إما خوفا أو انتظارا للعون أو حماية أو تأليها للإنسان فالدين يظهر عند فيورباخ محورا أساسيا يتمثل صلب كتاباته جميعها ألم ينبهنا قائلا: " لقد كان شغلي دائما و قبل كل شيء أن أنير المناطق المظلمة للدين بمصابيح العقل حتى  يمكن للإنسان أن لا يقع ضحية للقوى المعادية التي تستفيد من غموض الدين لتقهر الجنس البشري" "قراءة في ماهية الدين. 
ففيورباخ كما يرى أنقلز لا يهدف إلى محو الدين وإلغائه بل يسعى إلى الوصول به حالة الكمال حيث يعتقد أن الفلسفة نفسها يجب أن تدخل حضيرة الدين و تجعله محورا لها لأن الدين مازال قائما باعتباره وظيفة أبدية للروح الإنساني  فالفهم الأساسي و الأولي للدين عند فيورباخ يتخلص في آن "الانتروبولوجي هو سر حقيقة اللاهوت" أي أن جوهر وحقيقة الدين و معناه العميق هو الجوهر الإنساني، فالدين هو الوعي الأول و غير المباشر للإنسان، أي الوسيلة التي يتخذها الموجود البشري في البحث عن نفسه "جوهر الدين."
فالدين يعد بمعناه الإنساني قمة الوعي بالطبيعة و الماهية الجوهرية للإنسان والدين  بهذا المعنى يمكن أن نلتمس جذوره من بعض الشذرات لهيقل إذ كتب يقول "لا يجب أن يقتصر الدين على العقائد الجامدة،  و لا يجوز تعلمه من الكتب ولا يجب أن يكون لاهوتيا بل بالأحرى أن يكون قوة حية تزدهر في الحياة الواقعية للبشر أي في عاداتهم    و تقاليدهم وأعمالهم و احتفالاتهم ، يجب أن لا يكون الدين أخرويا بل دنيويا إنسانيا و عليه أن يمجد الفرح و الحياة الأرضية لا الألم والعذاب و جحيم الحياة الأخرى "و في هذا النص وجد الشباب الهيقلي إنجيل تأليه الإنسان فالدين عند هيقل هو صورة الوعي بالذات وهو من عوامل تأصيل الإنسان و تثبيته على الأرض لأن الدين مقره القلب رمز كل ما هو حي وتحويل الدين إلى لاهوت جامد يعني تحويل بصر الإنسان عن الأرض إلى السماء حيث عالم الماوراء عالم اغتراب الإنسان وشقائه.  
خلاصة القول إن الفكر الديني يرتبط  ارتباطا عضويا بالمعتقد و يبرره و يطبقه في شكل طقوس و صيغ ثابتة لذلك فان عملية تحديد وظيفة الدين لا تخلو من أشكال و الجدال فالبعض يختزل وظيفة الدين في تعيير التجربة الإنسانية و تحديد الغايات القصوى للوجود الإنساني و يرى البعض الأخر أن تحقيق الانسجام والوحدة في النسيج الاجتماعي هي الوظيفة الأساسية للدين و يذهب علم النفس الى حد الاقرار باضطلاع الدين بتحقيق التوازن النفسي رغم وهميته و ثمة من يرى أن للدين وظيفة إيديولوجية تتعلق بتبرير و تأييد واقع الحياة و التناقضات مثلما هو الأمر لدى ماركس. فهل يصبح الإنسان سويا إذا نزعنا عنه بعده الأسطوري و الديني؟                                                                                           
إن القيمة النفعية للدين من وجهة  نظر نفسية تبدو ذات أهمية بالغة و من هنا يتجلى جدوى الاعتقادات الدينية بقطع النظر عن صدقها أو زيفها برغم كل هذه الأسئلة المنقوصة و ما يقابلها من أجوبة مبتورة   وظرفية فإنها لا ترقى إلى ما يطمح إليه فرويد من إعادة تشكيل للإنسان الحر.
 ت-الصورة:  في تقاطع الصورة و المشهد :
تمثل الدعاية أسلوبا من أساليب الاتصال بالجماهير والأفراد لحملهم على اعتناق فكرة أو تبني رأي   أو سلوك معين من خلال خلق جو من الترغيب بالاستفادة من كل تقنيات التأثير المتاحة ، و الصورة هي أبرز ما تتوسله الدعاية في أشكالها المختلفة اليوم وفق ما يشير إليه "ريجيس ديبراي " حين يقول: "الصورة هي  تضع أسطورة العصر الحديث وليست الكلمة" و في موقع آخر من كتابه " حياة الصورة و موتها" وتحديدا في مفتتح الأطروحة الثانية :" الصورة على عكس الكلمات في متناول الجميع." فهي في مستوى التلقي متاحة لكل الناس    وأثرها أعمق في النفوس إذ تخلق الرغبة وتعيد إنتاجها وتستمد الاستراتيجيات الاشهارية معظم عناصرها من قدرة الصورة على المغالطة و توجيه سلوك المستهلك من خلال ما يسمى بالتسوق    Markiting ذلك أن الإنسان الذي يتوجه إليه الإشهار لا يفكر عبر البرهنة المنطقية وإنما يفكر من خلال الصورة لذلك لا تقدم لنا الصورة الاشهارية دلائل و براهين وإنما تبهرنا بصورة محملة بأحكامنا  وأعرافنا الجاهزة و نماذج عيشنا فنحن نلاحظ مثلا أن فكرة النظافة عند الغرب في الستينات من القرن الماضي ارتبطت باللون الأبيض الناصع و بالروائح العطرة لذلك فإن الصورة الاشهارية تقدم مواد التنظيف في علاقة بالبياض لكن في الثمانينات و مع استفحال ظاهرة التلوث و تطور الحس البيئي أصبح الإشهار يقدم لنا مواد التنظيف خالية من الفسفاط والمواد الكيميائية، فالصورة تقدم منتوجا مثلما بين  "رولان بارط" لا يحيل إلى وظيفة ونحن لا نشتري سيارة بل نشتري إغراء الناس.
هكذا تشتغل الصورة / الوهم اليوم و هكذا اطردت الدعاية الحقيقة و أحلت مكانها الوهم لكن الأوهام أصبحت شرطا للثقافة و المجتمع و نماذج للتلاعب بالفرد و العقول علينا الانتباه إلى بنية الصور و أشكال اشتغالها لأن لها وظائف دالة ضمن الوضعيات التي ترتبط بها داخل نسيج العلاقات بين الأفراد   أو المجتمعات فالصور تحيل على كلام تضميني يسعى السيميولوجي الى تفكيك دلالته مما يعني أن الصورة تنفرد عن غيرها من الوسائط بقوتها الترميزية البالغة التأثير و لعل ذلك ما يبرر ارتباطها تاريخيا بالفن والدين و حضورها اليوم كتجسيم لقوة الإنسان التقنية ، إنها تتمتع بسلطة رمزية مهما كان الوسط الذي تتنزل فيه و الوضع لتاريخي الذي تربط به و لعل هذا ما عمل "ريجبيس ديبراي" على تبيانه حين كتب يقول "أن الصورة وسيلة بشر لا وسائل لهم " . 
أليس الإنسان هو من ينشد إلى الصورة لسحر فيها تفتنه فتعكس صورته الحضارية و يفتنها إذ يطوعها حتى يكون بها كائن ثقافة و يتوسلها ليحقق عبرها تواصلا مع ما قد يستعصى على التواصل
لكن ما السبيل لمواجهة هيمنة عالم الصورة حتى يستعيد الإنسان ذاته؟ في نفس السياق يعمل "غي ديبور" في كتابه " مجتمع المشهد" على رصد شكل آخر تتوسله الدعاية متمثلا في المشهد و قد يتبادر للأذهان أن المشهد هو المجموع المشكل من الصور إلا انه ينبهنا في الأطروحة الرابعة فيقول: "ليس المشهد مجموع صور. وإنما علاقات اجتماعية بين أشخاص توسطتها صور" و هو ما يعني انه يمكن أن تغيب الصورة دون أن يغيب المشهد فعند متابعة استعراض عسكري فنحن لسنا إزاء صورة و إنما إزاء نسق من العلاقات و الطقوس فالمشهد يتضمن مقاصد العرض ودور  المشاهدة ومضمون و شكل المشهد وفي موقع أخر يكتب فيقول: "إن المشهد هو الطور الذي تمكنت فيه البضاعة من السيطرة الكلية على الحياة الاجتماعية" أو هو كل ما انفصل عن الإنسان ليعرض أمامه و ينتصب قبالته أي هو المظهر الذي يعبر عن اغتراب الإنسان   وانفصاله عن ذاته و عن شبيهه كما عن عالمه فالمشهد ليس إلا تضاريس حرب ضروس بين البضائع والسلع حولت الإنسان إلى مجرد كائن ارتكاسي أصابته شضايا المشهد فحولت عقله إلى  عقل بضائعي  و أغلقت أمامه سبل التواصل مع ذاته. و لعل قيمة الكتاب تكمن في دعوتنا إلى التحرر من سلطة المشهد من خلال العمل على تقويض شروطه الموضوعية أملا في استعادة ما غيبه في الإنسان لان ما يتعين إدراكه أن التواصل حوار و هدف الحوار إفساح المجال أمام البشر للتعرف والتعارف المتبادل كمقدمة للفهم  والتفاهم و حتى يكون الحوار حوارا كونيا لا بد أن يتأسس على الحقيقة والحرية لا على أشكال الإلزام القسري التي تفرضها الوسائط الحديثة التي يحركها الايديولوجي بغاية التحكم في ردود الأفعال من خلال خلق حالات التنميط السلوكي
إن التواصل الذي ينجزه المشهد لا شخصي بحيث أن المشهد لا يتوجه إلى شخص محدد و لا تكون ملامح المتلقي معلومة وواضحة بل يتوجه إلى عدد كبير من الأفراد بواسطة نسق خطابي وتركيب لمجموعة من الرموز و الدلائل المبنية على قواعد السياق و التشكيل البصري و تشتغل هذه العناصر وفق سنن خاصة تختلف عن السنن اللفظية و ينتهي المشهد وفق ما يحدد "غي دي بورإلى شخصنة البضاعة وبضعنة الإنسان بالاعتماد على استراتيجيات التعمية التي تعمل على إخفاء الطابع الاقتصادي للسلع  والتستر على خلفياتها المادية وتغليفها بالقيم لذلك فإن السبيل الوحيد للتخلص من "الإرهاب" اليومي للمشهد الذي يسخر كل وسائل الاتصال الجماهيري  هو العمل على مداهمة سيميائية هذا الخطاب وفضحها تمهيدا لزوال شروط وجودها الموضوعية ومن ثمة تشكيل أوجه للتواصل الكوني القائم على المشهد الذي يعيد الاعتبار لما هو إنساني في الإنسان
ث- إتيقا التواصل: ( Habermasهابرماس)
إذا لم تكن الأنظمة الرمزية وسائط شفافة ووفية بل إنها كوسائط تمارس سلطة، نوعا من الإكراه البنيوي على الذات يستحيل فيها التواصل الإنساني إلى علاقات عبودية، علاقات متسلّـِـط بمتسلـّـَـط عليه، فما هي إذن الشروط التي يجب أن تتوفّر من أجل أن يكون التواصل أساس الإنساني أو على الأقل حتى تعي الذات بحدود الأنظمة الرمزية لتتعامل تعاملا نقديا مع هذه الأنظمة أملا في تحقيق تواصل حقيقي بين الناس؟
           يرى يورقن هابرماس أنه لا يمكن أن نختزل العلاقات التواصلية في تبادل المعلومات، ذلك أنّ الفعل التواصلي ليس مجرّد تبادل لمعطيات حول وضعيات بل هو تأويل لما يحدث، إنه تأسيس قواعد للعيش في كنف المجتمع، إنه وضع أصناف من العيش، وفي كلمة إنه مساهمة في تركيب العالم الاجتماعي المعيش. ذلك أن الفعل التواصلي يجعل الأنشطة الإنسانية ممكنة، إذ ليس هناك نشاط معرفي يكتشف العالم دون قضايا حول هذا العالم يتمّ تبادلها في عملية التواصل. ومن هذا المنطلق يرى "هابرماس" أنه في قلب كلّ إشكالية اجتماعية توجد السيرورات التي بها يتفاهم الناس أو يتواجهون حول ما سيفعلون أو حول ما فعلوا ولكن أيضا سيرورات يقولون بواسطتها أو يعبّرون بها عمّا يكونون. وهذا يعني أن التواصل عند "هابرماس" يشكّل الإنساني ولذلك فإن البحث في شروط نجاح أو فشل التواصل يكون بهذا المعنى لحظة جوهرية في كلّ تفكير في المجتمع وفي العلاقات الاجتماعية.
      ورغم كون هذه العلاقات لا تخلو من الانطوائية والتنافر فإن الوقوف على الاختلاف والتنافر أو التغاير في العلاقات الاجتماعية يفترض حسب "هابرماس" حدّا أدنى من الاشتراك لذلك يرى "هابرماس" أنه من الممكن أن نهيّئ براغماتية كونية للغة تحدّد تخوم صلاحية التبادلات التواصلية. ولا يتعلّق الأمر بتناول المظاهر اللسانية الصرفة للتواصل ولكن أن نهتمّ باللغة كفعل وبالتالي أفعال اللغة وقوّتها اللاّكلامية التي تتمظهر في قدرتها على تغيير العلاقات وتغيير الأوضاع. وصلاحية التواصل تقتضي مجموعة من الشروط تتمثل في المصداقية التي تمكنني من افتراض حسن نية المتكلم، والحقيقة بما هي قيمة معرفية تمكّنني من افتراض غاية الآخر كغاية لانفعية، لامصلحية، وشرط الحرية الذي يمكنني من افتراض أنّ كلّ قول يقوم على الإقناع والحجة العقلية بحيث يكون المحاور قادرا على الإقناع بحقيقة القضايا المقدمة، وأخيرا أن يكون المحاور قادرا عند الحاجة على الاعتراف بتطابق الأفعال المقترحة مع المعايير السليمة، ذلك أنه لكي تتحقق العلاقات التواصلية الايجابية من الضروري أن يكون المخاطـَب قادرا على التثبت من مختلف نماذج الصلاحية الأنفة الذكر، ذلك أنه وراء خلفية الفعل التواصلي يجب أن يوجد دائما الافتراض القبلي لهذه الشروط لا كقيمة موجّهة ولكن كعناصر حاضرة واقعيا أو افتراضيا، إذ نفترض أنّ هناك إمكانية للمحاججة وإمكانية للقبول أو الرفض لأنه في غياب هذه الوضعية لن يكون فعلا تواصليا.
     وبهذا المعنى فإن البراغماتية الكونية كشرط للحوار والتواصل تتقدّم على أنها منطق فعل اللغة، منطق الشروط المعيارية للإمكان وللنجاح في العملية التواصلية خاصة وأن هابرماس يعتبر أن النظرية حول المجتمع لا بدّ أن يكون هدفها الأوّل توضيح العوائق الاجتماعية التي تعترض العلاقات والفعل التواصلي. وبلغة أخرى يتعلق الأمر بفهم كيف ينتج اجتماعيا الفشل والإخفاق في التواصل، ويلاحظ "هابرماس" أن الصعوبات الأولى للتواصل تتعلق باكتساب القدرات الضرورية للتواصل أي إتقان شروط مقتضيات الصلاحية في الفعل التواصلي وبالتالي تقاسم المتحاورين واشتراكهم في الحجة الاقناعية. وهابرماس يعترف أن كلّ المجتمعات لا تخلو اليوم من ضغط المصالح الذي يولّد العنف والغش تحت تأثير الفعل الأداتي المعرفي أي مجموع الأنشطة التي تهدف إلى تقوية سيطرة الإنسان على المحيط وتلبية الحاجيات التي يصورها في الإطار، فالمجتمع لا يستطيع أن يستمرّ دون مستوى أدنى من النشاط الأداتي وهي نشاطات تولّد مشاكل عندما تكون الخلفية الورائية للمحاور التواصلية فتنتصر العقلانية الأداتية على حساب العقلانية التواصلية وهو ما يتمظهر في المجتمعات الاستهلاكية أين تنتظم مجموع الوسائل المادية واللامادية في نسق اليومي بوساطات التبادل المتمثلة في المال والسلطة الإدارية التي لها القدرة على نشر المعلومات في ذات الوقت الذي تقلل فيه التواصل الحقيقي إلى أدنى حدّ. ذلك أن إستراتيجية هذه العقلانية الأداتية تتمثل في التعامل مع الآخر لا كمتقبّل فعلي وكمحاور ولكن كوسيلة للفعل وهذا يعني أن هابرماس ينتهي إلى اعتبار الإنتاج مجرّد نشاط ضروري وأدنى مرتبة وتابع للتواصل بما هو الجوهري في الإنسان ولكن العقل الأداتي ضخّم هذا النشاط الإنتاجي وسوّق له باعتباره الأساسي في الإنسان ممّا حطّ التواصل إلى أدنى مستوياته.
هذا يعني أن أزمة التواصل اليوم بالنسبة لـ"هابرماس" هي أزمة الحوار، هي أزمة العقل الأداتي التي جعلت السيطرة على الطبيعة بما في ذلك الإنسان معيارا للتقدم والرقيّ وأزمة التواصل هي إذن أزمة تراجع العقل التواصلي أمام العقل الأداتي، وبهذا المعنى يواصل "هابرماس" نقدية مدرسة "فرانكفورت" دون أن يكون واحدا من روّادها.
التواصل الإتيقي عند هابرماس هو الحل لاستكمال مشروع الحداثة ولإنقاذ مستقبل الحياة على الأرض بشرط السماح بالمشاركة الواعية للنوع البشري في مثل هذا الحل وذلك بإعادة تملك للعلوم قصد تمكينها من الاستفادة من بعضها البعض في عملية تفهم ذاتي واسعة وبإعادة تكوين للثقافة الإنسانية على نحو نقدي تواصلي، في هذا الإطار يصرح:" إن النوع البشري يستطيع أن يعيد إنتاج ذاته في نمط حياته الثقافي الاجتماعي بامتياز فقط عبر الفكرة غير الطبيعية للحقيقة بمعنى الإمكانية المعترف بها للتفهم الكلي ضد ماهو فعلي...إن التناقض بين جماعة تواصل واقعية وبين جماعة مضفاة عليها المثالية ليس مترسخا في المحاججة وإنما في براكسيس الحياة للمنظومات الاجتماعية..."
خاتمة:
" التواصل هو العملية التي توجد بواسطتها العلاقات الإنسانية وتتطور..." شارلز كولي
. ان البعد الواقعي للتواصل  لا يتطلب التأسيس النظري بل يرتبط بانطباعية اللقاء ويظهر في تجارب التعاطف الوجداني والمعايشة النفسية والتخيل.
ان الرغبة في التواصل هي فعل يتأسس أولا وقبل كل شيء على الفهم والإحساس بالآخر في إطار تصوري موضوعي للعلاقات البشرية لا يكتفي بالتركيز على البعد الاقتصادي الاجتماعي بل يتعدى ذلك نحو الكشف عما في هذه العلاقات من معنى وجود ونمط حياة بالمعنى العميق والكوني للكلمة.
ان التواصل وان كان ينطلق من إستراتيجية تحقيق الإنية والتأثير في الغيرية إلا أنه يهدف في العمق إلى تكوين فضاء عمومي يكون بمثابة مسطح تنبني فوقه العلاقات القائمة على الاختلاف والحوار وسيادة روح الديمقراطية والتسامح.
من هذا المنطلق تدعو الفلسفة المعاصرة خاصة مع هابرماس وآبل وراولز وتايلور إلى تشييد نموذج آخر للتواصل يعوض التعاقد Contratالاجتماعي الكلاسيكي بين الفرد والمجتمع بتوافق Consensus تبلوره المناقشة العامة عبر المداولة الحرة بين جميع أفراد المجتمع بهدف تجسيد المواطنة الديمقراطية التي تسمح بخلق علاقة تشاورية تشكل أرقى مستوى من الديمقراطية التمثيلية وبإعادة الاعتبار إلى الذات الفاعلة في الفضاء العمومي والمشاركة بايجابية في الشأن العام.
بيد أن "التواصل في مجتمع برجوازي معولم يتعثر بسبب المؤسسات المحافظة والعلاقات النزاعية بين الطبقات وبالتالي ينبغي أن يكون العمل الاجتماعي ثوريا..."  لكن إذا كان الواقع المعاش لا يحتمل انجاز الحلم الثوري كما تنظر فلسفة ماركس ألا ينبغي أن نبدأ في تطوير جذري لحقل التواصل بين البشر ونوفر معطيات يمكن تبليغها للآخرين رغم الحواجز والتحفظات البيروقراطية؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق