الثلاثاء، 21 ديسمبر، 2010

مواضيع مختارة مع الإصلاح نصوص وأسئلة


الفن:الحقيقة والجمال
النص
لو يفكّر الفنّان على طريقة الفيلسوف لأنتج عملا مناقضا تماما للأثر الفنّيّ من جهة الشكل الذي تظهر فيه الفكرة, لأنّ دور الخيال يقتصر على الكشف لأذهاننا عن علّة و ماهية الأشياء, لا في مبدأ أو تصوّر عام, و لكن في صورة حسّية و في واقع فرديٍ. و بالتالي فإن كل ما يتحرك و يتخمّر في خاطر الفنّان, لا يستطيع هذا الأخير أن يتمثّله إلاّ عبر الصور والمظاهر الحسّية التي جمّعها, في حين أنه يستطيع في نفس الوقت التحكّم في هذه المظاهر الحسّية ليجعلها ملائمة لهدفه و ليجعلها تتقبّل و تعبّر عن الحقيقة في ذاتها بطريقة كاملة.
 و في هذا العمل الفكري الذي يقتضي تشكيل و صهر العنصر العقلي و الشكل الحسّي في مجموع, على الفنّان أن يستدعي, لمعونته, ذهنا ناشطا و شديد اليقظة, و في ذات الوقت, حسّ حي و عميق. إنّه لمن الخطأ الفظّ, إذن, أن نعتقد أن قصائد مثل قصائد هوميروس تشكّلت كالحلم عند نوم الشّاعر. فبدون التفكير الذي يحسن التمييز و يحسن الفصل و يحسن الإختيار يكون الفنّان غير قادر على التحكّم في الموضوع الذي يريد إنجازه, و أنه من المضحك أن نعتقد أنّ الفنّان الحقيقي لا يعرف ما يفعل.
هيقل:دروس في علم الجمال
حلل هذه النص و ناقشه مستعينا بالأسئلة التالية :
* ما الفرق بين الفلسفة و الفن حسب الكاتب ؟
* كيف يحدد هيقل علاقة الشكل بالمضمون ؟
* هل توافق الكاتب في نقده لنظرية الإلهام الفنّي ؟
التحرير :
يسود الاعتقاد بأن الإبداع الفنّي يحصل بشبه عمل سحري، لا يعلم سرّه أحد. و أن الفنّان ذاته لا يستطيع تفسير ما يقوم به، فهو كالأداة في يد قوّة غير مفهومة تقوده، دون وعي منه, في عمله الإبداعي. إلاّ أنّ هيقل، في نصّه المقتطف من «دروس في علم الجمال»، يذهب عكس ذلك، حيث يرى أن الفن بما هو تعبير عن تمثّلات الروح، هو،تماما مثل التفلسف عمل فكري، لكن عمل فكري يستند إلى الخيال و يقتضي صهر العنصر العقلي و الشكل الحسّي. فما طبيعة الإبداع الفنّي؟ و ما الفرق بين نمط التفكير الفلسفي و نمط التفكير الفنّي؟ وكيف تتحدّد علاقة الشكل بالمضمون في العمل الفنّي؟ ثمّ ما هي مرتكزات هيقل في نقده لنظريّة الإلهام؟ و إلى أي مدى يمكن اعتبار الفنّ عملا فكريّا؟جلي، إذن، أنّ ما يراهن عليه هيقل في هذا النصّ, هو أن يجعل من الفن مسألة جدّية، حتّى يرتقي بالذوق الفنّي إلى مستوى التطلّعات الرّوحيّة للشعوب.
إن كل تفكير بالنسبة لهيجل يعني إنتاج أفكار، و رغم كون الفكرة يمكن تمثلها بطرق مختلفة فان وجود فكر يعني وجود تفكير، عمل ثقافي ومفهومي. إلا أن التفكير الفلسفي تفكير خاص: فالفيلسوف هو الشخص الذي يأخذ الفكر المحض كموضوع، لكن هذا لا يعني أن الفيلسوف يبقى في التجريد المحض و الفارغ على غرار الريبي، ولكن يعني أن تفكيره ليس ترجمة مباشرة أو إعادة إنتاج للواقع، فأن نفكر فلسفيا هو أن نفكر بالكيفية التي تجعلنا نجد تدريجيا محتوى التفكير عبر أنماط و وسائط, مراحل وسطية تثري الفكر وتوضح الفكرة. والفيلسوف من هذا المنطلق هو الذي يظهر لنا الفكرة في شكل ما، بخطابه وبنظريته. وهذا الشكل هو الشكل الفلسفي الاستدلالي. ذلك أن اللغة المفهومية هي أداة الفيلسوف، تماما كما تمثل الريشة والألوان أدوات للرسام. فالفكرة يمكن أن تقدم في أنماط مختلفة باختلاف ضروب الفكر الذي ينتجها ويظهرها، ففي حين أن فكرة السلم يقدمها الفنان في شكل رمزي، "حمامة بيضاء"، مثل ما هو الشأن مع بيكاسو مثل, فإنها تتخذ من الخطاب الفلسفي شكلا نظريا و مفهوميا في تناقضها مع فكرة الحرب. وهكذا يستطيع هيقل أن ينقد الفنان الذي يأخذ عن الفيلسوف طريقته المميزة في التفكير، لأنه في هذه الحالة، لن ينتج أثرا فنيا ولكن انتحالا لفكر فلسفي، و عوض أن يعبر عن الفكرة التي يريد إظهارها في شكل فني, يقدمها في شكل شبه فكرة فلسفية. وهكذا عندما يحاكي الفنان الفيلسوف يكون إنتاجه مناقضا للأثر الفني لأنه لا يحترم خصوصية وأصالة ضرب الفكر الفني . ولكن فيما تتمثل هذه الخصوصية؟
إن العنصر الأساسي الذي يميز ضرب التفكير الفني على التفكير الفلسفي, هو الخيال. والخيال بالنسبة لهيقل ليس خاصية فلسفية فهو ليس جوهريا في إنتاج الأفكار الفلسفية، في حين أنه يمثل الأداة الأساسية والمفضلة بالنسبة للفنان عند تعبيره عن الواقع. لكن يجب أن نلاحظ أنه إذا كان الخيال يحقق للفنان أصالة منظوره, فإنه يصنع في نفس الوقت بعض الحدود. فبخياله, يصل الفنان مباشرة و دون واسطة إلى"علة و ماهية الأشياء" أي أن الخيال يمكّنه من استكناه عمق ومعنى الأشياء عبر الصور وأشكال والتمثيل. و عوض أن يحصل على هذه المعرفة، على طريقة الفيلسوف, أي انطلاقا من مبدأ ما أو من تصور عام، يرى الفنان، بفضل الخيال, الأشياء في صورة حسية, في واقع فردي, ومن هذا المنطلق تكون الطريقة التي يتمثل بها الفنان الأشياء دائما أكثر ذاتية, أكثر فردية, وبالتالي محدودة أكثر من طريقة الفيلسوف، فهذا الأخير يذهب بأقل سرعة نحو ماهية الشيء بما أنه في حاجة لكي يظهرها لنا في شكل فكرة, إلى عمل مفهومي طويل يتضمن عدة وسائط, و تكون حقيقة تمثلا ته أكثر كونية من تمثلات الفنان.
الخلق الفني ينشأ،إذن، عن دور الخيال و عن طبيعة الأشكال المُفَكَّر فيها التي ينتجها الخيال، لكن ما يريد الفنان التعبير عنه هو كل «ما يتحرك ويتخمر في خاطره»، وهيقل يقدم من خلال هذه الصورة فكرة حركة تهز أفكار الفنان في داخليته، وإنه لفي هذه الداخلية شبه المبهمة لذهنه أين تهتز، تعتمل و تتخمر الأفكار, دون أن نستطيع تصوّر مأتاها و لا كيف يستطيع الفنان إخراج هذه الحياة الداخلية. المشكل هو إذن مشكل تمثل , الفنان عليه أن يتمثل هذا العالم الداخلي الذي يهزه في نفس الوقت الذي عليه فيه أن يوجد أشكال تمثلها للآخر عبر الأثر الفني. عليه إذن أن يترجم في أشكال حسية الأفكار التي توجد في ذهنه، وهنا بالذات يتدخل خياله. فالفنان هو ذاك الذي يُجَمَّع بإدراك حاد وحدّة الصور والمظاهر الحسية التي يقدّمها له الواقع الخارجي، فيخزّنها, و يمتلكها حتى يستطيع فيم بعد استثمارها ليعطي شكلا لأفكاره الخاصة. و هذه القدرة المميزة للفنان تمثل، في نفس الوقت, حدا له, إذ أنه لا يستطيع مثلا أن يعطيها شكلا مفهوميا مثل الفيلسوف. و مع ذلك فإن هذه الترجمة للفكرة الداخلية في شكل المظاهر الحسية ليس عملا ميكانيكيا بسيطا, إنها تفترض عمل الفنان، عمل مطابقة و ملاءمة، بالكيفية التي تجعل الأشكال تُطيع وتخضع للهدف، أي التعبير عن الفكرة. فليس الشكل في ذاته ولذاته الذي يحدد الأثر الفني : إنه العمل الذي بموجبه تجد الفكرة شكلها، و ليس أي شكل بل الشكل المعبر عن الفكرة. لذلك ليس من باب الصدفة أن يستعمل هيقل في مطلع الفقرة الثانية أفعال النّحت، صهر و تشكيل، ليصف العمل الذي يجمع فيه الفنان ما هو عقلاني وصوري، فهذا العمل هو عمل ثقافي، بمعنى أنه يحصل في ذهن الفنان ذاته، و يمثّل استباقا للعمل الجمالي واليدوي الذي يعطي الشكل للأثر الفني. فكل أثر فني هو نتيجة عمل يجمع العنصر العقلي (الفكرة ) والشكل الحسي، و الجمال يكمن في قدرة التحكم في الشكل الملائم للفكرة, في خضوع الشكلانيّ للمفهوميّ. فليس هناك جمال استيتيقي للمفهوم المحض تماما مثلما ليس هناك قيمة جمالية للشكل الفارغ من كل فكرة. لذلك كان على الفنان أن يكون له في نفس الوقت ذهنا ناشطا وحسا عميقا, لأن الأثر الفني ينتج عن الجمع بينهما. وهكذا نتبين أن هيقل يلح على أهمية النشاط الذهني والعقلي في الإبداع الفني وهو نشاط لا يؤخذ، في كثير من الأحيان، بعين الاعتبار أو على الأقل، لا يقدر حق قدره, إذ أننا نميل إلى الحكم على جمالية الآثار الفنية انطلاقا من أشكالها رغم أننا نحكم أيضا على بعض الأعمال بكونها صورية فارغة عندما تخلو من هذا البعد العقلي. وهنا بالذات تكمن أهمية المقاربة الهيقلية، فرغم كون ما نلاحظه في الوهلة الأولى في العمل الفني ليست الفكرة التي يعبر عنها الشكل, يمكن أن نقول أن الأثر الفني، بالنسبة لهيقل، يقتضي حضور الفكر من خلال الشكل دون أن تدوس الفكرة الشكل، أي أن نجاح الأثر الفني ينتج عن التوازن الناتج عن العمل الذهني للفنان بين الشكل والمضمون. من الواضح إذن، أن أسطورة الفنان المُلهم و المبدع لاشعوريا بوحي شبه سحري أو إلهي, هي بالذات ما ينتقدها هيقل في هذا النص, فإذا كان النشاط الذهني ضروريا للإبداع الفني ,إذا كان ذهن الفنان يجب أن يكون لا فقط يقضا بل ناشطا أيضا فإن وهم الحدس المبصر في الحلم من طرف الفنان لا يمكن أن يكون إلا خرافيا. ثم من يصدق هذا الوهم أمام صرامة الإيقاع في أبيات شعر هوميروس، و أمام البحث عن المجازات التي توشّي الأوديسا, من يصدق أن هوميروس أنتج مثل هذه الرائعة الفنية بطريقة لاشعورية أو رغما عنه.إن الفن ليس عملا عقليا محضا، و لكن الفنان هو دائما مفكر يستعمل عقله وفكره ليختار الأشكال التي يعبر بها عن أفكاره. والفنان الذي لا يتحكم في موضوعه و يترك نفسه لقوة إلهام خلاق, لا يستطيع أن يصيب هدفه. وحتى عندما يترك في الظاهر القواعد الكلاسيكية والصورية للخلق الإنشائي, يبقى الفنان سيد الأشكال التي يفرضها على الفكر, فالمعرّي ألزم نفسه بما لا يلزم في اللزوميات , لكن إبداعاته لم تكن حرة وفوضوية بل إن الحرية الظاهرة التي مارسها جعلت من الممارسة الفعلية والمتواصلة لعقله أكثر ضرورة.إن هيقل هو أحد أهم الفلاسفة الذين حاولوا فهم وتفسير ميكانيزمات الإبداع الفني في تفكيره حول الجماليات. و يرفض بقوة الأحكام التي تختزل الإبداع في الإلهام فالفنان لا يقدم ميكانيكيا إلهاما, ولكن في نفس الوقت الذي يؤكد فيه على أهمية العمل الذهني للفنان, يرفض اختزال الفن في الفلسفة يرفض المماهاة بين الإبداع الفني و الإبداع المفهومي.


الدولة:السيادة والمواطنة
النص :
يُعتقد أن العبد هو من يفعل وفق أوامر و أن الإنسان الحر هو من يفعل وفق لذّته الخاصة. ألاّ أن ذلك ليس صحيحا بصفة مطلقة, لأنّه في الواقع أن يكون الواحد منّا أسير لذّته و غير قادر أن يرى أو أن يفعل إلاّ ما هو نافع, هو العبودية عينها, و أن الحرية لا تكون إلاّ لمن كان يعيش برضا تام وفق قوانين العقل. أما الفعل بأمرٍ, أعني الطاعة, فإنّه ينفي حقا, في معنى ما, الحريّة, و لكنّه لا يحوّل الفرد مباشرة إلى عبد, ذلك أن السبب المحدد للفعل هو الذي يعيّن العبوديّة. فإذا كانت غاية الفعل ليست منفعة الفاعل ذاته, بل منفعة الآمر, يكون عندها الفاعل عبدا, غير نافع لذاته.
و على العكس من ذلك, في الدولة و تحت إِمْرَةٍ يكون فيها القانون الأسمى خلاص كلّ الشعب لا خلاص من يأمر, فإن من يخضع في كلّ شيء لصاحب السيادة لا يجب أن يقال عنه عبدا غير نافع لذاته, و لكن رعيّة. و هكذا فإن الدولة هي الأكثر حرّية, لأن القوانين مؤسسة على العقل السّوي, و لأن كل واحد في هذه الدولة يمكن أن يكون حرًّا ما أن يريد ذلك, أي يعيش في رضا تام وفق قوانين العقل
سبينوزا Spinosaرسالة في اللاهوت و السياسة"
حلل هذا النص في شكل مقالة فلسفية مستعينا بالأسئلة التالية:
* ما هو الاعتقاد الذي يناقشه الكاتب ؟
*هل أن الطاعة مرادفة للعبودية؟
* كيف تتحدد حريّة الدولة؟
*هل تعتقد أن تأسيس الدولة على العقل يضمن حرية الرعية؟
التحرير:
تتحدّد الحرية في المعنى العام, أو اللاّفلسفي باعتبارها حالة من يفعل ما يريد و لا يخضع إلاّ لأمر نفسه متبعا لذّته الخاصة, وهو تحديد ينتج عنه ضرورة عدم إمكان قيام أي مشروع سياسي. لذلك فإن سبينوزا في هذا النص المقتطف من «رسالة في اللاهوت و السياسة» يبيّن أن الدولة هي الأكثر حرية و أن القوانين التي يشرعها العقل هي أوامر تؤسس حرية الأفراد. فكيف تكون الدولة الحرة ممكنة؟ و ما هي عيوب التحديد اللافلسفي للحرية؟ و هل أن كل طاعة ترادف العبودية أم إن طاعة القانون هي الحرية؟ ثم كيف برهن سبينوزا على موقفه؟ و إلى أي مدى يمكن الإقرار معه بأن تأسيس الدولة على العقل يضمن حرية الرعية؟
وفيا لممارسة فلسفية و إلى تقاليد وضعها أفلاطون, ينقد سبينوزا في الباية حكما مسبقا, فكرة خاطئة, تقودنا إلى تحديد الإنسان الحرّ باعتباره ذاك الذي يفعل وفق لذّته الخاصة. لكن تكتونيكا هذا الخطأ ـ إن صحّ التعبيرـ تتجاوز بكثير المستوى النحوي, لأنه دون تحديد متماسك و عقلاني للحرية, و بالتالي للإنسان الحر, لا يكون المشروع السياسي جاد. ذلك أن تحديد الدولة الحرة, بالنسبة إلى سبينوزا, هي مسألة جوهرية. دولة تكون فيها علاقات صاحب السيادة الذي يأمر الرعية المطيعة مخالفة لعلاقة السيد بالعبد. لذلك ينطلق سبينوزا بتحديد العبودية و الحرية ليبيّن أن تحقيق الدولة الحرة ممكن بشرط : أن يكون العقل هو الحاكم و له فقط تكون الطاعة.منذ بداية النص, إذن, يلاحظ سبينوزا حكما شائعا يتعلّق بالتحديد التعارضي للعبد و الإنسان الحر. إذ يعتبر بطريقة مبسطة للغاية, أن العبد هو الإنسان الذي لا يفعل إلاّ إذا كان مطيعا لأمر يحدده الآخر, و أن الإنسان الحر لا يفعل إلاّ بمقتضى اللّذة التي يأمل في تحقيقها من وراء فعله. وهذا يعني أن الحرية تقتضي استقلال الإرادة التي تدفع الفرد إلى الفعل وفق لذّته الخاصة, في حين أن العبد يتحدد بغياب مثل هذه الاستقلالية و بخضوع دون وهن لإرادة الآخر. و هذا الموقف ليس موقف الحس المشترك فقط, بل أنه يجد جذوره في تقاليد فلسفية يلعب فيها أرسطو دورا هاما, بما أنّه يحدد العبد ككائن يتوسط الإنسان و الحيوان, و ديكارت بطريقة ألطف, و في حقل فكري مختلف, بتحديده للحرية انطلاقا من حرية الاختيار, ساهم في بلورة الفكرة التي يكون بمقتضاها الإنسان الحر ذلك الذي يقرر بطريقة مستقلة وذاتية, رغم أن ديكارت بين أن هذه الإرادة يجب أن تكون موجهة بالعقل. و فطنة سبينوزا تتمثل في كونه هاجم أولا الأطروحة الأكثر صعوبة و متانة, تلك المتعلقة بالحرية ليبين فيما بعد بطلان مفهوم العبودية.
فما يضعه سبينوزا محل نظر هو العلاقة السببية بين الحرية و اللذة, ذلك أن تحديد الحرية باللذة هو تحديد غير متماسك إذا لم نحلل بالتفصيل وضع من يبحث عن لذّته, لأن «الفعل وفق اللذة الخاصة» و «أن يكون الواحد منّا أسير لذته» لا يختلفان كثيرا, فمن يفعل وفق لذّته يجعل من هذه اللذة غاية و هدف أفعاله. لكن هل أن الفكرة التي نحملها عن لذّتنا عقلانية؟ ألا يمكن أن نخطئ فنضر باتباعنا للذّتنا بمصالحنا؟ و هكذا فإن من يختار الحياة و الفعل وفق اللذة التي يرمي إلى تحصيلها, متبعا بذلك طريقا هيدونيا Hédoniste, يصبح عبدا حقيقيا بما انه يكبت قدراته الفكرية و يصبح عاجزا عن التمييز بين الخير و النافع بالنسبة له. و هكذا تصبح اللذة غاية تسبب الاغتراب, فالإنسان يعتقد نفسه حرا لأنه يبحث عنها فإذا به يصبح عبدا لأن الفكرة الوحيدة الملازمة له, تحقيق اللذة, تمنعه من الحكم عقلانيا على قيمة أفعاله و قراراته. هذا يعني أن البحث عن اللذة في حد ذاته مضلا, و يجعلنا نغترب وبالتالي اللذة لا يمكن أن تحدد الحرية. بل على عكس ذلك من يكون قادرا على تحديد ما هو نافع بالنسبة له, أي من يستعمل عقله و يفعل وفق أوامره, يكون حرا بما أنه يعيش بمعرفة الأسباب. و هكذا فإن الأهم قد قيل, و المشكل ليس مسألة أمر أو طاعة, و لكن مسألة معرفة من يأمر و لمن الطاعة: عندما يأمر العقل و نطيعه نكون أحرارا, و عندما تأمر الانفعالات أي لذتنا الخاصة و نطيعها بطريقة عمياء نكون عبيدا.
و هذا يعني أن الطاعة, عند سبينوزا, هي «الفعل بأمر» أي احترام نظام معطى. و لكن كل إنسان مطيع ليس عبدا بالضرورة, فالعبودية تتوقف على طبيعة الأمر و على طبيعة الآمر. فعندما أطيع أمرا يخدم مصالحي و منفعتي, لا تكون هناك عبودية, و في مقابل ذلك, إذا كنت أطيع أمرا يخدم مصالح من أعطنيه و يضر بمصالحي, عندها يمكن أن نتكلم عن عبودية. وفي هذه الحالة علينا أن نميّز بين وضعيتين, وضعية يكون فيها الأمر صادرا عن الآخر و وضعية يكون فيها الأمر صادر عن الشخص ذاته. فإذا كان الأمر صادر عن الآخر يجب عليا أن أحلل السبب المحدد لهذا الأمر ومعرفة ما إذا كان مضرا بمصلحتي, لأن ذلك هو المحدد لنوعية طاعتي. فبفعل يحقق مصلحة الآخر و يضر بمصلحتي أكون عبدا, و لكن عندما أتصرّف تحت إمرة الآخر إما لتحقيق مصلحة مشتركة أو لتحقيق مصلحته هو دون أن يضر ذلك بمصلحتي الخاصة, و إما لتحقيق مصلحتي الخاصة لا أكون عندها عبدا. و هذا يعني أن العقل وحده كملكة للحكم على النافع و غير النافع قادر على التمييز بين «الطاعة العبودية» و «الطاعة الحرية», أي أنه علينا أن نطيع دائما ما يمليه علينا العقل إذا أردنا ضمان حرّيتنا.و هكذا يرى سبينوزا أنني أستطيع أن أكون صاحب الأمر الذي أقدمه لذاتي, أستطيع أن آمر ذاتي بان افعل وفق لذّتي الخاصة و مع ذلك أكون عبدا, عبدا لانفعالاتي, و أستطيع على عكس ذلك أن أسلك وفق أوامر العقل وحده و أن أحترم القواعد التي يحددها فتكون طاعتي شرط حرّيتي. وهو ما يوافق ما ذهب إليه روسّو عندما أعلن «إن الطاعة للقانون الذي حددناه هي الحريّة», فطاعة الآخر لا ترادف العبودية, و طاعة ذاتي لا تحدد الحرية, فما يؤسسها في كل الحالات هي الغاية التي نطيع من أجلها و نطيعها: انفعالاتي تأمرني بأفعال تجعل مني عبدا, و الحكيم يأمرني بأفعال تجعلني طاعتها حرّا.هذه التعريفات لا تمثل, إذن, إلاّ أرضية نظرية يبني عليها سبينوزا نظريته السياسية. فإذا كانت الطاعة تتضمن بالتحديد العبودية, لا تكون الدولة الحرة ممكنة بما أن كل أمر من صاحب السيادة يجعل الرعية عبيدا . ونكون عندها أمام خيار صعب : إما دولة عبيد, و إما أناس أحرار دون إطار سياسي واجتماعي وهذا هو الخيار الذي يريد سبينوزا أن يخلّصنا منه بنقده للتصور الشائع حول العبودية و الحرية منذ بداية النص. و هذا يعني أن القواعد التي تحدد حرية الدولة ليس من طبيعة مخالفة لتلك التي تحدد حرية الإنسان. و الأمر مسألة عقلانية, فإذا كانت الأوامر التي نطيعها, أوامر عقلية, نكون أحرارا. وهكذا فان الأمر في الدولة الحرة يتحول من الأمر إلى قانون اسمي يأمر باسمه صاحب السيادة والرعية تطيع. و إذا كان هذا القانون الاسمي خادما لمصلحة صاحب السيادة وحده و أنانيته, على حساب الرعية, نكون عندها بصدد الاستبداد والدولة تكون دولة عبيد. ولكن على عكس ذلك إذا كان هدف هذا القانون «خلاص كل الشعب», إذا كان كل فرد يجد في سنّه و في طاعته تلبية لمصالحه, فان الطاعة الاجتماعية و السياسية المقبولة و المرداة تصبح حرية.
ما يراهن عليه هذا المقتطف هو, إذن, مشروعية الطاعة المدنية فسبينوزا يسعى إلى بيان أن كل رعية, كل مواطن ليس عبدا بمجرد طاعته لأوامر صاحب السيادة, وبذلك يضمن إمكان الدولة الحرة. و قد نعيب على سبينوزا اقتصاره على الجانب النظري, ذلك أنه إذا كان كل إنسان يخطئ, كيف يمكن أن نعطي الثقة لصاحب السيادة فلا يتجاوز سلطته و يستغل نفوذه في تحقيق مصالحه الخاصة عوضا عن المصلحة العامة؟ غير أن هذا النقد لا يكون وجيها, لأنه نقد غير عادل فسبينوزا يوضّح في سياق آخر في مؤلفاته هذه النقطة و يبين كيف أن الديمقراطية تقدم ضمانات كافية وضرورية ضد مثل هذه التجاوزات وكيف تستطيع الرعية بل و يجب عليها المحافظة على حريتها. هذا يعني أن النموذج السبينوزي للدولة ليس شبيها بالنموذج الأفلاطوني في الجمهورية الذي يتمثل في نموذج فرضي يبقى تطبيقه في الواقع صعبا, إن لم نقل مستحيلا. ذلك أن الدولة الأكثر حرية عند سبينوزا يمكن و يجب أن تكون واقعا سياسيا. و لكي تتحقق هذه الإمكانية يجب أن تكون القوانين التي تحكم هذه الدولة, القوانين التي يحترمها صاحب السيادة ويجعلها محترمة, القوانين التي يطيعها المواطنون صادرة عن العقل. ذلك هو الشرط الوحيد للحياة السياسية ولكنه شرط جوهري وصعب. إذ كيف يمكن أن نقدر الخاصية العقلانية للقانون؟في الحقيقة أجاب سبينوزا بطريقة أو بأخرى عن هذا السؤال فيبدو واضحا أن قانونا لا يهدف إلا لتحقيق مصلحة شخص واحد(صاحب السيادة) على حساب المصلحة العامة لا يمكن أن يكون عقلانيا. ثم إن العقل له خاصية الكونية, فهو ملك كل الناس و بالتالي كل واحد فينا يستطيع أن يقدر ما هو عقلاني وما هو غير عقلاني إذا احكم عقله. و هذا يعني أن كل واحد قادر على الحكم على الطاعة إذا ما كانت تضر بمصالحه الخاصة أو لا, إذا ما كانت تتعارض و مبادئ عقله. وفي نفس الوقت فإن القبول العام للقانون, قبول كل الأفراد لطاعة القانون يبرز أن هذا القانون عقلاني فكل فرد يجد ذاته بصورة ما في القانون, يجد إرادته و مصالحه, ويستطيع أن يعتبر ذاته مصدر القانون الذي يطيعه. وهذا يعني أن الدولة الأكثر حرية هي الدولة التي يطيع فيها كل الرعية القانون بحرية و بإرادتهم, لأنهم بطاعتهم لهذا القانون الذي يقرونه عادلا و عقلانيا يظهرون حريتهم كمواطنين. وهكذا فان قلب الحكم المسبق الذي انطلق منه سبينوزا يصبح الآن قلبا كليا: فمن يفعل وفق أمر, من يخضع لنظام القانون ليس عبدا بل هو إنسان حر بما انه لا يطيع إلا عقله باتباعه لما يمليه عليه القانون.وهكذا نتبيّن أن سبينوزا يرفض في هذا المقتطف كل إمكانية نظرية فوضوية. فليست الدولة في حد ذاتها بنية مضطهدة ومؤدية إلى الاغتراب, بل تبدو الشرط الضروري لتحقيق حرية الإنسان بما أنها تجسد العقل من خلال القانون. وبالتالي فان القوانين التي تدبّر الدولة هي قوانين مبنية على العقل السوي وأنها لا ترجع لاعتباطية الأمير و لا لعوارض النظام و القيمة الفلسفية للنص تبدو في الجهود التي قام بها سبينوزا ليحدد مجال الحرية ومجال العبودية وهذا المجال هو المشروعية العقلانية للقانون. فطالما يطيع الإنسان القوانين المطابقة لعقله يكون حرا ولكن ما إن يحصل الطلاق بين النظام والعقل فان العبودية تترصده. فالعبودية في آخر المطاف هي تنحي العقل أمام القوة.



التواصل والأنظمة الرمزية
و هكذا فأنا في تناقض معكم عندما تقولون إن الإنسان لا يستطيع بصفة مطلقة أن يستغني عن العزاء الذي يقدمه له الوهم الديني, و إنه بدونه لا يستطيع تحمل ثقل الحياة و الواقع الفظ. نعم, ذلك صحيح بالنسبة لرجل طبعتم في ذهنه منذ الطفولة هذا السم الحلو أو السم الحلو و المر. لكن ما شأن الآخر, ذاك الذي تربّى في الاعتدال و الرصانة ؟ ربّما لن يكون, ذاك الذي لا يعاني من أيّ عصاب, في حاجة إلى السكر حتى ينسى ذلك. دون شك, إذن, سيجد هذا الرجل نفسه في وضعيّة صعبة, سيجد نفسه مجبرا على الاعتراف لنفسه بكل ضيق, بضآلته في مجموع الكون, لن يكون كما كان مركز الخلق, موضوع الاهتمام الحنون لعناية إلهية مجانية. سيجد نفسه في وضعية طفل غادر بيت الوالدين, أين كان يحسّ نفسه في رغد و أين كان يشعر بالدفء. و لكن أليست الصبيانية مرحلة مُقدّر تجاوزها؟ فالإنسان لا يستطيع أن يبقى طفلا بصفة دائمة, إذ يجب عليه أن يغامر أخيرا في كون عدوانيّ. و يمكن أن نسمي ذلك «التربية في اتجاه الواقع», و لن أكون في حاجة لأقول لكم أن هدفي الوحيد من كتابة هذه الدراسة هو أن ألفت الانتباه إلى الضرورة التي تفرض تحقيق هذا التطور.
فرويد «مستقبل وهم»
التحرير :
          عندما يتعلق الأمر بالمقدس يمتنع الإنسان العامي عن الحديث عنه بلغة خارج سيرورة  التقديس، إذ هو لا يقبل مناقشة الفكر الديني،  بل انه ينفعل و تكون ردوده عنيفة إزاء كل تفكير نقدي يسعى إلى فهم المقدس فهما موضوعيا. و هذا السلوك في التعامل غير غريب على الإنسان العامي إذ أن المقدس هو قبل كل شيء تجربة انفعالية تتجذر في اليومي. لكن المفكرين العقلانيين لا يجدون حرجا في البحث في أسس هذا المقدس و في الوظائف التي يضطلع بها، بل إن البعض منهم على غرار فرويد في هذا النص المقتطف من " مستقبل وهم" يذهب إلى درجة التشكيك في الرؤية الدينية، حيث يقر فرويد أن الدين عصاب جماعي على الإنسان أن يشفى منه. فما هي وظيفة الدين إذن؟ هل انه رؤية تعبر عن واقع مرضي يجب التخلص منه أم انه منظومة رمزية تمثل ضربا من المعانقة الروحانية للعالم؟ ثم هل يجب فعلا التحرر من الدين أم أنه يضطلع بوظيفة تجعله احد المنظومات المشكلة للإنساني بحيث لا نستطيع تجاوزه؟
 يتعلق الأمر بالنسبة لفرويد بالتخلي عن القلق الطفولي و أن يتربي الإنسان في اتجاه الواقع لكي يصبح سيّد قدره. لذلك يعلن فرويد منذ بداية النص انه يناقض بصرامة اطروحة تقضي بان الإنسان لا يستطيع العيش دون العزاء الذي يقدمه الدين لآلام الوجود, فالدين حسب فريد هو اعتقاد وجداني ناتج عن الرغبات الإنسانية و يرتبط بالإيمان بالإلوهية. و الاعتقاد في الله، حسب فرويد، يتأسس ضد الألم، إذ أن الإنسان يتعلق بوهم، باعتقاد ناتج عن الرغبة، اعتقادا يؤسس له نسقا سيكولوجيا حاميا. فمن خلال الدين يتشبث الإنسان القلق بأب حام، قوي و قادر. ذلك أن فرويد يصف الحياة بالثقل، فالواقع فظ و الإنسان يجد نفسه في هذا العالم متروكا لوحده بفظاظة، و حالة القلق هذه تميّز مرحلة الطفولة التي تمثل بمحيطها مناخا خصبا لزرع الخوف فينا. هذا يعني أن فرويد يقر بان الظروف التي يوجد فيها الإنسان و التي يفرضها عليه العالم الخارجي هي ظروف صعبة، و دون دين لا يستطيع الإنسان أن يتحمل هذا العالم الخارجي العدائي و الصعب، تلك هي على الأقل الأطروحة التي يتبناها هنا مناقضي فرويد، فالدين يواسي، يعزي و يحمي، ذلك أن صورة أب قوي وقادر تبدد مخاوف الطفل و قلقه. غير أن الدين بالنسبة لفرويد هو سم،  مادة قادرة على تعطيل أو حتى قطع الوظائف الحيوية للجهاز العضوي. فالدين خطير، سم حلو و مر في نفس الوقت، فهو يمثل مادة غامضة تطمئننا و تعكرنا، إذ يبدو كالوصفة السحرية. و من اعتاد على هذا السم المعكر ذي الفضائل الغامضة و المتناقضة في طفولته لا يستطيع أبدا التخلي عنه لأنه يمكنه من الإفلات من الإحساس المميت بالقلق الطفولي. و بلغة فرويد من اعتاد على هذا السم لن يشفى أََََبدًا من الطفولة و ما طبعته فيه.
 و لكن على خلاف ذاك الذي يكون في حاجة لكي يعيش, إلى سم أو مهدئا, اكسيرا لينعشه و لكن يحطمه في نفس الوقت, يرسم فرويد صورة ذاك الذي تربى في الاعتدال و الرصانة. أن نتربى في الاعتدال و الرصانة هو أن نتربى في حضن نوع من التمنع دون كحول وباتزان, نوع من صفاء الذهن وصفاء الجسد. فما هو حال الرجل الذي لم يعش طفولة في الاعتقادات، ذاك الذي لا يعاني من أي عصاب و الذي لم يكن مثقلا بأوهام محبذة و خطيرة؟ انه ليس في حاجة إلى السكر يقول فرويد, حالة اعتدال اصطناعية ينتجها خمرا أو سما, ليعيش و يقتل عُصابه, حتما إن هذا الرجل الذي تربي دون خمر، الذي تربي في الاعتدال و الرصانة و في الواقع بعيدا عن كل وهم, سيكون مجبرا على الاعتراف بقلقه، بإحساسه بالوحدة، و بإحساسه بأنه متروك و بالتالي بضعفه في الوجود، سيعترف بأنه كائن إلى الموت و بضآلته في خضمّ عالم لا متناهي، سيكون مجبرا على الاعتراف بكونه "عدم بالنسبة إلى اللامتناهي" على حد عبارة "باسكال". فدون أبٍ قويّ، أي دون إله لن يشعر هذا الرجل بكونه محميّا من قبل العناية الإلهية، هذا الفعل الحكيم الذي يدبّر العالم ومجمل الخلق سيكون بمثابة الطفل الذي غادر بيت الوالدين لأن الدين والإله يجسّدان حسب "فرويد" الأب، فما الله إن لم يكن أبا محوّلا بواسطة التصعيد؟ دون دين يفرغ الإنسان من قوة أبويّة أوّلية وحامية وهذه الطريق وعرة فالإنسان دون مقدّس يجد نفسه في وضعية صعبة، فريسة القلق والحيرة، خبزنا اليومي وقدرنا في هذا العالم.
لذلك يرى فرويد أنه على الإنسان أن يفلت من الوهم الديني وأن يصبح كهلا حقيقيا فلا يجب أن يعوّض مأساة الظروف الإنسانية بتصالح مع الواقع والوجود منجز في الخيال. ذلك أنّ مرحلة الصبيانية يجب تجاوزها، يجب أن نتجاوز حالة الفرد الذي هو في سنّ الكهولة و له خصائص فيزيولوجية أو نفسية ترتبط بمرحلة الطفولة، لذلك يجب استبعاد الصورة القوية والساهرة لألوهية حامية، والإنسان عليه أن يدخل في العالم الواقعي في كون عدواني لأنه محروم من قوة الولي لا صديق له ولا عناية إلاهية. أن يكون كهلا هو أن يفلت الإنسان من الأوهام التي ترتبط بضرورة وجدانية إذ يتعلق الأمر بالنسبة لفرويد بإنتاج تربية في اتجاه الواقع، خلق مسار نطوّر به عند الإنسان قدرات أو خصائص تراعي الواقع، تراعي الظروف التي يفرضها العالم الخارجي. هاهنا يندرج المشروع الفرويدي الذي يقتضي تطهير الإنسانية من الوهم الديني لذلك يجب استبعاد صبيانية الاعتقاد في العناية الإلاهية وتربية البشر في اتجاه الحقيقة، في اتجاه الواقع، في اتجاه الصعب و العقلاني. وعندما يعلن فرويد أنه يهدف إلى أن يبيّن الضرورة في تجاوز الإنسان لصبيانيته لا يجعل من نفسه فقط طبيبا معالجا بل و أيضا مربّيا للإنسانية.
وهكذا فإن فرويد يقوم في هذا النص بنوع من التشخيص التحليلي للعقل الديني وهو يلحّ خاصة على الضيق الذي تتجذر فيه الحاجة إلى الديني، إذ يجذ ّر فرويد الدين في مستوى نفسي فالإحساس الديني والدين بأسره يتأتى عن وهم وعن رغبات لا واعية للإنسان ففي مقابل صعوبة الحياة، في مقابل الألم وخاصة في مقابل الموت ينحت الإنسان اعتقادا معزيا يمكنه من الحياة. ومزية فرويد تتمثل في كونه كشف عن هذا البعد السيكولوجي للدين فالإنسان يعبر عن حاجته للحماية في كامل ردهات حياته ومن هنا تنتج فكرة الإله، العقدة الأبوية والحاجة إلى الحماية تمثل المبادئ النفسية التي تمكننا من فهم ماهية الدين الذي يضطلع بوظيفة تلطيف قلق الإنسان فيعده بالبعث وبالجزاء وبأوهام أخرى معزّية، وباختصار إن الدين لا يتجذ ّر في الخطأ ولكن في وهم وجداني عاطفي إذ هو وهم فاعل بالنسبة لمن تربى في غير اعتدال و رصانة، هو عصاب على الإنسانية أن تشفى منه.
قطعا أن فلسفة الأنوار سبقت فرويد في هجومها على الدين ذلك هو شأن "فيورباخ" Ludwig Fuerbach، فـ"فيورباخ" في كتابه "مــاهية المسيحية"(1841) يبيّن أن الدين هو "داخلية الإنسان المسقطة في الخارج" ففي الإله يسقط الإنسان ماهيته الحقيقة وبالتالي في كلّ مرّة نثري ماهية الله نفقر الإنسان و الدين في هذا المنظور ليس في نهاية المطاف إلاّ علاقة الإنسان بذاته، لذلك على الإنسان حسب "فيورباخ" أن يقلب الدين وأن يستعيد ماهيته المغتربة و هو تقريبا ما يقوله "فرويد" فالإنسان عليه أن يصبح راشدا. "ماركس" أيضا غير بعيد على فرويد ينفي كلّ وظيفة إيجابية عن الدين ويعتبره تعبيرا عن الايديولوجيا السائدة التي تسعى إلى تكريس الوعي الزائف للمحافظة على مصالحها، فالدين "أفيون"، "مخدّر"، يمنع الطبقة الكادحة من الوعي بواقعها المزري والثورة عليه لذلك لابدّ من تحطيم الوعي الديني لتحرير الإنسان من كل أصناف الاغتراب و التنميط.
لكن عندما نتفحّص الأمر ونتأمل حضارتنا المعاصرة نتبيّن  أن تجاوز الرؤية الدينية ليس أمرا هينا فحضارتنا اليوم تتسم بعودة الديني وحتى في البلدان الغربية أين يبدو الدين في خسارة يعود الدين في فترات و بقوة، عودة الحسّ الديني تقتضي منا أن لا نرى في الدين مجرّد وهم يغرينا أو أفيونا يلهينا. و ذلك ما يسعى E.Cassirer "كاسيرار" إلى إبرازه عندما بين أن العالم الإنساني تمكن من تحقيق نقلة نوعية مكنته من التميز نهائيا عما سواه حيث أصبح الإنسان قادرا على أن يكيف نفسه بحسب مقتضيات المحيط الذي يعيش فيه ذلك أن الإنسان عند كاسيرار أنتج لذاته واقعا خاصا به، واقعا يقوم على وساطة الأنظمة الرمزية و قدرة الإنسان على الترميز أي على أن يتواصل بواسطة هذا الجهاز الرمزي  الذي ينتج دلالات يشكل بواسطتها معنى العالم جعله يتميز عن بقية الكائنات ويتحدّد ككائن بيوثقافي، و هكذا يمثل الدين في منظور "كاسيرار" منظومة رمزية تضطلع بوظيفة روحية و ينتج من هذا المنطلق تشكلات رمزية لا تختلف من حيث قيمة مصدرها الروحي عن رموز الذهن. فالدين من حيث هو صيرورة ديناميكية للترميز، يحيل إذن إلى زاوية نظر روحية معينة، إذ هو محاولة لتحويل العالم السلبي، هو أحد الشروط التي تجعل تمثل الواقع الخارجي ممكنا، فالدين ليس عاملا مرضيا ذلك أن المقدس هو تجربة تنحو إلى أن تتواصل في تمثلات و في مقولات ثقافية. و تجربة المقدس ليست أفيونا بل هي ضرب من المعانقة الروحانية للعالم مثلما عبر عن ذلك "مايار" R.Meyer إنها حس مؤسس لنوع من الحضور الغامض، لشيء يتجاوز الحدود المعتادة للتجربة الإنسانية. و إذا كانت تجربة المقدس مرتبطة بالقدرة الرمزية للإنسان و التي جعلت اللغة و الفن و كل الرؤى الأخرى ممكنة، فان كل تراجع للفكر الديني قد يؤدي إلى تراجع قدرة الإنسان على تجربة المقدس و إذا كان فرويد يدين الصبيانية فهل أن تجاوز القلق الطفولي هو أمر هين؟ السنا دائما ذلك الطفل القلق الباحث عن وهم يعزيه؟ فالوهم الديني يبدو دائما ذا مستقبل زاهر شئنا أم أبينا, ففي مقابل ما يقدم الوهم الديني من تعزية للإنسان يجب على العقلانية التي تبناها فرويد أن تعترف بضعفها إن لم نقل بعدم قدرتها.
و هكذا نتبين أن الفكر المنطقي الفرويدي قد أحال العالم الرمزي للرؤية الدينية إلى العالم البدائي, إلى عالم الأطفال و الشعراء بل إلى عالم المجانين و المرضى نافيا بذلك كل وظيفة ايجابية على الدين الذي غدا في منظوره السيكولوجي عصابا جماعيا في حين كان من باب الموضوعية على الأقل أخذ المقاربة السميولوجية بعين الاعتبار حتى نعترف بالوظيفة الروحية كوظيفة أساسية يضطلع بها الدين، خاصة و أن النظر في الدين كنظام رمزي يمكننا لا فقط من فهم الظاهرة الدينية بل أيضا كيفية استعمال الفكر العقلاني والفكر الإنساني بصورة عامة من جهة كون الفكر يتشكل بفضل الوظائف الرمزية التي ينتجها الإنسان مثلما أكد ذلك كاسيرار.
النص
يجب أن نحطّم الحكم المسبق الشائع الذي فحواه أن الفلسفة شيئا صعبا جدّا، بما هي النشاط الذهني الخاص بفئة معيّنة من علماء مختصين أو فلاسفة محترفين و صانعي أنساق. يجب إذن أن نبرهن أولا، أن كل الناس هم "فلاسفة" و ذلك بتعريف حدود و خصائص هذه "الفلسفة التلقائيّة" التي هي فلسفة "كل الناس"، أي الفلسفة التي نجدها: 1) في اللغة ذاتها، التي هي مجموعة من المفاهيم والأفكار المحددة لا فقط مجموعة من الكلمات الفارغة نحويا من المحتوى، 2) في المعنى الشائعو في الحس السليم، 3) و في الدين الشعبي وبالتالي في كل نسق معتقدات من تطيّرات و ظنون و طرق فعل و نظر التي تتمظهر فيما نسميه بالفلكلور.
و بعد أن نبرهن، هكذا، على كون كل الناس فلاسفة، و إن بطريقتهم الخاصة، أي بطريقة غير واعية... يجب أن نتحوّل إلى اللّحظة الثانية. لحظة النقد و الوعي، أي أن نمرّ إلى المسألة التالية: فهل من الأجدر أن "نفكر" دون أن يكون لدينا وعي نقدي، أي أن نفكّر بطريقة مفككة وظرفية، أي أن "نشارك" في تصوّر للعالم "مفروض" آليا من قبل الوسط الخارجي، أي مفروض من قبل أحد المجموعات الإجتماعية... أم من الأجدر أن نكوّن تصورنا الخاص حول العالم بطريقة واعية و نقديّة، و هكذا، و بالترابط مع هذا العمل الذي ندين به لدماغنا، نختار الحقل الخاص لنشاطنا، و نشارك بطريقة فعّالة في إنتاج تاريخ العالم؟
انطونيو قرامشي " كراسات في السجن" ص.10/13
المطلوب : اعداد تخطيط مفصل مع تحرير المقدمة و الخاتمة بالاستعانة بالاسئلة التالية:
·ما هو الحكم الذي ينفيه قرامشي و لماذا ؟
·ماذا يعني الكاتب بـ"ـالفلسفة التلقائيّة" ؟
·ما موقف الكاتب من الذين ينخرطون فيما هو سائد ؟
·هل تتوقف وظيفة الفلسفة في تمثل العالم أم تتجاوز ذلك فتسعى إلى تغييره ؟
المقدمة:
«لا بد أن نجعل من الفلسفة من جديد مسألة جدّية»: تلك عبارة هيقل في فاتحة "فينومينولوجيا الروح" حول الفلسفة، عبارة نشتم منها اشمئزاز هيقل من فلسفة في متناول كلّ الناس، إذ تبدو الفلسفة في حدود هذا القول الهيقلي شأن جدي غير ميسر لمن الرغيف همه اليومي. إلاّ أن قرامشي في نصه المقتطف من "كراسات في السجن" يذهب ضد هيقل، إذ يرى أن شيوع التفلسف ضروري و أن التفلسف متاح لكلّ ذي عقل و وعي نقدي. فهل من الضروري شيوع التفلسف بين الناس؟ و ما هي خلفيات دحض الحكم بصعوبة التفلسف؟ ثم ما هي سبل دحض هذا الحكم؟ و ما هو الفرق بين الفلسفة التلقائية و الفلسفة الواعية؟ و إلى أي مدى يمكن اختزال وظيفة الفلسفة في تمثل العالم و السعي إلى تغييره؟
الجوهر:
1) التحليل :
أ – ضرورة دحض الحكم المسبق القائل بأن الفلسفة شيئا صعبا :
* يقر هذا الموقف بأن الفلسفة شيء صعب . لماذا؟_ لأن الفلسفة تفكير خاص بالعلماء أو الفلاسفة الذين لهم القدرة على إنتاج أنساق فلسفية متكاملة.
===> الفلسفة نسقيّة أو لا تكون، أي هي نظريّة عامة في الحياة و الوجود فكل فيلسوف مطالب بتفسير متناسق للحياة و الوجود و لا تكون بالتالى في متناول كافة الناس.
* لكن على ماذا تتأسس ضرورة دحض هذا الموقف ؟_ هذا الإقرار يؤدي إلى نفور الناس من الفلسفة في حين أن الفلسفة ضروريّة بالنسبة للفرد و بالنسبة للمجتمع.
===> المطلوب هو إذن نشر التفلسف و شيوعه في حين أن هذا الحكم ينفّر الناس من الفلسفة لذلك لا بد من دحضه.ما هي إذن سبل دحض هذا الحكم المسبق ؟
ب – اللحظة الأولى : الفلسفة التلقائيّة :
* لدحض هذا الموقف المنفر من الفلسفة يسعى قرامشي، في مستوى أول من التحليل، إلى بيان شيوع التفلسف بين الناس :_ كل الناس " فلاسفة " بطريقة تلقائيّة أي بطريقة غير واعية. فما هي خصائص هذه " الفلسفة التلقائيّة" ؟
الخاصية الأولى : هي فلسفة غير واعية، و هي فلسفة لأنها تقوم على تصور معيّن من الحياة و من الوجود.
===> قرامشي يقبل إذن، التحديد الضمني للفلسفة بما هي نظرية عامة في الحياة و الوجود وهو التحديد الذي يتبناه الحكم الذي يسعى الكاتب إلى دحضه، أي أن هذا الحكم، على خطأه، فيه شيء من الحق.
الخاصية الثانية : هي فلسفة تتمظهر في مجالات مختلفة :
في اللغة : لأن اللغة هي كلمات و أفكار تعبر عليها هذه الكلمات أي أن اللغة
تحتوي كلغة على تصوّر ما حول الأشياء و بالتالى تمثل فلسفة ما
و هذا يعني أن قرامشي ينقد التصور الألسني للّغة بما هي نسق مغلق من العلامات. في المعنى الشائع و في الحس السليم : أي في الحكمة الموروثة، أي في النصائح و الحكم و الأمثال التي تسود في كل مجتمع. في الدين الشعبي : أي في التوجهات و الاختيارات العامة لمجتمع ما من معتقدات و تطيّرات و ظنون ... فالفلكلور يمثل الإحداثيات التي توجه مواقف الأفراد و فعلهم و تتضمن بالضرورة موقفا ما من الحياة و الوجود.
===> كل إنسان ينخرط إذن، في التصورات العامة لمجتمعه هو فيلسوف غير واع بذاته كفيلسوف و بالتالى يتبنّى فلسفة معينة دون وعي
ج – اللحظة الثانية : النقد و الوعي :اللحظة الثانية هي اللحظة التي يبرز فيها الكاتب أفضلية التفكير الواعي على الفلسفة التلقائيّة التي ننخرط فيها بمجرّد انتماءنا لمجتمع ما.فالفلسفة التلقائية بما هي نظرة غير واعية للحياة والوجود لا تعدو أن تكون "مشاركة " سلبية في تصور للعالم يفرض على الفرد فرضا.هي تفكير مفكك و ظرفي مشروط بالانتماء و لا يترك للفرد حرّية الاختيار و النقد.التحول من الفلسفة التلقائية إلى الفلسفة الواعية هو تحول من مرتبة أدنى إلى مرتبة أسمى، مرتبة أسمى لأنها تتميز بالمبادرة و الفعل حيث يشارك الفرد بكل حرية واستقلالية في إنتاج تاريخ العالم، يساهم بشكل فعّال في تكوين تصور خاص و ذاتي حول الحياة و العالم. ذلك ما يبرزه قرامشي في سؤال استنكاري، يحدده باعتباره موضوع اللحظة الثانية من لحظات دحض الحكم المسبق الذي مفاده أن الفلسفة شأن يتجاوز قدرات الإنسان العادي.
===> تثمين قرامشي للفرد المفكر الذي يسهم في إنتاج تاريخ العالم يتضمن كون الفلسفة عنده ليست فقط مجرد تمثل سلبي للعالم وإنما هي فعل يسعى إلى التغيير.
2)النقاش :
أ – المكاسب :
·إن القيمة الفلسفيّة لهذا النص تكمن في رفع اللّبس الذي يرافق الفلسفة في أذهان الناس، فالفلسفة ليست قولا متعاليا على الواقع و ليست حكرا على النوابغ و إنما هي تفكير نقدي في متناول كلّ ذي عقل. و هذا مكسب ثمين لأنه يشجّع على التفلسف و شيوعه بين الناس، وما أحوجنا نحن اليوم في ظلّ العولمة و الثقافة الواحدة المهيمنة للتفكير النقدي حتى يكون الاختلاف ممارسة فعليّة لا مجرّد شعار يستعمل للتمويه في الخطب والمنابر، خاصة وأن جلّ الفلاسفة تقريبا يتفقون حول ضرورة شيوع التفلسف، ذلك مثلا ما نادى به ديكارت عندما أعلن " أن الحسّ السليم هو أعدل الأشياء توزيعا بين الناس "، و ما دعي له سقراط حتى الموت.
·كما تبرز أهمية النص في الإقرار بكون الفلسفة تفكير مرتبط بالحياة و ليست تفكيرا متعاليا و مجرّدا، و ذلك مهم بالنسبة لنا و بالنسبة للفلسفة ذاتها، حتى لا يكون الفلاسفة مجرّد " كلاب حراسة " تحرس التقاليد والسلطة مثلما ذهب إلى ذلك بول نيزان في كتابه "كلاب الحراسة" ناقدا الفلسفات المتعالية.
ب – الحدود :
لكن رغم أهمية هذا النص فإنه لا يخلو من حدود :·فقرامشي لم يوضح في حدود هذا النص كيف تتمكن الفلسفة من تغيير الواقع، و هو ما بيّنه سارتر عندما أقر بضرورة ارتباط الفلسفة بتطلعات الجماهير حتى تتغلغل فيهم وتصبح أداة إنعتاق و تحرر.
·ثم إن اختزال وظيفة الفلسفة في تمثل العالم و السعي إلى تغييره قد يسيء إلى بعض الأنساق الفلسفية التي لم تتوجه إلى الواقع بل انصب جهدها على نظرية المعرفة تحليلا و نقدا، وهي وظيفة أساسية لتطوير المعرفة وتطوير الواقع الإنساني، كذلك شأن الديكارتيّة والكانطية على سبيل المثال لا الحصر.
·كما أن دعوة قرامشي إلى ضرورة التفكير الشخصي المستقلّ عن الموروث الحضاري و الثقافي فيه سوء تقدير لدور هذا الموروث في شخصيّة الإنسان، لكأن الفرد قادر على التعالي على واقعه الحضاري والاجتماعي، و ذلك ما جعل هيقل يعترف بأن الفيلسوف هو ابن زمانه و أن الفلسفة هي عصرها ملخصا في الفكر.

الخاتمة :
هكذا، إذن، يبدو من الضروري شيوع التفلسف بين الناس حتى يساهم كل ذي عقل في إنتاج تاريخ العالم و تغيير واقعه نحو الأفضل، خاصة و أن شيوع التفلسف متاح عبر الفلسفة التلقائية التي لا ينقصها إلاّ الوعي النقدي لتكون قادرة على الاضطلاع بوظيفتها التغييرية. غير أن قرامشي، بحصره لوظيفة الفلسفة في تمثل العالم و السعي إلى تغيره، يكون قد أخطأ في حق بعض الأنساق التي اتجهت نحو نظرية المعرفة وعانقت ما هو نظري فحسب، لأن الفلسفة و بناء على معناها الإشتقاقي ليست عملا فقط، بل هي كحب للحكمة نظرا وعمل.
العمل:النجاعة والعدالة
الموضوع: العمل والعدالة.
العمل التحضيري
1- المفهمة
* العمل: ممارسة إنسانية يجتمع فيها الفكر والحركة من أجل تحويل الطبيعة أو الأشياء إلى حاجات إنسانية. يمكن كذلك أن يكون في مجال فكري إنتاجا هادفا للأفكار وهو في كل الحالات يمارس اجتماعيا في علاقة بالآخرين فيتنزل قيميا، أخلاقيا وسياسيا ويتنزل ميتافيزيقا في علاقة بالماهية والاعتبار ومعنى الوجود.
* العدالة: مطلب يطرح في مجال علاقة الفرد بغيره وتفيد العدالة (Justice فرنسية، من اللاتينية Justitia، من Justus "Just" عدل، إنصاف) مفهوم يقتضي ضمناً معاملة منصفة، أخلاقية ونزيهة مع كل الناس. وفي معناه الأكثر عمومية، يعني انسجام الأفراد مع ما يستحقونه فعلياً أو هم جديرون به، أو في معنى ما هم مؤهلون له (المفهوم اللاتيني الكلاسيكي لـ unicuique suum). فالعدالة مفهوم أساسي على نحو خاص في معظم أنظمة "القانون"، ويصنف إلى حد كبير مع القيم والتقاليد الاجتماعية المؤسَّسة والمعتبرة. ومن منظور البراغماتية، العدالة هي المسمى للنتيجة العادلة. وفي إطار العمل تحيل العدالة إلى ما ينتظره العامل من تكافئ بين جهده وأجره من إنصاف وبينه وبين زملائه وأرباب العمل من مساواة.
تتنزل العدالة إذا في إطار القيم الأخلاقية والسياسية لتواجه قيما أخرى مثل الاستغلال والاستبداد والتي هي بدورها متأثرة بمعايير قيمية أخرى تهيمن على التوجهات الاجتماعية مثل النجاعة والمردودية والتكالب على الربح.
الصيغة:
زوج مفهومي في علاقة جدلية تحظر فيه العدالة في إطار ما يحف بالعمل من قيم ونتائج ويواجه العمل  قيم أخرى وظروفا تحيد به عن معالمه الإنسانية فيحتاج وعيا قيميا ملازما لإنقاذ اعتبار الإنسان وحفظ حقوقه .
كشف علاقات التواصل والتنافر بين المفهومين بما يعمق الوعي بالقضايا الإنسانية التي تحف بعلاقتهما نحو بلورة موقف إنساني كوني يعيد تمثل ظروف العمل وفق القيم السامية للعدالة .
 التمهيد:
يمكن الانطلاق من الإشارة إلى تعاظم القلق الإنساني المعاصر حول ظروف العمل وما يحيط بها من استغلال وتراجع لاعتبار العامل مما يستدعي مراجعة مفاهيم أساسية مرتبطة بالعمل أساسها مفهوم العدالة
طرح الاشكال:
أي قيمة للعدالة في واقع العمل؟ والى مدى يمكن لايتيقا العدالة مواجهة واقع العدالة؟
 الجوهر:
مدخل مفاهيمي ينزل العمل كممارسة تحيط بها دائما ظروف اجتماعية اقتصادية وتقنية  وسياسية تحدد وضعيتها وتفرض عليها نظامية ما  تحدد العلاقة بين  جهد  العامل والأجر وعلاقات العمل والمردودية.  وتنزيل العدالة كمطلب يريد به الإنسان تفعيل قيم فرعية مثل الإنصاف والمساواة بحثا على ما يحفظ حقوق العامل واعتباره وتكافئ جهده وكفاءته  وأجره.
المستوى الأول:
كشف العلاقة المتأزمة بين العمال وأرباب العمل من جهة والظروف الاقتصادية والسياسية العامة للمجتمع من جهة أخرى والتي أثارت قلق الإنسان في العمل تجاه قيمة العدالة المفقودة وذلك ببيان :
- أن العامل يعاني من عدم تكافئ بين جهده وأجره نظرا لتكالب أرباب العمل على الربح  دون إنصاف العمال وهذا ما نكتشفه في مظاهر مختلفة للاستغلال والاضطهاد وسلب الحقوق وبالتالي غياب العدالة كمطلب إنساني يتطلع إليه العمال بحثا عن حقوقهم في الأجر وحفظا لاعتبارهم الإنساني المسلوب.
- إن الظروف الاقتصادية والسياسية  العامة تمثل عقلنة نظامية للاستغلال والاضطهاد تدفع خاصة في الأنظمة الرأسمالية أو اقتصاد السوق إلى سيادة قيم المردودية والنجاعة دون اعتبار للعدالة الاجتماعية وحقوق العمال ولابد من الانتباه إلى العلاقة الوثيقة بين الاستغلال المباشر الذي يمارسه أرباب العمل و هذه التوجهات الاجتماعية.
المستوى الثاني:
1- الانتقال إلى كشف الوعي بمشكل العدالة كمطلب إنساني مباشر يتطلع إليه العمال وكقضية كونية لابد أن يطرحها الفكر في توجهاته النقدية للظروف الاجتماعية حيث الاستلاب والاغتراب لقيم العدالة في قيم النجاعة والمردودية خاصة وأن الحل الاشتراكي قد وقع هو الآخر في بيروقراطية قد استعادت الطبقية في سيطرة رجال الدولة .
2- تنزيل هذه القضية تنزيلا ايتيقيا في المساعي التأسيسية الإنسانية نحو التكامل والتكافل والتساوي بين أفراد المجتمع دون ميز عنصري على أساس الجنس أو اللون أو المرتبة الاجتماعية وضد الجشع والنهم وهضم حقوق العمال نحو التحرر من المفاهيم النظامية المغتربة في الأنظمة  الاستغلالية  والتفكير خارجها في ما يجب أن يكون عليه الإنسان اعتبارا وماهية.
خاتمة:
يمكن الانتهاء إلى عمق الأزمة القائمة في المجتمعات المعاصرة الرأسمالية والاشتراكية في ما يخص العدالة الاجتماعية وحيرة المساعي الايتيقية الباحثة على البدائل.


الإنية والغيرية
الموضوع:
 هل يتحقق الوجود الإنساني الأكمل خارج التاريخ؟
 I - مرحلة الفهم:
2) مبحث الموضوع:
 علاقة الإنية بالتاريخ
 أو شروط تحقق الإنية
3) تحليل المفاهيم المركزية في السياق الذي وردت عليه في الموضوع
كمال الوجود: مفهوم مركب من كلمتين
الكمال: هو صفة ما لا يعتريه نقص.
الوجود: الحضور في العالم
كمال الوجود: الحضور في العالم الذي لا يعتريه نقص.
← الإنية  من حيث هي الوجود الأكمل للشيء (الفارابي)
التاريخ:
هو مجموع وقائع و أفعال و أحداث الماضي.
علم التاريخ من حيث هو دراسة الوقائع و الأحداث التي تحصل في ماضي شعب ما أو حضارة ما.
التاريخ العام.
التاريخ الخاص: باعتباره السيرة الذاتية لكل فرد إنساني
في السياق: - التاريخ هو ما لم يكن ضروريا في تحقيق الإنية.
            - ما بدونه تتحقق الإنية ← التاريخ شكل من أشكال الغيرية التي تم إقصاؤها لتحقيق الإنية.
 4) تحديد أطروحة الموضوع:
إن كمال الوجود يتحقق خارج التاريخ
أو إن الإنية تتحقق بمعزل عن التاريخ
أو إن الإنية تتحقق عبر إقصاء التاريخ كشكل من أشكال الغيرية
إن إنسانية الإنسان بما هي إنية ثابتة و لازمانية تتحقق عبر إقصاء التاريخ .
 5) الأطروحة  المخالفة:
إن التاريخ شرط ضروري لتحقق الإنية.
أو إن كمال الوجود يتحقق في التاريخ.
أو إن تحقيق الإنية يقتضي التاريخ كشكل من أشكال الغيرية.
إن إنسانية الإنسان بما هي إنيته صيرورة متطورة في التاريخ.
 6) صيانة الإشكالية:
هل أن كمال الوجود يتحقق خارج التاريخ أم أن التاريخ هو شرط تحقيق الإنية؟
أو هل أن الإنية تتحقق بمعزل عن التاريخ أم أنها تقتضي حضور التاريخ كشكل من أشكال الغيرية؟
أو هل إن إنسانية الإنسان بما هي إنيته ثابتة و لا زمانية أم أنها صيرورة متطورة في التاريج؟
 7) تحديد مواطن التحليل:
تحليل أطروحة الموضوع
تحديد ضمنيات الأطروحة :
الإنية متعالية على التاريخ: الكمال يقتضي الثبات و اللازمانية و هو معنى إقصاء التاريخ في تحقق الإنية. يمكن توظيف المرجعية الأفلاطونية من حيث هي مرجعية تؤكد أن الثبات يمثل الوجود الحقيقي, وجود المثل كأفكار مجردة. و الإنسان إنسان بنفسه من جهة كون النفس ذات طبيعة روحانية و مصدرا للمعرفة، فالذات هي رمز الثبات في الإنسان.

الإنية بما هي كمال الوجود تقتضي الاستقلالية، و بالتالي لا تحتاج لكي تتحقق لشيء خارج عن الذات. يمكن توظيف  المرجعية الديكارتية بما هي مرجعية تقر بتعالي الوعي واستقلاليته على كل أشكال  الغيرية.
← استخلاص كون الإنية تتحدد بالوعي من حيث هو يقين الذات بذاتها و بالتالي من حيث هو فكر متعالي ومستقل.
← استخلاص كون هذا الموقف يضمر نظرة سلبية للتاريخ تتمثل في اعتبار التطور التاريخي انحطاطا وسيرورة إلى الموت.
 تبعات الأطروحة :
إن القول بأن الإنية تتحقق بمعزل عن التاريخ هو موقف يؤدي إلى اختزال الوجود الإنساني  في بعد واحد هو البعد الواعي.
هو موقف يماهي بين الإنية و الذات كواقع ميتافيزيقي اساسا يتحدد بالوعي و يتحقق عبر الانطواء على الذات و إقصاء كل أشكال الغيرية.
← استخلاص أن هذا الموقف يسلم بوجود ماهية إنسانية ثابتة لا تتغير، ماهية حقيقتها الفكر, فكر مساو لذاته مهما اختلفت مواضيعه.
← استخلاص أن الإقرار بتعالي الإنية على التاريخ يصب في الموقف الأخلاقي الذي يرفع من شأن الروحاني ويحط من ِشأن المادي باعتباره رمز  الفساد و يشد الإنسان إلى العالم الحيواني.
 8) مواطن النقاش:
أ – المكاسب:
- إن القيمة الفلسفية لهذا الطرح تتمثل في كونه يبرز لنا أحد أهم الأبعاد المميزة للإنسان: الوعي، فالإنسان وحده يفكر, و الفكر هو الخاصية النوعية للإنسان التي تجعل منه كائنا فريدا و متفردا. و هذا مهم على الصعيد المعرفي لأن إدراكنا لهذه الميزة النوعية يجعلنا نحدد الإنسان بأكثر دقة, إذ أن معرفة أحد أبعاد الإنسان يسهل علينا فهم هذا الكائن الملغز خاصة و أن كل الفلاسفة يعتبرون أن الفكر يمثل بعدا أساسيا في الإنسان، و حتى هيغل الذي استحضر التاريخ في تحقيق الإنية يعتبر الفكر ميزة أساسية رغم كون الوعي بالذات بالنسبة لهيغل يتحقق عبر الفعل أي النشاط المشكل للطبيعة.
- يمكن تثمين الخلفية الأخلاقية التي يستند إليها هذا الموقف. ذلك أن الطرح الذي يستبعد كل أشكال الغيرية بما في ذلك الجسد يسعى إلى تحقيق وجود أكمل للإنسان بناءا على طبيعته الروحانية و هذا مهم على الصعيد الاجتماعي بقطع النظر عن فهمنا الموضوعي للإنسان, لأن الحياة الاجتماعية الضرورية لكل فرد إنساني لا تستقيم دون قيم أخلاقية تنظم العلاقات بين الأفراد خاصة و أن المنظور الاجتماعي أكد أهمية الأخلاق في بناء المجتمعات وذلك ما ذهب إليه ايميل دوركهايم عندما أقر أن المجتمع هو الخير الأخلاقي من جهة كونه حقيقة أثرى من حقيقة الفرد.
ب- الحدود:
- إن الإقرار بلاتاريخية الفكر باسم الثبات هو إقرار فيه كثير من المغالاة إذ كيف يمكن أن يبقى هذا الفكر مساو لذاته في حين أنه كفكر، لا يتوجه فقط إلى ذاته و إنما يعانق العالم و يفسره. أليس هذا الفكر هو أساس عقلنة الذات لذاتها و عقلنة العالم؟ فكيف يمكن لفكر أن يعقلن العالم أي أن يشكل العالم دون أن يتشكل بهذا العالم الذي يشكله؟ الم يقل لنا  بركسون, و هو فيلسوف روحاني يختزل الإنسان في بعده الروحي, بأن العقل  في العلم قد تشكل وفق بنية العالم المادي الذي يصفه؟ هذا يعني أن الانية التي تتحدد بالفكر ستتشكل بالضرورة في علاقتها بالعالم الذي يعانقه الفكر، وبما أن العالم يوجد في التاريخ إذ هو عالم صائر و متطور و متغير فانه لا مجال أن تتحقق الانية دون اعتبار تاريخ العالم الطبيعي وتاريخ الإنسان بل و حتى تاريخ هذا الفكر ذاته وهو معنى الإقرار الماركسي بان الوعي هو نتيجة نشاطه في التاريخ. 
- كما أن الإقرار بكون الإنية تتحقق خارج التاريخ هو قول ميتافيزيقي يستند إلى مسلمة مفادها أن الإنساني معطى فطري و ثابت, و أن إنسانية الإنسان هي طبيعة معطاة خارج الصيرورة وهو إقرار احتجت عليه وجودية سارتر بشدة انطلاقا من مبدئها الأساسي القائل أن الوجود يسبق الماهية ذلك أن سارتر يرى أن الإنسان هو مشروع يتحقق و كمشروع لا يتعالى عن التاريخ و إنما يتنزل فيه.
- ثم إن الإقرار بإنية خارجة عن الصيرورة يعني عدم إمكان الاختلاف بين الذوات بحيث تنتفي كل خصوصية سواء كانت خصوصية فردية أو ثقافية  وإذا كان الكوني  يعني التماثل المطلق الذي يؤدي إلى طمس الفردية فانه علينا أن نجابه هذا الكوني، فانا كذات في التاريخ أتطور مثلما بين ذلك هيغل وأتفاعل مع الذوات الأخرى فيكون هذا الجانب التاريخي هو أحد المقومات الأساسية بل مقوم ثابت لا نستطيع اليوم أن ننكره باسم التعالي و الاستقلالية .
 وهكذا يمكن القول بأنه لا إنية بمعزل عن التاريخ بل وبمعزل عن كل أشكال الغيرية التي يشملها التاريخ من جسد ولاوعي وآخر وعالم, كلها كيانات تنفتح عليها الذات و تتفاعل معها لتحقق كونية حق لا تطمس الاختلاف لصالح الذات.
 مقدمة
يحكمنا في حياتنا اليومية هاجس الزمن فنحن اليوم نعيش في عصر يتسم بالسرعة إلى درجة أننا نراقب مرور الوقت في كل لحظة حتى لا نفوت على أنفسنا أعمالنا و مشاغلنا اليومية. و أهمية الزمن في حياتنا اليومية هو ما حدا بالعديد من المفكرين إلى الإقرار بأن الوجود الإنساني هو وجود محكوم بالزمن وهذا يعني أن الإنسان الذي لا يأخذ بعين الاعتبار قيمة الزمن في حياته اليومية قد يفوت على نفسه الكثير فالتاريخ لا يرحم كما يقال عادة. لكن على خلاف هذا الموقف الذي ينزل الإنسان في التاريخ حدا بعض الفلاسفة إلى القول بأن الانية، وبالتالي إنسانية الإنسان تتحقق خارج الصيرورة المتطورة. فما هي، إذا، علاقة الوجود الإنساني بالتاريخ ؟ و هل إن الانية متعالية ومستقلة عن التاريخ أم أن التاريخ هو شرط تحققها ؟ ثم إلى أي مدى يمكن الإقرار بأن الانية ثابتة لأنها تقتضي التعالي على التاريخ لكي تتحقق ؟
الفن :الحقيقة والجمال
الموضوع :
إلى أي مدى يمكن القول بنفعية الأثر الفني ؟
التحرير :
توجد في كل المجتمعات و الدول العصرية هياكل تهتم بالفنون الجميلة، وهي هياكل ترتبط عموما بالمسألة الثقافية، مما يتضمن تحديد الإبداع الفني باعتباره عملا ثقافيا يتسم بالجدية و يرسي قيم جمالية أصيلة تليق بالإنسان من حيث هو كائن ينتج وجوده لذاته.
غير أن بعض المواقف البراقماتية لا ترى في الفنون الجميلة إلا مجالا لإنتاج آثار نافعة، و بالتالي تكون غاية الأثر الفني مرطبة بالمصلحة. فكيف تتحدد قيمة الأثر الفني؟ هل تتحدد بالمنفعة المادية أم بما أراد الفنان أن يعبر عنه من تمثلات روحية لامصلاحية؟ وإلى أي مدى يمكن أن تحدد المصلحة جمالية الأثر الفني؟ ثم كيف يمكن أن نقيم الأثر الفني حتى نرد الاعتبار للفن في عصر غدى فيه الفن سجين العلاقات الاقتصادية؟
لا غروي أن الإقرار بأن قيمة العمل الفني تقاس بمدى منفعته، هو إقرار يتضمن أن الفن نافع، أي إن الفن وسيلة لتحقيق غاية خارجة عنه. فالفن، من هذا المنظور، ينتج أشياء يكون استعمالها مفيدا، إذ يهدف الفن إلى المفيد، و كل أثر فني تكون له بالضرورة قيمة استعمالية، غاية أُبدع من أجلها. فيتحدد الجميل تبعا لذلك بالنفع، فالجمال غير النافع هو قبح. و من هنا تبرز نفعية أو برقماتية الفن، وهذه النظرة البراقماتية تجعل من الأثر الفني قريبا من إنتاجات التقنية.
كذلك هو الشأن عند اليونانيين القدامى الذين كانوا يجمعون دائما الفن و النافع، الفن و المستحب. فالأثر الفني عندهم يقوم بوظيفة، والجميل هو النافع. و يبدو، في إطار هذه الرؤية للفن، أن الأثر الفني يشبع حاجة ما، فهو وسيلة لتحقيق غاية، و التمثال الجميل مفيد لأنه يمكن إحساسنا من التفتق و بالتالي يمكننا من الحصول على رغد ما. و وفق هذا التصور يكون الفن ناجعا، إذ يهدف إلى إشباع عملي، فهو يشبع بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة حجاتنا، و السؤال الأساسي الذي علينا طرحه أمام أثر فني هو : «لما يصلح هذا الأثر؟». و أفلاطون في محاورة «هيبياس الأكبر» يقدم تعريفا ـ سينفيه فيما بعد ـ للجميل يربط فيه الجمال و النفع، و هو تعريف السفسطائي هيبياس الذي يقول :«نحن نسمي أعينا جميلة لا تلك التي لا ترى شيئا و لكن تلك التي ترى و تصلح لهذه الغاية». و هذا يعني أن القبيح هو ما لا يصلح لشيء.
ذلك هو موقف القدامى، و لكن يجب أن نلاحظ أن الجماليات المعاصرة تنحى أيضا نحو هذا الاتجاه، فالكرسي أو الأريكة الحديثة هي مواصلة للتقنية، و الجمالي في البيئة الإنسانية اليوم، بدءا بالأدوات الرائجة الاستعمال و انتهاء بتنظيم المدن ينحى إلى الوظيفي، النافع و الملائم. و الجماليات الصناعية المطبقة في البحث عن الأشكال الجديدة الملائمة لوظائف المنتوجات تلتقي بالتصور اليوناني القديم، فالجمالية الوظيفية المعاصرة تستعيد الفكرة اليونانية التي تقر أن النافع هو جوهر الأثر الفني. لكن هل يمكن فعلا أن نماهي بين الأثر الفني و المنتوجات التقنية؟ بين الفن و ما هو نافع؟
إن من يتأمل لوحة فنية يعلم جيّدا أن السؤال «لما تصلح هذه اللوحة؟» هو سؤال لا معنى له في التجربة الجمالية، إذ كيف يمكن أن يكون الأثر الفني وسيلة لبلوغ غاية؟ واقعا يكون استعماله مفيدا؟ هل أن الفن يهدف جوهريا إلى الوظيفي؟ كيف يمكن لانشراح نزيه، يدقق كانط، أن يكون في علاقة مع النافع؟ كيف يمكن أن نماهي الآثار الفنية بالإنتاجات التقنية التي هي نافعة بالماهية بما أنها تقتضي تطبيق معرفة في إنتاج خيرات مادية؟
في الواقع، تقتضي هذه الأسئلة الاستنكارية بأن الفن لا يمكن أن يرتبط بالمنفعة المادية، و عندما نخرج عن الزاوية البراقماتية يبدو أن النافع ليس له قيمة، بل أكثر من ذلك، يبدو النافع قبيح مثلما يذهب إلى ذلك الروائي الأنقليزي أوسكار وايلد في كتابه «نوايا»، فبعيدا عن إبتذالية الحياة اليومية ينتج الفن نشاطا ثمينا و لامصلحيا، ذلك أن الأثر الفني ينتزعني من عالمي الخاص و الضيق، عالم المنفعة والمصلحة و الحاجات اليومية المبتذلة، و ينعشني إذ يزج بي في عالم آخر، حتى و إن كان هذا العالم من وحي الخيال. فالأثر الفني لا يمدني بالنافع و المستحب بل عكس ذلك ينتزعني منه مثلما أقر ذلك أفلاطون في المحاورة المذكورة أعلاه عندما قال ردا على تحديد السفسطائي هيبياس للجميل :«إن القدر الجميل و الملعقة الجميلة تمكنني من مشاهدة الجمال في ذاته»، و الجمال الفني من هذا المنظور يتعالى على الوظيفة المبتذلة، و الأثر الفني لا يبدو صالحا لشيء مادي مباشر، إذ هو عمل ثقافي يمكننا من التعبير عما هو سامي في الإنسان، إذ هو «تعبير عن تمثلات الروح» يقول هيقل، و بالتالي تتحدد جماليته بالمطابقة بين الشكل المحسوس و المضمون الروحي، مطابقة تقتضي ضربا من التفكير يكون الخيال وسيلته الجوهرية. و مثل هذا النشاط السامي لا يمكن أن يرتبط بمصلحة مادية. و كانط يذهب إلى أبعد من ذلك عندما أقر في القرن الثامن عشر بأن الفن لا يمكن أن يكون وسيلة و إنما هو غاية في حد ذاته، ذلك أن الجميل في المنظور الكانطي هو موضوع حكم ذوقي نزيه، و لا نستطيع وفق هذا التصور أن نربط الفن بالنافع أو بالمصلحة العملية. و هذا يعني أن الجميل في الأثر الفني يبعدنا عن كل إشباع خبري أو مصلحي، خاصة و أن كانط كان له الفضل في التمييز بين ما يروق للحواس، أي ما يمكن أن يكون نافعا لحواسنا و هو المستحب و بين الإحساس النزيه بالإشراح الذي يمثله الجميل. فكيف يمكن للأثر الفني أن يكون نافعا في حين أنه لا يفتننا بطريقة محسوسة بما أنه يجرنا بعيدا عن العالم و يحررنا من إمبريالية رغباتنا الحسية؟
غير أن نقد الموقف البراقماتي الذي يربط بين الأثر الفني و المصلحة من قبل الموقف المثالي الذي يعتبر الفن غاية في حد ذاته، يبدو نقدا مغاليا. فهل أن النافع هو فقط وسيلة لتحقيق غاية ما؟ ألا يمكن أن يوجد نفع أوسع وأعمق من النفعية المادية الضيقة؟
هذا يعني أنه لا يمكننا أن نختزل النفع في الربح المادي فقط، إذ يمكن أن يعني النافع في معنى ثان ما هو قادر على تحقيق سعادة الإنسان. و النافع من هذا المنطلق يمكن أن يكون الكيفية التي أحقق بها الانشراح و السرور، و يكون الفن بمثابة الوعد بالسعادة. وبالتالي في ما عدى النفع المادي المباشر، يوجد نفع وجودي أعمق و أشمل، و لا يكون النافع من هذا المنظور وسيلة مرتبطة بتحقيق نتيجة ما و لكن نشاطا مرفوقا بالانشراح، نشاطا يثري الوجود الإنساني و يمكّن الفنان كما المستهلك من التفتق الروحي. ففي هذا المستوى و على عكس المنتظر تكون النزاهة ذاتها مصدرا للسعادة و الخلود، و الفن الذي هو ثمرة نشاط لا غاية عملية له يكون نافعا بما أنه ينتج قيما نوعية، فيكون الأثر الفني، في نفس الوقت، جميل و خير و نافع لأنه يسهم في سعادة الإنسان و تروحنه.
جلي، إذن، أن ما يراهن عليه هذا المشكل، هو رد الاعتبار للفن في عصر غدى فيه الفن سجين العلاقات الاقتصادية التي تقوم على الربح، مما ساهم في تدهور الذوق الفني العام لدى الإنسان المعاصر، و أصبح الإبداع الفني مجرد وسيلة للتسلية أو ديكورا نجمل به منازلنا، و غدى الفنان مجرد متكسّب يسعى إلى تحقيق الربح. يتعلق الأمر،إذن، بتحرير الفن من السلطة الاقتصادية التي همشته وبالتالي تحرير الإنسان من التعامل البراقماتي الصرف مع الفن و الآثار الفنية.
و هكذا نتبين أن تقييم الأثر الفني بنفعه يؤدي إلى تهميش البعد الثقافي للعمل الفني و ينزل به إلى مستوى الابتذال الذي من المفروض أن يحررنا منه. لكن رغم ذلك لا يمكن أن ننفي كل نفع على الآثار الفنية، إذ يبدو الإبداع الفني كالوعد بالسعادة و التروحن و يحقق بالتالي نفعا روحيا يخلصنا من الموقف المثالي الذي يعتبر الفن غاية في حد ذاته، ذلك أن مقولة «الفن للفن» هي مقولة صورية و جوفاء لا تخدم الفن بقدر ما تؤدي إلى نخبويته.
العلم بين الحقيقة والنمذجة
الموضوع:

هل يستحق العلم ثقـتـنا؟

التحرير

               العلم و الإنسان، ثنائي من الصعب التفكير في أحدهما بمعزل عن الآخر. و التفكير في علاقتهما يفتحنا على بعدين ممكنين : البعد الضروري للعلم، باعتباره سبيلا للخلاص البشري، و البعد النقدي، باعتباره مصدرا لجملة من المشكلات تبرر الحديث عن محدوديته. و في كلتا الحالتين يبدو أننا في حاجة إلى إعادة النظر في منزلة العلم خاصة من وجهة نظر معاصرة ، باعتباره حدثا وظاهرة لا يمكن إنكارها. و التفكير في هذا العلم ليس مجرد تأمل نظري في طبيعته ، بل هو نقد و موقف عملي –أخلاقي، و هذا ما يدعونا إليه الموضوع : هل يستحق العلم ثقتنا؟. فماذا نقصد بالعلم ؟ و ما قيمته؟ هل نطمئن إليه طمعا في مكاسبه و اعترافا بوظائفه؟ أم نحذره خوفا من سلبياته و تجنبا لمساوئه؟ وإذا سلمنا بشرعية الحذر منه، فهل في ذلك دعوة إلى الزهد فيه؟ أم دعوة إلى حمايته من الانزياح خارج ما هو قيمي و إنساني؟.

      و يبدو أن في معالجة هذا الموضوع مراهنة على أن التفكير في علاقتنا بالعلم إنما هو تفكيرا في الوضعية الإنسانية حاضرا ومستقبلا، توضيحا لمنزلة العلم التي يستحق ، و تأكيدا للتحرر الإنساني الذي هو حق .

+             +              +

      إن الموضوع يدعونا إلى النظر في الموقف الذي علينا أن نتخذه من العلم ، فما هو مسلم به أن العلم ظاهرة ذات أثر على الوضع البشري، لكن صيغة الموضوع (هل...) تتضمن تشكيكا في موقف اكتسب مشروعية و تبريرا، إنه الثقة في العلم.و إذا كانت الثقة تعني الاطمئنان و الاستحسان، فإن الموضوع يوحي بإمكانية الحذر منه. ونكون بذلك أمام موقفين متقابلين: ثقة و حذر، لكن كيف نطمئن للعلم و الحال أن فيه ما يبرر الحذر منه؟

    و التفكير في هذا المشكل يواجه صعوبة أولى تتمثل في المقصود بالعلم الذي نتحدث عنه، لأنه جاء في صيغة عامة. و الحقيقة أن العلم علوم، فعن أي علم نتحدث؟ يبدو أن كلمة علم الواردة في نص الموضوع تخفي لبسا و غموضا، ذلك أننا إذا عرفناه في معناه العام ، يمكن أن نعتبره المعرفة العقلية اليقينية، أي ، التي لا تقبل الشك. و هذا المعنى نجده عند أفلاطون الذي يتحدث عن مفهوم الحكمة ، باعتبارها معرفة عقلية بماهيات الأشياء التي لا ندركها إلا لما نحطم أغلال الكهف و جدرانه. إنه المعرفة التي لا يدركها غير الفلاسفة الذين " تدربوا على الموت"و تحرروا من الجسد و دنسه، ولا يتلذذ متعتها إلا من أعرض عن متع الحياة ، وراح يبحث في النفس عن سر السعادة التي تلحقه بمراتب الآلهة.و هذا المعنى هو ما يمكن أن نسميه بالعلم الفلسفي.

     غير أن نشاة العلوم بالمعنى الوضعي، يعطينا دلالة جديدة للعلم. إذ لا يتعلق الأمر بالعلم عامة باعتباره معرفة بالوجود، بل بالعلم باعتباره معرفة مخصوصة بقطاع محدد من قطاعاته، إنه معرفة قطاعية و جهوية كما قال "باشلار". و لما كانت قطاعات المعرفة متعددة، فإن العلم لا بد أن يكون متعددا ، أي علوما تختلف في الموضوع و المنهج و النتائج، لكنها تتوحد في الروح العلمية العامة. وهذا ما يجوز تقسيم العلوم إلى : صورية و تجريبية و إنسانية. و هذا التقسيم ليس نهائيا ، لأن كل وفرع ينقسم هو الآخر إلى فروع قطاعية...لكن هذا التعدد لا يمنع من البحث في الخصائص المشتركة للعلوم أي "الروح العلمية " بعبارة "جون فوراستييه": و يكون العلم عندئذ هو النشاط الذي من شأنه أن يعرفنا بحقائق مجال معين من مجالات التفكير و يفترض أن تكون هذه الحقائق موضوعية ومقبولة، لأنها تنسجم مع مقتضيات التفكير المنطقي. و العلم بهذا المعنى ليس جملة المعارف، إلا لأنه نشاط استكشافي، إذ العالم كما قال "نيوتن " كالطفل يلهو على شاطئ البحر، و يتوقف من حين إلى آخر عند صدفة يلمحها ... و هذا المعنى نجده خاصة في العلوم التجريبية و العلوم الإنسانية.

      لكن  هل العلم مجرد معرفة نظرية ؟بيدو ان العلم خاصة في معناه الحديث قد ارتبط بالتقنية ارتباطا و ثيقا. و التقنية حسب معجم "لالاند" هي" مجموع الوسائل القابلة للتبادل، و التي تستعمل لهدف ما"، إنها البعد العملي الأداتي للعلم، وهذا يعني أنه تقني في جوهره، لا لأنه يستخدم الآلات، بل لأنه يوفر المعرفة الضامنة لصنعها، لذلك قال "هيزنبرغ":" إن في مسار تطور العلم خلال القرنين الأخيرين،كانت التقنية دائما شرطا و نتيجة للعلوم الطبيعية"، وهي شرط باعتبار أن تعمق معرفتنا العلمية بالطبيعة يقتضي تطوير الوسائل، وهي نتيجة باعتبار أن القوانين تساعد في إبتكار آلات جديدة.. و على هذا النحو فإن فيزياء الذرة نظريات معرفية، بينما القنبلة الذرية تقنية، و الهندسة الوراثية معرفة علمية، بينما الإستنساخ ممارسة تقنية...و هذا الترابط بين العلم و التقنية هو ما يفسر اليوم استعمال مفهوم العلم التقني (Techno-science).

        و إذا سلمنا بأن بين العلم و التقنية تحالف و تكامل، فما الذي يجعل هذا العلم يستحق ثقتنا ؟ و إذا أخذنا الثقة على معنى الإطمئنان للعلم، فما هي المكاسب التي يوفرها العلم فنجازيه أعترافا و تمجيدا و استحسانا؟

       إن هذه الأسئلة تنقلنا إلى جوهر الأطروحة التي يدعونا الموضوع للتفكير فيها، أي التعرف على المبررات التي من شأنها أن تجعل العلم جديرا بثقتنا، من جهة ما له من آثار على الحياة الا نسانية عامة. و لعل اهم مستوى يمكن التوقف عنده هو المستوى المعرفى : إذ أن الإنشغال المعرفي هو على حد عبارة "نتشه" هو نوع من الغريزة. يتحول بذلك مطلب الحقيقة إلى ثابت من ثوابت الحياة الإنسانية عامة، لأن العلم ليس في الحقيقة سوى إستجابة لطموح الإنسان معرفة ما هو عنده مصدر دهشة، ولعل "أرسطو" كان على حق عندما اعتبر الدهشة مصدر كل تفكير و منطلقه.و لما كان وراء كل اندهاش جهل نعي به،بما هو علامة على غياب المعرفة اليقينية التي تشبع فضول العقل، فإن دور العلم لا يتمثل إلا في تحطيم الأوهام، و تخليصنا من ابلأحكام المسبقة التي تشد عقولنا إلى المعطى و الجاهز و المكرور. ألا يستحق العلم ثقتنا لما يكون حربا على الجهل ؟ ذلك ما يمكن تبينه من خلال العودة إلى العلم الفيزيائي، الذي مثلت نشأته ثورة من أعمق الثورات التي عرفها الفكر البشري على حد عبارة"ألكسندر كويري". ذلك أن معرفتنا بالطبيعة التي سبقت القرن السابع عشر هي أقرب ما تكون إلى الأوهام و الأخطاء، وهي علامة على طفولة العقل البشري لحظة تحسسه للعالم قصد معرفة أسراره. فإذا بالتأمل يستبدل بالمنهج التجريبي، و إذا بالطبيعة تتعري من غلافها الحسي و تتحول إلى قوانين...

       و في البيولوجيا، لم تعد الكائنات الحية أسرارا ليس للفكر سوى أن يندهش أمام تعقدها، بل أصبحت في جانب أساسي منها مكشوفة، و اكشفت قوانينها أمام التحليل العلمي ، فإذا بالمادة الحية خلايا، و إذا بالخلايا نواة و سيتوبلازما، و إذا بالنواة كروموزومات... أليس معنى ذلك أن العلم قربنا من الأشياء التي طال ابتعادنا عن حقيقتها. ويبدو أن الأشياء لم تعد هي الأشياء، إنها لم تبقى على حالها، إن لها دلالات جديدة ؟ إن العلم غير معنى العالم، فبدت "الطبيعة كتابا مفتوحا" على حد عبارة قاليلي، ينتظر منا قراءته.

     ولعل هذا الإنتصار الذي حققه العلم في مجال معرفة الطبيعة هو الذي و لد الطمع في تكوين مثل هذه المعرفة بالظاهرة الإنسانية، سواء كانت نفسية أو إجتماعية أو تاريخية...و ذلك ما حققته العلوم الإنسانية، التي كانت تدعيما للتوجه العلمي، نحو معرفة قواعد السلوك، وذلك ما تكشفه أعمال كل من "واطسن"و "فرويد "...إنها تكشف عن جرأة العقل البشري على تحويل الإنسان إلى موضوع قابل للتفسير، بعد أن كان الإبن المدلل للفلسفة الميتافيزيقية، وهذا ما جعل فرويد يتحدث عن تحطيم الأوهام الثلاثة التي اعتبرت حقائق لا شك فيها : وهم المركزية و التعالي و الوعي.

         إن هذه المظاهر المختلفة لانتصارات العلم المعرفية بررت الثقة فيه، إنه الإيمان بقدرته على تحرير العقل من الأخطاء والأوهام و الأحكام المسبقة سواء تعلقت بالطبيعة أو بالإنسان. لكن ألا تتضاعف هذه الثقة إذا ما نظرنا في أهمية البعد العملي للعلم؟ أي البعد التكنولوجي ، حيث النجاعة، و المردودية ...و لما كانت مطامح الإنسان لا تتوقف عند البعد النظري،بل تمتد لتشمل الشؤون العملية ، فإن هذا العلم "المنير" بعبارة "إدغار موران" هو أيضا علم"مثري"و"منتصر"، إذ يكفي أن ننظر إلى ما للإنسان من قدرة على الصنع ،حتى نتنين أهمية العلم – التقني لديه.فهو كائن صانع -  Homo   faber  - قبل أن يكون كائنا عاقلا-  homo sapiens  - بعبارتي"برغسون". إن العلم بهذا المعنى هو أداة عمل، أداة انتصار على الصعوبات العملية، و أداة سيطرة على الطبيعة و على الإنسان. و تفهم السيطرة في هذا المستوى على أنها تحكم و توجيه قصد الخير الإنساني. و يظهر في المجال الصحي والإقتصادي والإتصالي...تدخل العلم الفاعل، إلى درجة يبدو معها أن الحلم الديكارتي المتمثل في أن نصبح "و كأننا سادة الطبيعة ومالكيها" قد تحقق. إنه حلم تحول بالعلم إلى حقيقة، عندما منحت تكنولوجيا الإنسان قوة و سلطة على الأشياء لم يكن له عهد بها. إذ يمثل ترويض الطاقة النووية و الهندسة الوراثية...و ما تولد عنهما من اختراعات، وسائل زادت في رغد العيش و تحسين أسلوب البقاء.لذلك لم تعد الندرة الإقتصادية و لا الحالات المرضية و لا عظمة الزمان و المكان تمثل عوائق تحول دون الفعل الناجع. فهل للشك في ضرورة العلم معنى؟ أليس في ذلك ما يبرر الثقة المطلقة في قدراته؟ وما تبعات هذه الثقة؟

       يبدو أن انتصارات العلم، في المجال المعرفي و العملي، قد ولدت لدى البعض من رجال العلم أو من الفلاسفة ...نوعا من التحيز لقدراته،انعكست على و ضعية الميتافيزيقا و الدين و الفن...و في هذا الإطار استطاع "كونت " أن يستوحي الدرس الفلسفي، فأعلن عن قانون الحالات الثلاث الذي بشر من خلاله بأن ولادة العلم، نهاية للميتافيزيقا و لكل أشكال التفكير التي تختلف عن العلم و مقتضياته، لأن الحالة الوضعية الثالثة هي الحالة الأخيرة التي بلغها العقل البشري، و معها بلغ نضجه، فهو القائل: "   في الحالة الوضعية فإن الفكر الإنساني، بإدراكه استحالة الحصول على مفاهيم كطلقة ، يتخلى عن بحث بداية و نهاية الكون و عن معرفة الأسباب الخفية للظواهر و يهتم بالاكتشاف بواسطة التركيبات العقلية و الملاحظة و قوانينها الفعلية أي علاقاتها الثابتة حسب قانوني التوالي والمماثلة. إن تفسير الظواهر التي أصبح يعبر عنها بألفاظ واقعية لم يعد من الآن فصاعدا سوى رابطة قائمة بين الظواهر المختلفة الخاصة و بعض الظواهر العامة حيث تقدم العلم ينحو أكثر فأكثر نحو تقليل عددها...وهذه الثورة العامة للفكر الإنساني يمكن ملاحظتها اليوم بسهولة بصورة غير مباشرة لكنها محسوسة و ذلك بأخذنا بعين الاعتبار تطور الذكاء الفردي . و بما إن نقطة الانطلاق تكون هي نفسها بالضرورة سواء تعلق الأمر بتربية الفرد أو بالنوع ، فإن الأطوار المختلفة الأساسية للأولى يجب أن تمثل الفترات الأساسية للثانية". وهذا القول شهادة على هذه الثقة اللامحدودة في العلم رغم أنه مازال في بدايات نضجه. فهو ناجع نظريا من خلال ما يوفره من حقائق و عمليا من خلال ما يوفره من تقنيات.

        غير أن هذا الموقف و إن كان له ما يبرره، فإنه لا يمنع من النظر في طبيعة هذه الثقة : هل تكون مطلقة أم محدودة ؟ هل يكفي أن نمجد انتصارات العلم؟إن مثل هذه الأسئلة تلخص درسا أساسيا من الفلسفة، وهو ضرورة عدم الخضوع للبداهات، و ضرورة النقد والتمحيص و الحذر.ألم يعلمنا "ديكارت" أن غياب الشك يعني موت التفكير؟ فأي خداع تخفيه الثقة في العلم؟ و أي مبرر يدفع إلى الحذر من هذه الثقة؟

           إن التفكير في إمكانية الشك في قيمة العلم، علامة على وجود محدودية يشكو منها. فعلى المستوى المعرفي، لا يبدو العلم قادرا على أن يستوفي حاجتنا إلى المعرفة. فهو لا يجيبنا عن كل ما نطرح من الأسئلة، ذلك أنه يتوقف عند كيف الأشياء أي عند ما هو كائن، لذلك يبدو أن الوضعية قد أعطت للعلم أكثر مما يستحق و قزمت دور الفلسفة و جعلتها مجرد تفكير في العلم و تابع من توابعه : ذلك أن العلم لا ينشغل بما هو أساسي للإنسان كما بين كانط، و النظرة التي يوفرها تبقى نظرة جزئية.  ولذلك ليس غريبا أننا مع هسرلHusserl نقف على نقد من نوع آخر للعلم ،يتمثل في أن العلم يعيش أزمة أخلاقية لما استبعد من مجال اهتمامه كل المسائل الإنسانية الاساسية التي يمكن ردها إلى مسألة  المعني: معنى الحياة، الحرية، التاريخ...قال هسرل:"في خضم ضيق حياتنا ... فإن هذا العلم ليس له ما يقوله لنا. و الأسئلة التي يستبعدها من حيث المبدأ هي في الحقيقة الأسئلة المتأججة، في عصر شقي تعيشه إنسانية قد تركت لتقلبات القدر"... و يظهر أن الفيزياء قد ردت الطبيعة إلى مجرد آلة ميكانيكية، من خلال تصور رياضي لا يبقي للقيمة أي مكان، و لا يقول شيئا عما هو قريب لنا أي الحياة في حركيتها و ديمومتها. قال هسرل :"يتاسس معنى و صلاحية الحياة في العالم ضمن الحياة ذاتها.أما بالنسبة لعالم العلم فإنه تكوين من درجة  ثانية". إن العلم يستبعد إشكالية تكون العالم و قيمته، و يكتفي بدراسة الأشياء كما هي معطاة لكنه لا يبحث عما يجعل الاشياء ممكنة. إن العلم إذن يستبعد مشكلات القيمة من مجال اهتماماته. و ذلك ما يبرر القول بمحدودية العلم.

            يبدو أنه من العبث الحديث عن نهاية الفلسفة نتيجة تقدم العلوم. لأن هذا التقدم مثل دفعة للفلسفة لتتفرغ إلى مهام أخرى، فالفلسفة كما قال هيدقر "في حاجة إلى أن تبرر ذاتها أمام العلم"لأن الفلسفة ليس لها ما يجعلها تبحث عن التماثل مع العلم ،إذ أن لها توجه آخر غير التوجه العلمي و قد نتجني عليها إذا طلبنا منها ما ليس لها عليه سلطان، فالنفع ليس من اهتماماتها.إنها فكر تأملي ليس له من غرض غير الفهم : فهم معنى الوجود و معنى الأشياء، إنها فكر تأملي في مقابل الفكر الحسابي العلمي.و يعتبر هيدقر   rHeidegge - مواصلا للنقد الهسرلي -إن العلم محدود .قال:"إن العلم لا يفكر، و لا يمكنه أن يفكر، و في ذلك حظه". ثم يشرح هذه العبارة فيقول:"إن العبارة التي أثارت ضجة عندما أعلنتها :العلم لا يفكر، تعني أن العلم لا يتحرك ضمن مجال الفلسفة". ومعنى ذلك أنه توجد مسافة بين الفكر العلمي و الفكر الفلسفي.فالعلم ليس الفلسفة  و الفلسفة ليست العلم. قال :"الفيزياء تتحرك ضمن المكان و الزمان ، و العلم بما هو علم لا يمكنه أن يقول لنا ما الحركة و ما المكان و ما الزمان؟..العلم لا يفكر وهو لا يمكن أن يفكر بهذا المعنى بمناهجه". إن الفيزيائي لا يمكنه أن يفكر في طبيعة مجاله. قال هيدقر:"إن علم التاريخ يصف عصرا ما طولا و عرضا ومن كل الجوانب الممكنة لكنه لا يبحث أبدا في ما هو التاريخ ، ذلك ما لا يستطيع أن يبحثه علميا و لا أحد يجد في مجرى التاريخ ما هو التاريخ...كما أن عالم الرياضيات لا يجد في الرياضيات معنى الرياضيات ". و رغم تميز العلم عن الفلسفة، فإنه في علاقة معها.قال:"كل علم هو في عمقه فلسفة".  و المقصود بذلك أن العلوم تنبني على قرار فلسفي / على  مشروع ميتافيزيقي هو التعرف على البنية الرياضية للعالم ، وينطبق ذلك على العلوم التجريبية كما ينطبق على العلوم الإنسانية. فالعلم إذن يصدر عن الفلسفة. و نسيان ذلك له قيمة إيجابية بالنسبة للعلم، وله قيمة سلبية بالنسبة للفلسفة.

    غير أن للحذر من العلم دافعا آخر، إذ إضافة إلى انه- العلم -لا يعبر عن اتساع التفكير بل على ضيقه و انحصاره، فإن تطبيقاته قد مثلت مصدر شقاء للإنسانية ، لذلك يقول إدغار موران :"إن هذا العلم المحرر يجلب في نفس الوقت إمكانات استعباد رهيبة،وهذه المعرفة الحية هي التي أفرزت الخطر المهدد بمحق الإنسانية"وهذا الأمر يعود إلى المخاطر الناتجة عن تطبيقاته،سواء تعلق الأمر بالعلم الفيزيائي أو بالعلم البيولوجي أو بالعلوم الإنسانية...فالأسلحة الفتاكة، و الإشعاعات النووية تهدد الإنسان في كل لحظة ،و يزداد الطلب عليها ، و في نفس الوقت الخوف من السيطرة عليها.

        ومن جهة أخرى فإن تطبيقات العلم البيولوجي (الاستنساخ، زرع الأعضاء..)، حتى و إن كانت حلولا لم تحلم الإنسانية بنجاعتها، فإن لها انعكاساتها الأخلاقية ، التي جعلت البيولوجيين أنفسهم أمثال "جون روستان" يبدون مخاوفهم من المستقبل الذي لا نعرف على وجه الدقة ما الذي يخفيه من فضائح، و ممارسات تجعل القيم الإنسانية( كالكرامة و الجدارة و الحرية ...) مهددة بالانتهاك والتجاوز.ولعل ذلك ما يفسر صيحات الفزع التي يطلقها رجال الدين تنبيه و إفتاءا في الحدود الشرعية لاستعمال التقنيات البيولوجية وذلك ما يفسر أيضا تكثف الاهتمامات الفلسفية في مجال البيوإيتيقا ( Bioethique) بالمشكلات الأخلاقية لتطبيقات العلم البيولوجي. وهذا الخطر الذي يلازم العلم –التقني شمل علوم الإنسان  التي اتهمت من طرف رواد "مدرسة فرنكفورت"(ماركوز، هابرماس ...) بأنها متحالفة مع السلطة ، فهي الصوت الذي يجلد به الإنسان لجعله وديعا، مسالما، مطيعا و مفيدا: إن علم النفس كما قال " كونغلهام " هو "أداة لجعل الإنسان أداة". أليس معنى ذلك أن نور العلم يخفي نارا، و أن ثمرات جنة العلم تخفي ضريعا، و أن السعادة التي وعدت بها العقلانية العلمية،تتستر على شقاء يقتضي التحفر و الإستنفار حماية للقيم، و دفاعا عن حرمة الذات الإنسانية؟

    إن الخلاص الذي يمكن أن ننتظره من العلم يمكن أن يتحول إلى انحطاط ووحشية،، إذا أخذنا الوحشية بمعنى تراجع القيم و انحصار مجالها، أو لنقل ازدياد الخطر في الوقت الذي ننتظر فيه زواله.  ذلك أن الثورات العلمية لم تف بما وعدت، بل إن "النزعة التفاؤلية"- وهي عبارة لـ"كارل بوبير(Karl popper)- التي رافقتها قد تحولت في عيون الفيلسوف الناقد على نزعة تشاؤمية حادة، جعلتنا ننظر إلى معامل البيولوجيا و المخابر الننوية، نظرة خائف ينتظر الموت أن يأتيه في كل حين. و ينتج عن ذلك أن حضارة العلم المعاصرة، هي حضارة ينخرها داء" العدمية "بعبارة "نتشه"، لأن العلم الذي وعد بالحرية لم يحقق غير الاستعباد. و لعل ذلك ما جعل "ماركوز" يقول:"كان بالإمكان أن تكون قوة التكنولوجيا قوة محررة، عن طريق تحويل الأشياء إلى أدوات، و لكنها أصبحت عائقا في وجه هذا التحرر بتحويل البشر إلى أدوات"، و معنى ذلك أن العلم – التقني الذي أبهرنا بانتصاراته، أسرنا بتطبيقاته، و جعلنا عبيده، و خدامه المطيعين. فهل يجوز بعد كل هذا أن نتحدث عن ثقة مطلقة في العلم؟

        لكن لا يجب أن نفهم من هذا التشخيص لواقع العلم أننا نتهجم على العلم، بل إن الأمر يتعلق بوعي نقدي بحدوده. و ماذا بعد ؟ هل يؤدي زهد العلم في التفسير و التطبيق إلى الزهد فيه؟، هل نعلن الثورة على العلم، الذي هو أداتنا إلى الثورة ؟  يبدو أن العلم قد حقق مكتسبات لم يعد ممكنا التراجع عنها، و التنازل عن التقدم الذي تبعها.إذ أنه لا معني لليأس ، و العودة إلى عصر ما قبل العلم، لأن في ذلك توهم يناقض منطق التقدم في التاريخ، و لا معنى كذلك للإلتفات عن مخاطر العلم، لأن في ذلك تقبل لمنطق "النعامة". إننا لا نبرر كراهية العلم، و لا تكريس الجمود الفكري ،بل هي دعوة إلى الحذر حماية للعلم نفسه و للإنسان من بعده.

     كل ذلك، لأن العلم بريء مما يفعلون، فكل موقف آحادي تطرف، سواء بالنظر إلى العلم من جهة محاسنه، أو بالنظر إليه من جهة مساوئه. و علينا كما قال "إدغار موران " أن نتجاوز منطق الاختيار:بين علم طيب و علم فاسد، لأن العلم في جوهره  "إزدواجّية". لكن هل يحل هذا الإقرار المشكل؟ ألا يمكن أن يفهم على أنه تبرير لعصف العلم بالقيم؟ إن الخوف على العلم، و الخوف من العلم، يضعاننا أمام وضعية حرجة: هل نضحي بالعلم حماية لأنفسنا؟ أم نضحي بأنفسنا حماية للعلم ؟

         و بعيدا عن منطق التضحية، و الإقصاء، يقتضي واقع العلاقة بين العلم و القيم الإنسانية أن نبحث عن الأصل، و في الأصل ،أي في الإنسان . هذا الاصل لا يمكن أن ينسى. لذلك، ليس كافيا أن نبحث عن "وصفات" علاجية جاهزة يقدمها الفيلسوف أو رجل الدين، كالتنظير للمصالحة بين الإنسان و الطبيعة، و  بين الفلسفة و العلم، أوبالتأكيد على ضرورة مراقبة العلم عن طريق القيم ، و عن طريق مؤسسات المجتمع المدني- الدولي...لأن مثل هذه الحلول و بعيدا عن التشكيك في نجاعتها، لا تكفي إن لم تنبني على أرضية نقدية، أي إلى" حكمة عملية"، هي في الحقيقة موقف نظري، لكنه أساسي، من جهة كونه يردنا إلى الإنسان نفسه. أليس معنى ذلك أن على الإنسان أن يحاكم نفسه، قبل محاكمة العلم؟ إن الأصل في المسألة إذن، هو المسؤولية.لذلك قال "بوانكاري": و لعل السبب في الشرور التي تعانيها الإنسانية يعود إلى الإنسان نفسه،هو الذي يعرف، وهو الذي يكتشف ، وهو الذي يفسر، وهو الذي يخطأ فيستعمل علمه هذا في غير مصلحته". وهذا القول يعني أن المراجعة التي يقتضيها واقع العلم هي في النهاية مراجعة للإنسان نفسه: ووعي بأهدافه، وتحمل لمسؤولية أفعاله.وهذه المراجعة لا تتوقف عند البعد العملي، بل تشمل كذلك البعد النظري، فهو في حاجة إلى "ثقافة سامية "، كما قال نتشة، تجمع بين العلم و اللاعلم، بين العلم و الدين و الفن و الميتافيزيقا ...و إذا ما فقد بعد من هذه الأبعاد، تصبح الثقافة خانقة، فيختنق الإنسان نفسه.

+         +           +

             إن العلم إذن مشكل بالنسبة إلى الفلسفة. لأنه كذلك، فإنه من البديهي أن تتنوع زوايا النظر تجاهه. لكن يبقي التفكير العقلاني خير سبيل للتعامل معه، حتى لا نتصور الثقة فيه، أو الحذر منه على أنهما موقفين انفعاليين. و حتى لا يتحول التفكير في العلم إلى محاكمة تقطع مساره و تشل حركته، فإن التفكير في ثقتنا فيه، يقتضي اتخاذ موقف معتدل، و تجنب الإختزالية. و لعل الفلسفة هي خير سبيل ينيرنا إلى المسلك الذي على الإنسانية أن تختاره حماية لذاتها و لمصيرها، لأن العلم ذاته، يفتقر لمثل هذا النوع من التفكير. فالإنسانية مطالبة بأن تعيد نسج ثقافتها ووعيها، على غرار ما فعلت "بنيلوب- نتشه".





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق