الجمعة، 11 أبريل، 2014

عن أية حرية نتحدث...؟ عادل لطيفي

تحتل كلمة الحرية مكانة هامة في الخطاب السياسي العربي المعاصر وخاصة بعد موجات الثورات التي رفعت رايتها عاليا.
لكن بعيدا عن بعدها الشعاراتي والسياسي، تمثل الحرية تحديا كبيرا للفكر العربي المعاصر كما تمثل تحديا للدولة وللمجتمع، وهو تحد يفسر بالتباس الكلمة في بعدها المفهومي وفي بعدها التاريخي إلى حد اعتبار هذه القيمة مجرد استيراد مرضي من الغرب ولا يتلاءم مع خصوصية مجتمعاتنا.

في سياق التحولات الحالية الهامة على الساحة العربية تبدو العودة لتوضيح مختلف أبعاد الحرية ضرورية كي تكون جزءا من مشروع المستقبل العربي.

الحرية في الثقافة العربية
اتخذت كلمة "حرّ" في الثقافة العربية القديمة بعدا قانونيا بالأساس يميز بين حالة العبودية وحالة الحرية. أن تكون حرا يعني ألا تكون ملك ذات اليمين. أما لفظ الحرية فعادة ما استعمل في بعد أخلاقي أي باعتبارها مظهرا من مظاهر عزة النفس وتوازن الخصال والشخصية حتى لدى أصحاب الكلام من المعتزلة.
"اتخذت كلمة "حرّ" في الثقافة العربية القديمة بعدا قانونيا بالأساس يميز بين حالة العبودية وحالة الحرية أما لفظ الحرية فعادة ما استعمل في بعد أخلاقي أي باعتبارها مظهرا من مظاهر عزة النفس وتوازن الخصال والشخصية "
قال الجاحظ في رسائله "وقل من يحسن الملكة، ويحرس الحرِّيَّة أو يضبط نفسه، فإنه ربما لم يخرجه غِشّا فأخرجه سخفا وضعفا".

نجد الحرية كقيمة لدى المتصوفة بالأساس ولكن باعتبارها الطريق نحو العبودية. حيث يقول ابن عربي في الفتوحات المكية: "والمطالعة لا تكون إلا لأهل الحرية فإن قلت وما الحرية؟ قلنا إقامة حقوق العبودية لله تعالى".

والمقصود بالحرية هنا هو التحرر من شهوات الدنيا كوسيلة للتفرغ لعبادة الله. وهو نفس الفهم الذي نجده لدى أبي حامد الغزالي الذي يقول في إحياء علوم الدين: "وأما الحرية فالخلاص من أسر الشهوات وغموم الدنيا والاستيلاء عليها بالقهر تشبها بالملائكة الذين لا تستفزهم الشهوة ولا يستهويهم الغضب".

قد نستثني من ذلك طرح مسألة حرية الإنسان في علاقته بالخالق من خلال النقاش المتشعب حول وضع الإنسان بين الاختيار والتسيير والذي أعطى بعدا فرديا للحرية في إطار الفهم الديني. لكن من الواضح إجمالا أن الحرية كفكرة طرحت قديما إما في إطار قانوني أو أخلاقي أو ديني في حين غاب البعد السياسي الجماعي والفردي.

حصلت نقلة نوعية باتجاه إعطاء الحرية معنى سياسيا مع نهاية القرن الثامن عشر في الباب العالي وبالتحديد من خلال الاتفاق الموقع سنة 1774 والذي يعطي لتتار القرم حريتهم السياسية عن الدولة العثمانية وعن روسيا مع بقائهم تحت الوصاية الدينية للخليفة العثماني.

بهذا يكون المعنى السياسي الأول هو معنى الحرية الجماعية لشعب أو أمة ما. أي بمعنى شبيه بما أفرزته الثورة الأميركية التي اندلعت في نفس الفترة.

لكن النقلة التاريخية الحقيقية ستأتي من خلال تفاعل العالم العربي والإسلامي مع ما أتت به الثورة الفرنسية من مبادئ تهم الفرد المواطن بالأساس. وقد وردت الحرية في التقارير الدبلوماسية العثمانية بمعنى المساواة.

كما نلاحظ أن بعض كتاب تلك الفترة -ومنهم رفاعة الطهطاوي- كانوا ضد الحرية باعتبارها نوعا من الانحلال من ضوابط القيم ونوعا من الفوضى، وهو فهم ما زال منتشرا إلى اليوم.

لكن في نفس الوقت نجد لدى عديد الكتاب اللذين تحدثوا ولو عرضا عن الحرية خلال القرن التاسع عشر ربطا مع حسن تنظيم الدولة (خير الدين التونسي) ومن هنا يأتي مفهوم عهد التنظيمات ودولة التنظيمات. أي أنه تم الابتعاد عن المفهوم الأصلي للحرية كما أفرزه فكر النهضة ورفعته الثورة الفرنسية وهو مفهوم حرية الفرد السياسية والفكرية باتجاه تنظيم الدولة.

فمن حرية الفرد تجاه المجموعة والدولة أصبحت حرية الفرد ضمن قوة الدولة. وفي ذلك قلب لمحتوى الحداثة كما يراه الفيلسوف هيغل الذي يعتبر أن حق الفرد في الحرية يشكل نقطة تحول فارقة بين التاريخ القديم والتاريخ الحديث أي بين العالم القديم والحداثة. 

في مواجهة الدولة
يبدو إذن أن الإشكال التاريخي للحرية في العالم العربي يتمثل في تحويلها من بعدها الفردي السياسي إلى مستوى الدولة والمجموعة الوطنية.

ويفهم هذا التحول في إطار وضع العالم العربي آنذاك. أي وضع التأخر الاقتصادي والعسكري والثقافي بالمقارنة مع الجارة أوروبا التي خطت خطوات عملاقة في التمدن والتقدم وباتت تهدد الضفة الجنوبية للمتوسط.

لقد كانت حملة نابليون على مصر بين عامي 1798 و1802 بمثابة ناقوس خطر للتحذير من إمكانية الخضوع لسيطرة أوروبا. ما الحل؟ لم يكن من بد للدول العربية والإسلامية التي كانت في الواجهة سوى تبني إصلاحات بغاية تحصين الدولة وتقويتها في مواجهة القوى الخارجية. فكان التعليم المرتبط بالدولة والمدارس العسكرية وبعض الصناعات الحربية سواء في تركيا أم مصر أو تونس.

وقد مثلت هذه الإصلاحات إيذانا بظهور بوادر الدولة-الوطن أو الدولة القومية بالمعنى الحديث للكلمة. أي الدولة التي يتطابق فيها وجود هيكل سياسي مركزي مع أرض محددة ومجموعة بشرية تعي انتمائها إلى هذا الكيان الكلي.
"ازدادت الفجوة بين المحتوى الفردي والسياسي للحرية من ناحية واستعمالها الدارج عربيا خلال الفترة الاستعمارية، فخضوع أغلب البلدان العربية للاستعمار جعل من إشكالية المصير الجماعي للأمة تطغى على مسألة الحريات"
وربما من المستحسن الحديث في هذه الفترة، كما يقول عبد الله العروي، عن توسع نطاق الدولة على حساب الفرد الذي كان يتمتع بشيء من الحرية الطبيعية في إطار منظومته البدوية. هكذا إذن فرضت الدولة القوية والمنظمة نفسها على حساب الفرد من ناحية وعلى حساب المحتوى السياسي للحرية وذلك في سياق من الشك والخوف من الآخر.

لكن سياق المواجهة هذا لا يفسر لوحده انفراد الدولة بعملية البناء السياسي والإداري والاقتصادي، ذلك أن تخلف الهياكل الاقتصادية لم يسمح بإيجاد حركية على مستوى الهياكل الاجتماعية التي بقيت في مجملها محكومة بالتنظيمات التقليدية (القبيلة، المجموعة الدينية...). أي إن الشروط التي أدت إلى نشأة الدولة القومية في الغرب لم تكن متوفرة بل إن ظهور هذا النمط من الدولة فرضته ظروف المواجهة والحذر من الآخر.

فإن كانت الدولة القومية هي سمة المجتمع الصناعي بالمقارنة مع المجتمعات الزراعية كما يقول إرنست جلنر فيمكن القول إن العالم العربي دخل المرحلة الصناعية من التاريخ دون صناعة.

وهكذا نفهم كيف صارت الدولة هي العامل الأول للتحديث والضامن كذلك للارتقاء الاجتماعي. هكذا نفهم أيضا جذور الأبوية الدولتية في العالم العربي والتي ستترسخ فيما بعد سواء في شكل استبداد واضح أو استبداد "نير".

لقد ازدادت الفجوة بين المحتوى الفردي والسياسي للحرية من ناحية واستعمالها الدارج في العالم العربي خلال الفترة الاستعمارية. ذلك أن خضوع أغلب البلاد العربية للاستعمار جعل من إشكالية المصير الجماعي للأمة تطغى على مسألة الحريات.

فقد اقتضت المرحلة التأكيد على وجود الأمة في مواجهة الإنكار الاستعماري وخاصة الفرنسي منه. لم تكن الأولوية إذن للمسائل الاجتماعية أو للأفراد بل لتأكيد الذات الجماعية.

من هنا بدأت البلورة الفكرية والسياسية للأمة ككيان وكوجدان اجتماعي مشترك وهو ما فعله الثعالبي وبورقيبة في تونس وكذلك مصالي حاج وابن باديس في الجزائر وحزب الوفد في مصر. أي التأكيد على الأمة التونسية والأمة الجزائرية والأمة المصرية بمعنى الدولة الوطنية والتي يحتل فيها الإسلام مكانة هامة باعتباره الثقافة العليا.

خلال هذه المرحلة تم اختزال الحرية في مطلب الاستقلال، أي استقلال الأمة عن الاستعمار بهدف تكوين الدولة.

تهميش الحرية سيتواصل بعد الاستقلال من خلال الأيديولوجيا الوطنية التي تعطي الأولوية لبناء الوطن على حساب المواطنة. فانبثق عن هذه التجربة عهد غير معلن بين دولة تضمن التنمية من ناحية ومواطن يدين بالولاء من ناحية ثانية.

أي إن الدولة تضمن ما يمكن تسميته بالحريات الطبيعية مثل التنقل وحد ما من مستوى العيش مع شيء من الإنصاف والعدالة. وفي ذلك نوع من العودة إلى مفهوم دولة التنظيمات للقرن التاسع عشر والتي تركز على تنظيم الدولة على حساب الفرد. 

الحرية كمشروع
كيف يمكن أن ننظر إلى الحرية كمشروع في العالم العربي؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال تجب الإشارة إلى أن الحرية المتحدث عنها هنا هي الحرية الفردية وهو المعنى الليبرالي الأصلي للكلمة.

وحداثة الدولة الحقيقية تقاس بمدى ضمانها حرية الذات الفرد. كما تجب الإشارة كذلك إلى أن مفهوم الحرية هذا، وبالرغم من أنه ظهر في الغرب، إلا أنه لا يعني أنه غربي الماهية في النهاية.

فالحرية نتاج لتراكم التجربة الإنسانية في مختلف الثقافات وهي تتويج لعقلانية الفكر الإنساني الذي ساهم فيه العرب المسلمون أية مساهمة قبل أن ينقلوه إلى أوروبا عبر مفكرين مثل ابن رشد والفارابي وابن سينا.

هل منعت هذه التطورات وهذه الانحرافات التاريخية ظهور الحرية كمفهوم سياسي وكمطلب للفرد؟ بالطبع لا. فقد كان الشباب الأتراك في القرن التاسع عشر أول من ربط بين الحرية والاستبداد وذلك في أواسط العهد الحميدي (عبد الحميد الثاني) مما أعطى للحرية بعدها السياسي.

وكان عبد الرحمن الكواكبي قد تأثر بتوجه هؤلاء الشباب كما تأثر بالتجربة الإيطالية فأثمر تأثره كتاب طبائع الاستبداد. لكن النقلة النوعية باتجاه الحرية في معناها السياسي وفي بعدها الفردي تعود إلى المفكر المصري لطفي السيد.

كان السيد متأثرا بأفكار ليبراليي القرن التاسع عشر وخاصة منهم جون ستيوارت ميل والذي كانت الحرية في قلب اهتماماته الفكرية.

يرى السيد أن الحريات الفردية هي جوهر الحرية وأنه لا يمكن حمايتها إلا بقوانين مدنية، وفي نفس هذا الاتجاه يمكننا أن نجد فكر طه حسين والشاعر التونسي أبو القاسم الشابي.

مختلف هذه الشخصيات ابتعدت عن المفهوم الجماعي والدولتي للحرية لتتحدث عن حرية الإنسان الفرد في مرحلة العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين والتي يعرفها المؤرخون بالفترة الليبرالية نسبة للفكر الليبرالي الدستوري أساسا.
"تحققت خطوة مهمة بإضفاء البعد السياسي للحريات في سياق الثورات الحالية، ولكن هذا الحراك ما زال يختزل الحرية في التخلص الجماعي من استبداد الحاكم دون طرح الحريات الفردية كضمان حقيقي للمواطنة الكاملة"
لم ينقطع هذا التوجه في الحقيقة بل خفت بريقه في سياق المرحلة الاستعمارية ثم في سياق الحماسة الوطنية بعد الاستقلال.

لكن خيبة الأمل الاجتماعية والسياسية في دولة الاستقلال ثم هزيمة 1967 عجلت بعودة الحرية في شكل مطلب سياسي للتخلص من الاستبداد.

هكذا ظهرت منذ بداية السبعينيات عديد الأحزاب والجمعيات الحقوقية وحتى النقابات التي تنادي بالتعددية وبالديمقراطية كتجسيد للحرية في بعدها السياسي.

وبالرغم من التأخر النسبي وطول المدة فإن الثورات العربية التي ابتدأت من تونس أعادت إلى الساحة هذه المطالب في إطار محاولات للانتقال الديمقراطي ما زالت متعثرة لأسباب اجتماعية وتاريخية متداخلة.

فقد تحققت خطوة مهمة من خلال إضفاء البعد السياسي للحريات في إطار سياق الثورات الحالي، لكن مصير هذا الحراك يبقى غير مضمون بسبب صعود حركات لا تؤمن أصلا بالحرية لتؤثر سلبيا في مسار الأحداث.

من جهة أخرى ما زال هذا الحراك يختزل الحرية في التخلص الجماعي من استبداد الحاكم دون طرح الحريات الفردية كضمان حقيقي للمواطنة الكاملة. فالحرية كمشروع مستقبلي للعالم العربي هي تلك التي تضمن حرية الفرد ليس فقط في مواجهة سلطة الحكم بل كذلك في مواجهة سلطة المجتمع.

هكذا نمر من الحرية كحق للوجود (الدولة والأمة والنمو) إلى الحرية كحق للمشاركة السياسية (الديمقراطية) في انتظار معركة حرية الضمير.

من أقوال جبران في الحب…

24مارس
Khalil_Gibran_1908ولد جبران خليل جبران في بشري شمال لبنان في 6 كانون الثاني 1883. هاجر عام 1895 مع أمه وإخوته إلى أميركا حيث درس الفن وبدأ مشواره الأدبي، فاشتهر كأديب وفيلسوف ورسام،  توفي في نيويورك  في 10 نيسان 1931. يعتبر كتابه “النبي” الأشهرعالمياً والأكثر مبيعاً.

نحبّهم


نحبُّهم
لكن لا نقترب مِنهم
فهُم في البعدِ أحلى
وهُم في البعدِ أرقى
وهُم في البعدِ أغلى

♥♥♥

والبعض نحبُّهم
ونسعى كي نقتربَ منهم
ونتقاسم تفاصيلَ الحياة معهم
ويُؤلمُنا الإبتعاد عنهم
ويَصعبُ علينا تصور الحياة حين تخلو منهم

♥♥♥

والبعضُ نحبُّهم
ونتمنى أن نعيشَ حكاية جميلة معهُم
ونفتعلَ الصدفَ لكي نلتقي بهم
ونختلقَ الأسبابَ كي نراهم
ونعيشَ في الخيال أكثر من الواقع معهم

♥♥♥

والبعضُ نحبُّهم
لكن بيننا وبين أنفسنا فقط
فنصمتُ برغم ألمِ الصمتَِ
فلا نجاهرَ بحبِّهم حتى لهم
لأن العوائقَ كثيرة
والعواقبَ مخيفة
ومن الأفضل لنا ولهُم
أن تبقى الأبوابُ بيننا وبينهم مغلقة…

2011661805138-Nahed GIBRAN 1   .

♥♥♥

الحب لا يعطي إلا ذاته، ولا يأخذ إلا من ذاته،
وهو لا يَملِك ولا يُملًك، فحسبه أنّه الحب.

♥♥♥

إن لم يجرِ بينكم التبادلُ بالحبِّ والعدلِ،
شرهت فيكم نفوسٌ وجاعت أخرى.

♥♥♥

حين يغمُركَ الحزنُ تأمَّل قلبك من جديد،
فسترى أنك في الحقيقة تبكي مما كان يوماً مصدَرَ بهجتك.

♥♥♥

أين تبحثون عن الجمال وكيف تجدونه
إن لم يكن هو الطريق والدليل؟

♥♥♥

ليحب أحدُكُما الاَخر، ولكن لا تجعلا من الحبِّ قيداً،
بل اجعلاه بحراً متدفقاً بين شواطئ أرواحكما.

♥♥♥

ليس من يكتبُ بالحبر كمن يكتب بدمِ القلبِ.

♥♥♥

إذا كان قلبُكَ بركاناً، فكيف تتوقع أن تزهو الأزهارُ بين يديك؟

♥♥♥

الشكُّ ألم في غاية الوحدة لا يعرف أن اليقينَ هو توأمُه.

نحو تعلُّم منتج (*)

نحو تعلُّم منتج (*)

29مارس

بقلم: د. أسامة عثمان (*)

ثمة فارق كبير بين التعليم التلقيني الاستظهاري الذي يجعل المتعلم مجرَّد مستودع للحفظ، يُحشى رأسه بمعلومات لا يعرف كيف يستخدمها ومتى وأين، وبين التعليم التفكيري الذي ousama  1يجعل من المتعلِّم شريكاً للمعلّم في عملية التعلّم والتعليم، ويعزّز ثقته بنفسه ويجعله أقدر على استرجاع المعلومة وعلى استخدامها بجدوى وجدارة. هذا النمط التعليمي الذي يشحذ قدرة المتعلّم على التفكير هو ما تحتاجه أنظمتنا التعليمية في بلداننا العربية التي ما زال يغلب فيها طابع التعليم التقليدي.
لعل أكثر ما يعاني منه التعليمُ في البلدان العربية أنه يغلب عليه البعد المعلوماتي الاستظهاري، الذي قلَّما يُسهم في بلورة تفكير مستقل، أو يكرِّس لتفكير منتج. بل قد يؤدّي إلى نتائج عكسية، كما يقول ألبرت أينشتاين: ” لقد كان على المرء أن يحشو عقلَه بكل هذه المواد، سواء أكان يحبها أم لا، وكان لهذا الإجبار أثر بلَغَ من سوئه عليَّ أنني وجدت، عندما اجتزت الامتحان النهائي، أنَّ النظر في أية مشكلات علمية، أمرٌ بغيض لمدة عام كامل”.
يعرّف إدوارد لي ثورندايك (عالم نفس أميركي) التعلُّم بـ” أنه سلسلة من التغيّرات في سلوك الإنسان”، فالتعلُّم تعديلٌ للسلوك من خلال الخبرة. فهل يحصل التلاميذ والطلاب في وطننا العربي على خبرة أو يحصّلون المعارفَ من خلال الخبرة؟ وهل يعدّل التعليمُ سلوكَهم؟ أو يرقى بطريقة تفكيرهم وتعاملهم اليومي؟ وهل يعزّز التعليمُ من استجاباتهم للتكيّف مع المواقف المختلفة؟
لعل هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه التعليم، وهو الثمرة الجوهرية.” فالتعلُّم قد يكون تقدماً، أو تراجعاً، شأنه في ذلك شأن كثير من العمليات الأخرى” كما يقول عالم النفس السلوكي الأميركي أدوين جثري.
وغالباً ما تُنسى تلك المعلومات التي يُحشى بها الذهن، بمجرد اجتياز الاختبارات المدرسية، أو الجامعية. وهذه طبيعة التدريس القائم على حفظ المعلومة من دون وعيها وعياً حقيقياً، أو توظيفها في سياق كلّي يليق بها.
فأين الخلل؟ وهل من سبل للحدّ منه؟
يعاني التعليم في كثير من بلداننا العربية انخفاضاً عن المستوى المطلوب. وهذه المشكلة تتعلق بالتعليم بمعناه الأوَّلي، أي قبل التطلُّع إلى تعلُّم منتج وبنّاء، وقد يكون بينهما علاقة، إذ من المفترض أنْ يفضي إيمانُ المتعلِّم بجدوى ما يتعلّم، وموقعيته في حياته وانعكاسه العملي عليها، إلى اتخاذ التعليم وسيلةً للقوة وإحراز النتائج المادية المباشرة.
كما نجد الأطفال أو المراهقين أو الشباب الأتراب يتنافسون في امتلاك المواهب التي تقع في دائرة اهتمامهم بذكاء وفاعلية ملحوظة؛ فالطالب العربي لا ينقصه الذكاء، غالباً.
وإذا تبيَّن بعد هذا التناول للعملية التعليمية أن قسماً من الطلاب ظلّوا غير معنيين بالتعليم، أو لم ترتفع درجةُ إقبالهم عليه، فقد يُصار إلى التفكير في آليات أخرى للإفادة من هذه الطاقات بدلاً من حجزها في تعليم نمطي. فيمكن البحثُ في إمكان تفريع مبكِّر للفروع العلمية، بعد أن يلمَّ الطالب بالأساسيات المعرفية والعلمية والثقافية.platon
مع أن مناهج التعليم قد لا تكون مُبرَّأة من عيوب التعليم غير المنتج، وكذلك نظام التعليم بصفة عامة، من حيث الإلزام بقدر كبير من المعلومات التي قد تكون فائضة عن حاجة الطالب قبل أن يسلك فرعها التخصّصي، فإنه يمكننا المسارعة بالقول، إن للمعلم دوراً باقياً، حتى لو لم يتحقّق، على فَرَض، استيفاء تلك المطالب الضرورية في المناهج والنظم التعليمية، وتطوير التعليم ليكون هو أكثر فاعلية أو عملانية.
هذه الأهمية لدور المعلم تحظى باهتمام دولي ملحوظ، فقد دعت المديرة العامة لليونسكو، إيرينا بوكوفا، (في الفعاليات التي جرت في 18 نيسان/ أبريل من العام المنصرم، واستهدفت إنعاش عمل جديد؛ لتحسين فرص الانتفاع بالتعليم وضمان جودته وتسريع وتيرة التقدم، نحو تحقيق أهداف العام 2015) من ضمن ما دعت، إلى تعزيز أنشطة إعداد المعلمين وتطويرهم المهني، بوصفهم الأكثر تأثيراً، والأقوى فعالية في ما يتعلق بتحقيق الإنصاف في التعليم والانتفاع به وضمان جودته.
فعلى مستوى الأساليب والطرائق، يستطيع المعلّم، توظيف أساليب أكثر فاعلية كالتعلّم النشط، مثلاً، الذي يُشرك الطلاب في الوصول إلى الفكرة، فيجعل المتعلمين أقدر على استرجاع معلوماتٍ من الذاكرة، ويعزز ثقتهم بذواتهم، ويصحّح مفهوم المتعلم عن مصدر المعلومة، وأنه ليس المعلم وحده، ولعل أهمّ مزايا هذا النوع من التعلّم، أنه يعلِّم مهارات التعلُّم والتفكير العليا، وهو الأكثر أهميةً من المحتوى المعرفي نفسه، فضلاً عن كونه يُكسب المتعلمين القدرةَ على العمل مع آخرين يختلفون عنهم. فقد كان دور المعلم عند فلاسفة الإغريق، كما يقول برتراند راسل في كتابه “حكمة الغرب”، هو ” التوجيه وتمكين التلميذ من إدراك الأمور بنفسه”. وهي الطريقة التي يُمارَس بها التعليم الأصيل.
أما على مستوى المضامين، فينبغي للمعلّم التركيز على ما هو حاسم وجوهري في الموقف التعليمي، أو في المعرفة المشروحة للمتعلمين. ولما كان التعلُّم (بحسب الدكتور مصطفى ناصف في كتابه “نظريات التعلُّم”) عمليةَ اكتشافٍ للبيئة وللذات، فإنَّ مظهره الحاسم هو المظهر المعرفي. والتعلّم يعني اكتشاف طبيعة الحقيقة أو معرفة ما هو حقيقي. والتعلم متعلقٌ بإدراك ما هو حاسم في أيّ موقف من المواقف. أو معرفة كيف تترابط الأشياء والتعرف إلى البنية الداخلية للشيء الذي على المرء أن يتعامل معه”.
ففي النحو والإعراب، مثلاً، يمكن التركيز على علاقة القواعد النحوية بأداء المعنى، وكيف تتغيّر العلاماتُ الإعرابية، تبعاً لاختلاف موقع الكلمة الذي يتغيّر بدوره وَفق الوظيفة الدلالية المنوطة بها في سياق الجملة والنصّ،غالباً. فالعلامة الإعرابية هي قرينةٌ من ضمن قرائن أخرى(وليست وحدها) لمساعدة المتلقي، أو المخاطَب على الاهتداء إلى المعاني. وهذا يُسهم في تخفُّف النحو من السمات الشكلية التي يصعب على المتعلّم غير المتخصص إدراكُها، فضلاً عن الانتفاع بها، في كلامه وكتاباته.
وحين يبدأ المتعلم في لمس فوائد عمليةٍ تعود عليه بالنفع، فإن متعته بالتعلّم تزداد، واستعداداته تتعزّز، وذلك وفق رؤية إدوارد. سي. تولمان (من علماء النفس الأميركيين)، الذي نظر إلى الكائنات كمخلوقات غَرَضيّة تحاول جاهدةً الوصولَ إلى تحقيق غايات معيّنة، وهي لا تتعلّم مجرد ارتباطات بين المثير والاستجابة، أو سلسلة من الانعكاسات فحسب، بل إنها تتعلم “ماذا يؤدّي إلى ماذا؟”.
وهذه الآلية: ” ماذا يؤدي إلى ماذا؟” تنطبق على النتائج العملية وآثار التعلُّم خارجياً، كما يمكن أن تنطبق على عملية التعلّم نفسها، حين يتبيّن المتعلم ويستبصر بنية الفكرة المطروحة، وعلاقاتها الداخلية، وكيف تتكوّن؟ وكيف تتشكّل لتنتج الشكل الكلّي؟ وما موقعيتها في سياقها الأكبر؟  فهذه عمليةٌ تفاعلية تبادلية، بحيث يُفضي فهمُ المضمون التعليمي واستبصارُه إلى نتائجَ عملية، ويؤدي الانتفاعُ بالمضمون في الحياة العملية، أو حتى في المهارات والقدرات الذهنية والتفكيرية، إلى مزيد من التعلّم والرغبة في الاستزادة منه: ووفق النظرية الجشطلتية، فإن انتقال التعلُّم هو القضية المركزية و”أحد الاختبارات الذي يوضح ما إذا كان التعلُّم قد تمَّ فعلاً، هو التحقق من أنَّ ما تمَّ تعلُّمُه يمكن تعميمُه على عمل آخر له علاقة بالعمل الأول، أو بعبارة أخرى ما إذا كان كلّ ما حدث هو مجرد حفظ أو ارتباط أعمى، فإن المتعلم يعجز عن التعرف إلى أوجه الشبه بين ما سبق له أن تعلّمه وموقف جديد قد يبدو مختلفاً ظاهرياً عن الموقف الأول، ولكنه يتطلّب الاستبصار ذاته الذي اعتمد عليه في الموقف التعليمي الأول(“نظريات التعلم”.Ibn-Khaldun-1
ووَفق هذه الآلية، فإن المتعلّم إذا حصَّل الفهمَ الحقيقي للمضمون التعليمي، وأصبح أكثر قدرةً على الإفادة منه في حياته، فإن هذا يعدُّ أكبر مكافأة له يمكن أن تحفزه على مزيد من التعلُّم؛ ومع أننا لا ننكر، أو ندعو، إلى إلغاء المكافآت الخارجة عن هذا النوع (العلمي) من مادية أو معنوية، فإننا لا ننتظر منها أن تحقق ذاتَ النتائج في الديمومة، وعمق الأثر، وفي انخراط المتعلّم في حقيقة الأهداف العلمية، وتمكينه من تذوُّق طعمِها الخاص.
وقد كان الهدف الأهمّ في المعاهد الأكاديمية  التي وضع أسسَها أفلاطون [427-428 ق.م /347-348 ق.م] وظلَّت مستمرةً حتى 529م هو تدريب عقول الناس على أن تفكّر بنفسها، في ضوء العقل. وهذا يقتضي إكسابَ الطلبة مهاراتِ التفكير المستقل، وتجنيب التعليم الوقوعَ في هوة التلقين.
ويؤكد ابن خلدون على أهمية تحقيق المَلَكة والحِذق في العلوم، يقول:” وأيسرُ طرق هذه المَلَكة فَتقُ اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرّب شأنها، ويحصّل مراميها، فتجد طالبَ العلم منهم، بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية، سكوناً لا ينطقون ولا يفاوضون، وعنايتُهم بالحفظ أكثر من الحاجة؛ فلا يحصلون على طائل من مَلَكة التصرف في العلم والتعليم، ثم بعد تحصيل مَنْ يرى منهم أنه قد حصّل تجد مَلَكته قاصرةً في علمه، إنْ فاوض، أو ناظَر، أو علّم”. فالملكة لا تكون إلا بمحاورة الطالب للعالم أو المعلّم، وبخوض المتعلّم المناظرة، حينها يَمتحِنُ تلك المعارفَ والأفكار، ويحقق أيضاً انتقالَ تلك المعارف إلى مسائل مندرجة تحتها، ولا يظل متعلماً سلبياً ساكناً أثناء التعلّم، وقاصراً علمه عن توظيفه بالنطق والمفاوضة، والتعليم الحقيقي، حتى.
وفي هذا العصر الذي تتضاعفُ فيه أهميةُ المعرفة، وتعدُّ مؤشراً على تقدُّم الدول أو تأخرها، فإننا لا نطمح إلى فهم المعرفة فقط، بل نطمح إلى أن ندخل مجتمع المعرفة، ونغدو منتجين لها.
*********
(*) مؤسسة الفكر العربي – نشرة افق
(*) باحث وكاتب من فلسطين- رام الله
كلام الصور
1- أفلاطون
2- ابن خلدون

هابرماس ودريدا … «الفلسفة في زمن الإرهاب»

هابرماس ودريدا … «الفلسفة في زمن الإرهاب»

08مارس

بقلم: الباحث خالد غزال

khaled-ghazal طرحت تفجيرات ايلول (سبتمبر) في الولايات المتحدة الاميركية عام 2001 تحديات سياسية وعسكرية وفكرية وفلسفية على العاملين في هذه المجالات. كانت التحديات الفكرية-الفلسفية هي الأصعب، بحيث كان مطلوباً الغوص بما هو أعمق من التفسيرات المؤامراتية التي تلجأ اليها الأنظمة السياسية لتفسير العمل الارهابي الذي يطاولها.
فالأسئلة هنا يجب أن تجيب عن السبب الذي يجعل إنساناً، سواء أكان جاهلا ام متعلماً، ينهي حياته بكل بساطة بعمل إرهابي يودي بجمع كبير من الأبرياء، ويزهق روحه في الوقت نفسه؟ وما الأسباب الاجتماعية والسياسية التي تجعل من الإرهاب فلسفة تلتزمها قوى اجتماعية، وتمارس عملها بصرف النظر عما اذا كان موجهاً ضدّ العدو الفعلي لها، ام انه إرهاب من اجل الإرهاب؟ وما مسؤولية الأنظمة السياسية والنظام العالمي في توليد الإرهاب الاعمى في بلدان متقدمة او متخلفة؟ وما مسؤولية الحداثة نفسها عن تصاعد هذا الإرهاب، عندما يوظف هذا الارهاب تقنيتها المتطورة، خصوصاً قطاع الاتصالات، في أعماله كما حصل في اكثر من مكان؟ اسئلة كثيرة اثارتها تفجيرات اميركا، وازدادت خلال العقدين الاخيرين من القرن الحالي بفعل نمو الإرهاب وتهديده المجتمعات كافة. وبهدف تقديم مساهمة في الأجوبة، عمدت الكاتبة الأميركية الايطالية الأصل جيوفانا بورادوري إلى إجراء مقابلتين مع كلٍّ من الفيلسوف الالماني يورغن هابرماس والفيلسوف الفرنسي جاك دريدا لمناقشة مسألة الفلسفة والإرهاب. جمعت المقابلتين في كتاب تحت عنوان «الفلسفة في زمن الإرهاب» (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بترجمة وتقديم خلدون النبواني).
ما يجمع بين الفيلسوفين اعتبارهما الإرهاب مفهوماً مراوغاً يعرّض الحلبة السياسية العالمية لأخطار واسعة، ويطرح تحديات مستقبلية على النظام العالمي نفسه. وهما يتفقان على ان الإرهاب الراهن وردود الفعل العسكرية أو الديبلوماسية تطرح ضرورة اعادة تقويم القيم والمثل التي قال بها عصر التنوير ومدى صلاحية هذا المشروع في الزمن الراهن، حيث ان المنظومة التشريعية والسياسية المكونة للقانون الدولي وللمؤسسات المتعددة الموجودة اليوم تقوم على الإرث الفلسفي الغربي المستند الى التنوير.guilaf-falsafa.-1jpg
يذهب هابرماس إلى إعادة بناء المحتوى السياسي للإرهاب من حيث واقعية الأهداف التي يرمي اليها، وهو يرى «أنّ المحتوى السياسي للنزعة الارهابية مجرد صورة ارتجاعية». يشدّد على أخطار قرار إعلان الحرب على الارهاب كما تجلّى في القرارات السياسية للولايات المتحدة، لأنّ مثل هذه القرارت ستكون ذات أثر كبير على الصعيد الداخلي، بحيث تؤدّي الى عسكرة الحياة العادية، وقد تقوّض اعمال الدولة الدستورية، وتؤثر سلباً في امكانات المشاركة الديموقراطية. أمّا على الصعيد الدولي، فقد يتكشف استخدام الموارد العسكرية عن نتائج خطيرة، بل وغير فعالة كما حصل في الحروب التي شنّت بعد العام 2001 تحت عنوان «محاربة الارهاب». في نقاشه الفلسفي، يتبنى هابرماس القيمة الكونية للمؤسسات الجمهورية ولقضية الديموقراطية والمشاركة التي تفترضها، وهي عناصر موروثة من عصر التنوير. وهو لا يوافق على أنّ التنوير فشل بوصفه مشروعاً فكرياً، بل المشكلة تكمن عنده في ضياع الأصل النقدي من التاريخ الذي بات شبه مجهول، وهو من العوامل التي «ادت الى فتح الطريق امام الهمجية السياسية».
يتهم هابرماس الإدارة الأميركية بأنها تخدم أهداف الإرهابيين الذين يريدون نشر الرعب في المجتمع الاميركي، بكل ما تقوم به من استعراض لجاهزيتها واستعدادها لمواجهة عدوّ مجهول تسميه الارهاب، تولّد لدى الاميركيين هالة من الهلع والرعب هو جلّ ما يبغيه الارهابيون.
يذهب الفيلسوف الالماني في تحليله للإرهاب الطالع من مجتمعات عربية إلى القول إن الغرب بات كبش فداء لكلّ تجارب الضياع الفعلية التي اصابت العالم العربي على امتداد العقود السابقة، وهي التجارب التي عانتها الشعوب العربية من العولمة المتسارعة التي سعت الى نزع الهوية والموروث الثقافي لهذه الشعوب. وهو يحمّل خيبة الامل من الانظمة الوطنية الحاكمة مسؤولية انفلات النزعة الاصولية الاسلامية، بالنظر الى الفشل الذي منيت به في تحقيق برنامجها في تحسين مستوى المعيشة والحد من الامية والبطالة وتحقيق الديموقراطية واستعادة الاراضي المحتلة وتحقيق التحرر الوطني… هذا مع إشارة هابرماس الى ان المجتمعات الغربية المتقدمة والتي تعيش حياة مرفهة لا تخلو من عنف بنيوي يضرب هذه المجتمعات من خلال عدم المساواة الاجتماعية والتمييز المهين بين الفئات الاجتماعية، ناهيك عن الإفقار والتهميش، ليصل الى تحميل الرأسمالية المنفلتة من الحدود مسؤولية مركزية في انفلات الارهاب، وليخلص الى القول انه اذا لم يوضع حد لهذا الانفلات للرأسمالية المتوحشة فسيكون من المستحيل «وقف التدمير التراتبي للمجتمع الدولي».
يذهب الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا أبعد مما يطرحه هابرماس. لا يفصل دريدا بين مختلف انواع الإرهاب، اي ارهاب الدولة والارهاب المحلي او العالمي الذي تقوم به منظمات خارجة على القانون.
ويشير إلى الدور الكبير الذي لعبته العولمة في الارهاب بالنظر الى ما سببته من مظاهر عدم التكافؤ والتهميش والإفقار لكثير من المجتمعات، ففي «القرون الأخيرة، تراكمت مقدمات وضعية، جيوسياسية، نستشعر آثارها اليوم، ويأتي في مقدمها التناقض بين التهميش والإفقار الذي تتناسب وتيرته مع النمو السكاني».
يحمل دريدا الولايات المتحدة الاميركية مسؤولية تصاعد الإرهاب، فهي التي هيأت له الأرض قبل أن يصل إليها من خلال دعمها لبن لادن في الحرب في افغانستان، وهي بذلك خلقت أوضاعاً سياسية – عسكرية مناسبة لظهور الإرهابيين وبالتالي ارتدادهم عليها لاحقاً. والحرب على الإرهاب، خلافاً لما تهدف إليه، تعيد «توليد أسباب الشر التي تدعي استئصالها على المدى الطويل أو القصير».
يعتبر دريدا أن حدث 11 ايلول يتطلب اجابة فلسفية تعيد النقاش إلى المفاهيم الفلسفية المتجذرة حتى الزمن الحالي، مما يستدعي بحثاً في الفلسفة السياسية وموروثها. تكمن الحاجة الى هذا النقاش في ظل الخطاب السائد الذي تهيمن عليه وسائل الاعلام والكلام الرسمي المتحذلق حول الحرب والارهاب. فالارهابيون، في دفاعهم عن انفسهم، يقولون انما يردون على ارهاب الدولة الداخلي عليهم، وان قرارات الامم المتحدة وإدانتها للإرهاب، من دون نقاش فلسفي لموضوع الارهاب الدولي، فوضت الولايات المتحدة استخدام كل انواع الاسلحة المشروعة وغير المشروعة تحت حجة محاربة الارهاب.
إذا كان النقاش حول الإرهاب لا يزال مفتوحاً بقوة في المجتمعات الغربية، فإن المجتمعات العربية التي دخلت بقوة في اتون الارهاب، تحتاج اكثر الى قراءة بنيوية فكرية وفلسفية تساهم في تعيين الاسباب الكامنة وراء انفجار العنف بالشكل الذي نراه في اكثر من مكان. تقع مسؤولية على عاتق العاملين في ميدان الفكر والفلسفة في انتاج ثقافة مناهضة للإرهاب ولمنظومته الفكرية المتلبسة لباس الدين والمستخدمة له في الاهداف السياسية التي ترمي اليها.

تواصلية هابرماس لحداثةٍ لم تكتمل بعد

تواصلية هابرماس لحداثةٍ لم تكتمل بعد

نظرية “التواصل” للفيلسوف المعاصر الألماني (يورغن هابرماس) هي نظرية فعل ونظرية تبحث في “عمق الوعي” وتأتي كتتويج دام مخاضه طويلاً في ألمانيا خاصةً وفي أوروبا عامةً، تأتي نظرية التواصل التي لا تزال تشرح كل لحظة والكتب التي تفرد لتوضيحها وإبانة جذورها كثيرة جداً، وهو مايصعّب من مهمة شرحها “فلسفيًّا” من كافة جوانبها، فهذا العمل يحتاج إلى مبحث خاص، بيد أنني سأقارب هذه النظرية ودورها في ترتيب علاقات الثقافة المتعددة والثقافة الواحدة في سبيل صناعة مناخ كبير ملؤه التجاوب.
لقد سعى هابرماس إلى بلوغ عقلنة جديدة يسميها “العقلنة التواصلية” في مقابل “العقلنة الأداتية” التي رفضتها “مدرسة فرانكفورت” –التي يمثل هو تطوّرها وآخر كبارها- حيث رفض العقل الأداتي منذ أدرنو وهربرت ماركيوز في مؤلفاتٍ ترجمت للعربية، ليقوم الألماني هابرماس بصياغة عقلنة تواصلية تضع على رأس أولوياتها إعادة ربط صلة الفرد بالآخر الشريك دون ضغوط أو إكراه بغية تشكيل لحمة النسيج الاجتماعي وفق أنموذج إيتيقيا المناقشة، وذلك باستلهام من المنابع الأولى للعقلانية التنويرية الأصيلة كما تصورها المشروع الحداثوي بالغرب وذلك سيهيئ الانتقال من مشروع “العقلنة، إلى العقلانية” وهذا بحد ذاته أمر بالغ الدلالة.
لذا فهو وبانطلاق من مشروعه الكبير أطلق في محاضرةٍ له في أيلول من عام 1980 فكرة:(الحداثة مشروع لم ينته بعد) وذلك إبّان تكريمه لجائزة آدرنو. أخذ على عاتقه إتمام ما بدأه كانط وهيجل باستهداء من كافة النتاج الذي تلاهما، لكل ما سبق يجد هابرماس نفسه على نقيض من “ميشيل فوكو” و “جاك دريدا” كما ورد ذلك في معرض نقاشه لهما في كتابه الضخم “القول الفلسفي للحداثة” هذا المسعى جعله يتبنى الكثير من المقاربات التداولية حول اللغة كالصدق والنزاهة والدقة، فقد توصل إلى نتيجة مفادها أن لا يمكنه تأسيس نمط تواصلي جديد يعبر عن مجتمع جديد دون أن يبلغ النقد أداة التواصل الأولى ذاتها، وهي اللغة، سواء تعلق الأمر بالتواصل الذاتي أو بالتواصل البينذاتي بما هو الدعامة القاعدية لعملية التشارك الاجتماعي.
ولجهة بناء هذا التشارك يؤكد “يورغن هابرماس” على ضرورة إحداث تمييز أساس بين العمل والفعل والنشاط، ذلك أن مفهوم العمل ووفق دلالياته الحالية وبخاصةٍ تلك المنحدرة إلينا من التراث الماركسي، قد يشدنا إلى تثمين الظاهرة المادية والتقانية فقط، في حين أن مفهوم الفعل ومن ثمة النشاط يمتلك قدرة تخيلية، مجازية، تتجاوز الأفق المادي إلى أفق لغوي، منطوقي، مقولي، يحيل مباشرةً إلى مفهومٍ أشد تأثيرًا في هيكلة البناء الاجتماعي وهو التفاعل: التفاعل بين الصورة والمادة، التفاعل بين الواقع والعقل، التفاعل بين الذات والموضوع، التفاعل بين اللغة ومحيطها، لأن طرفي المعادلة أي اللغة ومحيطها لا قيمة لهما، فينومينولوجيًا إلا عبر تفاعلهما بل في تداخلهما واستغراق كل منهما في الآخر.
من هنا فإن الفعل التواصلي عند هابرماس يأخذ منحىً تجريبيًّا وفق النموذج الاسمي، صار يعرف الآن بـ(التداولية الشاملة) في مقابل (التداولية الترنسندنتالية) التي يخطّها صديقه (آبل) في طريق مواز. وهابرماس رغم تمظهراته المتعددة كفيلسوف متعدد الاهتمامات والمشارب إلا أنه بقي وفيًّا للجدل الهيجلي.

هابرماس يعتبر المشروع “مابعد الحداثي” هو جزء من الحداثة التي لم تكتمل، مفرقًا بين نقد العقل ونقد الفهم، أسهم بكتبه حول الحداثة وخطابها السياسي، وعن هيدغر، وفي العلم والتقنية كأيديولوجيا، ونحو نسالة ليبرالية، في فتح أسئلة كبرى
في حوارٍ أجرته مجلة (Autrement) الفرنسية (العدد 102) سنة 1988 مع يورغن هابرماس، اختصر هابرماس نظرته في “التواصلية” بقوله: “فالفعل التواصلي يقوم على الربط بين خطط مختلف الفاعلين باستعمال القوة المحفزة عقلانيًّا التي تستلزمها أفعال اللغة الإنجازية. زد على ذلك أن الفعل التواصلي لا يقبل أن يعوض بممارسات من جنس آخر مهما يكن السياق. فإذا كنا نربي على سبيل المثال أبناءنا أو ندرس طلابنا، أو كنا نسعى إلى إنعاش الروابط الاجتماعية بكيفية مشتركة، فإننا لا نستطيع رفض الانخراط في هذه الممارسة التواصلية. وهذا يعني أن إجراء الإدماج الاجتماعي وتحقيق الاتصال الثقافي والتكييف الاجتماعي أمور لا تتم إلا استنادًا إلى الفعل التواصلي”.
وضمن المجال يقترح “هابرماس” التداولية أو الفعل التواصلي بوصفه خروجًا عن المقترحات القديمة التي كانت سائدةً من أجل الفهم أو الحجاج، وهو يستطرد حين يكتب:”ألسنا هنا أمام المغالطة التطبيعية؟ إن هذه الصعوبة تمثل بالضبط السبب الذي يدفعني إلى البحث عن متابعة التحليل المتعالي ولو على نحو يختلف قليلا عما هو متعارف عليه؛ أي أن الأمر لا يتعلق بتحليل شروط إمكان المعرفة بالمعنى الكانطي أو الهوسيرلي، بل بتحليل للشروط الضرورية للفهم. فإذا نظرنا عن كثب إلى الشروط التي تكون ضرورية لكي نتفاهم عن شيء في العالم، فإننا نكتشف شيئًا مثيرًا للغاية، أي نكتشف افتراضات تداولية ذات محتوى معياري لا يمكن تلافيها أو التغاضي عنها. بمجرد ما نقبل الانخراط في الكلام، وقبل الدخول في أي صورة من صور الحجاج، يتعين علينا أن نفترض بكيفية متبادلة أننا مسئولون. وهذا يصدق أيضًا على الخطاب اليومي”.
نظرية هابرماس في الحوار والتواصل تمكّن من تطبيقها في أكثر من محاولة، من بينها حواره مع البابا السابق “بنديكتس” حول الدين والعلمنة والسياسة، ذلك الحوار كان حدَثًا مهمًا بين رمزين أحدهما ديني والآخر علماني، تشاءم “هابرماس” بعد أحداث 11 سبتمبر من إمكانية انتشار هذا المشروع التواصلي ضمن فتح مجالات “الحوار العمومي” اعتبر “هابرماس” ذلك الحدث بأنه أعنف مرحلة تضرب فيها فلسفة التواصل –بحسب “هابرماس” في لقاء معه بعد 11 سبتمبر- والذي شخّصه على أنه “عطب في التواصل”.
هابرماس” ساهم في كتابه الضخم “القول الفلسفي للحداثة” بالتاريخ للمفاهيم وتطورات حركة الفلسفة الغربية، وبخاصةٍ مع منعطفاتها في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، نظرية التواصل جزء من مشروع “هابرماس” الذي يحاول فيها أن يكون وفيًا للجدل الهيغلي وللصرامة الكانطية، وأن يعتبر المشروع “مابعد الحداثي” هو جزء من الحداثة التي لم تكتمل، مفرقًا بين نقد العقل ونقد الفهم، أسهم بكتبه حول الحداثة وخطابها السياسي، وعن هيدغر، وفي العلم والتقنية كأيديولوجيا، ونحو نسالة ليبرالية، في فتح أسئلة كبرى هي موضع شغلٍ في ورش الفلسفة التي يعد “هابرماس” أبرز رموزها الأحياء، امتاز نص “هابرماس” بالصرامة المنهجية، والتسلسل المفهومي. تلك فكرة موجزة عن نظرية التواصل لدى “هابرماس” والتي شرحت بأقلام عربية على رأسها عمر مهيبل، وإسماعيل المصدق، وعصام عبدالله وآخرون.

كاتب وباحث سعودي، عضو مؤسس لحلقة الرياض الفلسفية


الفن: الحقيقة والجمال

مدخل إشكالي
في دواعي طرح المشكل:
 ـ مسألة الحقيقة مسألة منطقية علمية عقلية كّلية.
 ـ مسألة الجمال مسألة ذوقية فنّية إحساسية شخصية.
ـ مسألة الحقيقة جدية صارمة جديرة بالاهتمام.
ـ مسالة الجمال خفيفة لعبية ثانوية.
   ç تنافر بين القيمتين من جهة: المجال و معايير الحكم.
  çالتساؤل عن وجاهة الجمع بين هذا الزوج المفهومي: الجمال والحقيقة
بناء المشكل
على أي نحو يمكن التفكير في التجربة الفنّية و أيّة وجاهة تبرّر مقاربتها من جهة العلاقة بين الجمال و الحقيقة ؟ وهل تستوفي المقاربة الإستيتيقية كلّ أبعاد هذه التجربة ؟ ألا يدعونا تنزيل البعد الجمالي ضمن كونية التجربة الإنسانية إلى التفكير في الجمال على نحو إيتيقي ؟
                             I.            المقاربة الميتافيزيقية للجمال:
”إنّ هذه الأعمال [الفنّية] تنتمي إلى المرتبة الثالثة بالنسبة إلى الحقيقة، إنّهم [ الشعراء] لا يخلقون إلاّ أوهاما لا أشياء حقيقية“  أفلاطون، الكتاب المدرسي ص 336
إشكالية الحقيقة: الإشكالية المركزيّة التي إليها تردّ كلّ مباحث الفلسفة الأفلاطونية
 ( الوجودية و المعرفية و الأخلاقية...).
الحقيقة:         * الحقيقة في الوجود هي الثابت // * الحقيقة في المعرفة هي الكلّي.

           ثنائية وجودية:  * عالم المحسوس //  * عالم المعقول
ç
           ثنائية معرفية:  * الوهم // * الحقيقة
النشاط الفنّي:
* طبيعته: يحاكي الطبيعة (مثال السرير)
* قيمته و منزلته:
ـ القيمة الوجودية: أدنى مراتب الوجود لأنّه يحاكي الموجودات الحسّية لا الوجود الحقّç    امتداد للتعالي على الطبيعة وجوديا.
ـ القيمة المعرفية: أدنى مراتب المعرفة لأنّه ينتج صورا و خيالات لا المعرفة الحقّ ç امتداد لمعارضة الحواسّ معرفيّا.
ـ القيمة الأخلاقية: يثير الانفعالات وهي عائق أمام الخير أخلاقيا و أمام العدل سياسيا ç امتداد لمقاومة الرغبة أخلاقيا و سياسيا.
استنتاج:
ـ هيمنة اللوغوس (العقل، النظام، الكلّي) على الإيروس (الخيال و الرغبة و الحساسية و الانفعالات...)
ـ الحكم الأفلاطوني على الفنّ ليس حكما جماليا و إنّما هو محاكمة مدفوعة باعتبارات معرفية و أخلاقية وسياسية.
ç هذه المحاكمة لم تسمح بظهور مجال جمالي يكون مستقلاّ من جهة موضوعه و من جهة معايير الحكم فيه.
فضمن أيّة شروط يمكن أن يتمّ التفكير في الموضوع الجمالي و القيمة الجمالية في استقلال عن هيمنة سؤال الحقيقة ؟
                          II.            المقاربة الاستيتيقية للجمال: الأسس و الحدود.
الأنطولوجيا الأفلاطونية (الحقيقة / الوهم)، الرؤية الأسطورية و السحريّة و النظرة المسيحية (المقدّس / المدنّس): عوائق ظهور الجمالي موضوعا و قيمة و رؤية
1 ـ شروط التحرّر من هذه العوائق:
ـ تخلّص الحساسية من هيمنة اللوغوس
ـ تخفيف الطبيعة من كثافة الحضور الديني و السحري و الماورائي
ـ إطلاق الحساسية (العين و الأذن) إنشاء و التقاء بجمالية المرئي
”حين انسحب المريع ظهر الرائع“ دوبري
ç الفنّ ترك المرئي يفصح عن نفسه في الحساسية... جعله يتحدّث عن نفسه لا عن عوالم أخرى.  ç لعلّ هذا ما تعبّر عنه ”النزعة الطبيعية“ في الفنّ الحديث: ” لقد أدّى تبخّر العوالم الخلفية و الأساطيرية
و الدينية إلى توجيه الرؤية نحو الحياة الدنيا. هكذا تمّ النظر لأوّل مرّة و فجأة إلى الأشجار و الوجوه بما هي وكما هي بلا مسبقات ، أي في روعتها الدنيوية ” ريجيس دوبري حياة الصورة و موتها ـ ص 158
2 ـ تكوّن المبحث الجمالي: الإستتيقا
” الاستتيقا هي علم الجمال و هي تبحث في شروط الجمال و معاييره و نظرياته، و في الذوق الفنّي و في أحكام القيمة المتعلّقة بالآثار الفنّية... هي إذن دراسة الانفعال الحاصل عن مشاهدة أثر فنّي و ما يترتّب عنه من أحكام جمالية تعكس ذوقا معيّنا، لهذا يسمّي البعض الاستتيقا بأنّها مبحث ملكة الحكم الجمالي بحيث يتمّ تصنيفها من بين العلوم المعيارية“ الكتاب المدرسي ص: 377
* استتيقا الإبداع الفنّي: العبقرية ” إنّ الفنّ الجميل لا يمكن أن يكون إلاّ نتاجا للعبقرية... العبقرية هي الموهبة التي تعطي القاعدة للفنّ ” كانط، الكتاب المدرسي. ص: 392
العبقرية:
ـ موهبة طبيعية تبدع ما لا قاعدة له وما لا يُتعلّم
ـ الأصالة خاصيّتها الأولى
ـ الإبداع روحها
ـ الإلهام مصدر ما تنتجه من آثار فنّية
ç التجربة الجمالية تجربة ذاتية إبداعية مستقلّة
* استتيقا الحكم الجمالي: الذوق ” الذوق هو ملكة الحكم الجمالي ” كانط
ضرورة تمييز الحكم الجمالي عن: * مقولات الذهن / * أوامر العقل العملي
” فالمرء يسمّي ملائما ما يرضيه، و جميلا ما يسرّه، و خيرا ما يقدّره أي ما يعزو إليه قيمة موضوعية... ويمكن القول إنّه من بين هذه الأنواع الثلاثة من الإرضاء فإنّ رضا الذوق بالجمال هو وحده الرضا النزيه و الحرّ، إذ لا تحمل على الرضا به أيّة مصلحة سواء مصلحة الحسّ أو مصلحة العقل ” كانط، الكتاب المدرسي ص: 332
ç الحكم الجمالي ذاتي مستقلّ كلّي و ضروري ”لاعتبارات ذاتية خالصة (...) أي غير قابل للتحديد بمفاهيم“
3 ـ حدود المقاربة الاستيتيقية
سيطرة مفهوم الحقيقة بالمعنى الوضعي (الموضوعية، التكميم) على المقاربة الاستيتيقية قد يغرقها في نزعة تقنوية، من مظاهرها:
ـ  مقاربة كمّية يغدو فيها الجمال بعدا قابلا للقيس
ـ مقاربة اختزالية ترجع الجمال إلى معايير معطاة سلفا
ـ مقاربة نقدية تبحث خارج الأثر عمّا تفسّره به
ç ضياع الجمال في ما ليس منه
                      III.            نحو استتيقا فلسفية:
لعلّ استنقاذ الجمال من مخاطر النزعة التقنوية العلموية التي نمّطت الإبداع الجمالي إنّما يكون باستئناف مقاربته لا على جهة ما هو موضوعي فيه، و إنّما على جهة ما فيه من أبعاد الحضور و التدفّق شعورا و معنى و حياة. ألا يكون ذلك من مهامّ فلسفة جديدة في الفنّ تأخذ الجمال و تنزّله ضمن أبعاد التجربة الانسانية كلّها ؟
1 ـ الجمال تمظهر للفكرة الكلّية:
” عندما نقول إنّ الجمال فكرة، نقصد بذلك أنّ الجمال و الحقيقة شيء واحد“ هيغل، الكتاب المدرسي ص: 328
ـ الروح و هو يتعقّل ذاته سعيا إلى إدراك حقيقته يتمظّهر في العالم عبر أشكال وعي كالفنّ و الدين و الفلسفة، تتقدّم تدريجيا من الحسّي إلى العقلاني.
ـ الفنّ هو التمظهر الحسّي لحركة تحقّق الروح في التاريخ و تعقّلها لذاتها
ç الحقيقة جوهر الفنّ موضوعا و غاية
2 ـ الجمال انكشاف لحقيقة الوجود
” ما الذي يتمّ عمله في العمل الفنّي، إنّه انفتاح الموجود على وجوده. هو حدوث الحقيقة ” هايدقير
” جوهر الفنّ وضع حقيقة الموجود نفسها في العمل الفنّي ” هايدقير، الكتاب المدرسي. ص: 345
ـ حقيقة الوجود شبيهة بالنور الذي تصعب رؤيته في ذاته. إنّها لا تسمح بالاقتراب منها إلاّ في محايثتها للموجود إذ هي تضيء الموجود، و الوجود يلقي بنا بهذه الإنارة في المنفتح: التاريخاني.
ـ ظهور الوجود في الموجود لغة منتشرة على الفنّان الإصغاء إلى هديرها: الأشياء تستجمع قوّة أساسية بها يأتي الوجود صوبنا و ينكشف. هذه الحقيقة تمتنع على الدراسة الموضوعية، حقيقة تريد أن تتكلّم و أن تعلن عن نفسها بشكل شعري ينهض على نوع من الإنصات. الإنصات إلى نداء الوجود هو العمل الفنّي.
ـ هذا الانكشاف الذي يحصل للامرئي ليتجلّى في المرئي هو الجمال أو الحقيقة في أبهى صورة شعرية.
ـ من بين ما يمكن أن يقرّبنا من ماهية الحقيقة بوصفها انكشافا هي التجربة الفنّية.
ـ مصدر العمل الفنّي منهل لا مرئي على الرغم من أنّه قوّة كاشفة، و حقيقة هذا المنهل هي حقيقة الوجود ذاتها أي الحقيقة المحايثة للموجود الذي يمثّل المرئي و أشياءه.
ç الفنّ هو الحقيقة انكشافا و حضورا.
3 ـ الجمال تعبير عن حقيقة الذات
” الفنّ و التاريخ، أقوى أداتين تعينان على البحث في الطبيعة الإنسانية... ولكي نجد الإنسان لا بدّ من أن نذهب إلى الشعراء العظام، إلى الكتّاب التراجيديين أمثال شكسبير، و الكوميديين أمثال سرفنتاس، و إلى القصّاصين المحدثين أمثال بلزاك و فلوبير و دستوفسكي. ليس الشعر محض محاكاة للطبيعة. الشعر و التاريخ هما قانون معرفتنا الذاتية“ كاسيرر، مقال في الإنسان. ص: 347
- الفنّ هو من ضمن الأشكال الرمزية كالدين و العلم و الفلسفة و الأسطورة التي ينشئ عبرها الإنسان المعنى و الدلالة.
ç في الفنّ تتمثّل الذات ذاتها
4 ـ الجمال حدس لحقيقة الواقع
” ليس من هدف للفنّ إلاّ استبعاد كلّ ما يحجب عنّا الحقيقة و الواقع لكي نكون وجها لوجه مع الواقع بالذات ” برقسون، الكتاب المدرسي. ص: 365
ـ نعيش محكومين بمواضعات اجتماعية / لغوية / قيمية / حسّية / ذهنية ذات أغراض نفعية لا ترينا الواقع كما هو في ديمومته واتّصاله بل في حدود ما تسمح به حاجات تلك المواضعة، و من ثمّت فكلّ فهم أو تعقّل أو تعبير أو حكم لا يقول الحقيقة الأصلية للواقع.
ـ الفنّ يخترق كلّ تلك المواضعات لينفذ في شكل حدس إلى المحتوى العميق و الأصيل للعالم و للذات.
ç الفنّ رؤية تتّصل خلالها روح الفنّان بالحقيقة: الديمومة
5 ـ الجمال تجربة معنى
” إن المصوّر ينبغي أن يخترقه العالم لا أن يخترق هو العالم.. إنّي أنتظر أن أكون مغمورا داخليا و مدفونا، إنّني أصوّر لكي أبزغ. إنّ ما نسمّيه شهيقا إلهاما ينبغي أن يؤخذ بالمعنى الحرفي: فهناك حقيقة شهيق و زفير للوجود، هناك تنفّس في الوجود، هناك فعل و انفعال لا يمكن تمييزهما بحيث لا نعود نعرف من الذي يرى ومن الذي يرى“ الكتاب المدرسي. ص: 349
ـ  التجربة الفنّية انقطاع عن ـ النظرة اليوميّة الأداتية النفعية للعالم
ـ  النظرة العلمية الموضوعية التقنية
ـ التجربة الفنّية توحّد الذاتي بالموضوعي بالمعنى الإحيائي
ç النظرة الفنّية تمعين للعالم
                      IV.            نحو مقاربة ايتيقية للجمال:
و لكن... ألا يدلّ ذلك على أنّ الجمال قد يكون كيفيّة ما للوجود و للحياة ؟ ألا يدعو ذلك إلى مقاربة الجمالي، لا ضمن العلاقة بالحقيقة داخل الاستعادة الفلسفية للجمالي، و لكن ضمن أفق مغاير هو أفق الحياة ؟
فأي حياة تلك التي يدعونا إليها الجمال ؟ و كيف يمكن للجمالي أن يكون هو الحياة على نحو ما ؟
1 ـ الجمال إقبال على الحياة
”لقد علّمنا الفنّ على مدى آلاف السنين أن ننظر إلى الحياة وإلى كلّ شكل من أشكالها باهتمام ومتعة وأن نستدرج أحاسيسنا هذه إلى الحدّ الذي تصرخ فيه: أيّا تكن هذه الحياة فهي جميلة " نتشه، الكتاب المدرسي. ص: 357
” الفنّ لعب و رمز و احتفال ” غادامير، حقيقة و منهج ص: 347
ـ في مقابل الحقيقة التي تنمّط و تموضع و تشيّء الوجود، لنا الجمال الذي يعيد تسريح ما تعطّل من ذواتنا وإحياء الحيوي فينا بعد إذ جمّدته العقلانية.
ـ الفنّ هو ما وراء الخير و الشرّ، براءة و شراهة وجود.
ç الجمال ليس فقط أثرا أو عملا بل هو كيفية وجود: حرّية، إقبال، امتلاء، انتشاء ( ديونيزوس، زارادشت، زوربا.. )
2 ـ الجمال رمز أخلاقي
” على الفنّان أن يسعى إلى ابداع المثال بعد التوفيق بين الممكن و الضروري“  شيلر، الكتاب المدرسي. ص: 363
ـ وصل بين الجميل و الخير(اشتراك المعايير الجمالية و الأخلاقية: الحسن / القبيح، التجمّل)
ـ الجميل تهذيب للطبيعة الانسانية يرقى بها إلى مستوى الأخلاقية السامية (التطهّر).. الجمال إذ يؤهّلنا للجلال.
ـ الجميل يطرد من الروح النزعات المعادية للمثل الأعلى للإنسانية فيؤهّل الفرد إلى الامتثال طوعا إلى الواجب الأخلاقي.
ç الجمال تربية للجنس البشري
3 ـ الجمال تحرّر و وعد بالسّعادة.
” إنّ صفات الفنّ الجذرية، أي وضع الواقع القائم موضع اتّهام و استحضار صورة جميلة للحياة، ترتكز تحديدا على الأبعاد التي بها يتجاوز الفنّ تعيينه الاجتماعي و ينعتق من عالم القول و السلوك المتواضع عليهما... ويفضي المنطق الداخلي للفنّ إلى بزوغ عقلانية و حساسية مغايرتين تتحدّيان العقلانية و الحساسية المندمجتين بالمؤسّسات الاجتماعية السائدة“ ماركوز، البعد الجمالي. ص: 18
ـ كلّ حضارة هي ذات أساس قمعي يتمثّل في التنظيم العقلاني و الأخلاقي للرغبة و الانفعالات.
ـ قمع الحضارة المعاصرة يتمثّل في سيطرة مبدأ النجاعة و المردودية على كلّ أبعاد الحياة الإنسانية:  الإنسان ذو البعد الواحد
ـ هيمنة مبدأ النجاعة أنتج ”ذاتا بلا أفق“ مطلبها الوحيد استهلاك واتّباعية نمطية.
ـ تسعى النزعة التقنوية إلى تبضيع منتجات الفنّ و استيعابها ضمن ذهنية الاستهلاك.
ç ـ الخيال الفنّي لا يمكن تنميطه و مأسسته.
    ـ الخيال و البعد الجمالي هما أداتا نفي في صلب الحضارة القمعية قادران على تحرير الإنسان من سطحيّة النزعة التقنويّة و هيمنة مبدأ النجاعة.
4 ـ الجمال انفتاح على الكوني
” إنّ الانسان بحاجة إلى أن يكون أكثر ممّا هو، فهو بحاجة إلى أن يكون إنسانا كلّيا، و هو لا يكتفي بأن يكون فردا منعزلا، و هو من خلال سأمه الذي يشكّل الطابع الجزئي لحياته الفردية يطمح إلى الخروج نحو كلّية يرجوها و يطلبها، إلى كلّية الحياة، و يسعى إلى عالم أكثر وضوحا و عدلا، إلى عالم يكون له معنى. إنّه يثور على فكرة فنائه داخل وجوده المحدود و ضمن الحدود العابرة
و العارضة لشخصيته الخاصّة. هو يريد التوجّه إلى شيء ما أكثر من مجرّد الأنا، و أن يوحّد هذه الأنا المحدودة بوجود جماعي عن طريق الفنّ.“ فيشر، الكتاب المدرسي. ص: 362
استنتاجات
ـ خضوع العين لسطوة الفكرة أو الاعتقاد يمنعها من أن ترى، و إذا رأت فلا ترى جمالا بل رمزا أو مجازا أو إيحاء يجعل المرئي إشارة إلى عوالم أخرى.
ـ لا تولد النظرة الجمالية للعالم إلاّ حين تتحرّر العين من إرادة الالحاق و الإرجاع، و لكي ترى جماليا فلا بدّ من ابتعاد ما عن الحقيقة بالمعنى الذي تكون فيه الحقيقة إلغاء للرؤية و إمكانها.
ـ استقلالية الجمالي عن الاعتبارات الدينية و المنطقية و الأخلاقية يسمح بظهور مبحث موضوعه ذلك الاحساس الفريد بالجمال مقصودا لذاته، و ذلك المبحث هو الاستتيقا.
ـ المبحث الجمالي ينظر في الجمال بمعزل عن المعرفي و الأخلاقي و الحرفي، أي الحقيقة و الخير و النافع لكي لا يبقي في ذلك الإحساس إلاّ على السرور الناتج عن المتعة النزيهة و الحرّة.
ـ مع المبحث الجمالي نفهم أنّ الجمالية إبداع حرّ أساسها العبقرية، و أن تقبّل الأثر الفنّي استمتاع أساسه حكم ذوقي متحرّر من المنفعة.
ـ سيطرة التصوّر الوضعي للحقيقة على المقاربة الاستيتيقية قد يؤول بها إلى نزعة تنميطية من آثارها تغييب الجمالي في الأثر.
ـ ذلك ما يدعو إلى مقاربة فلسفية للفنّ تستعيد فيه أبعاده الحقّ: انكشاف الذات و الوجود، انعطاء معنى العالم.
ـ فلسفة الفنّ تسمح بنقل الجمال من مجال الإبداع إلى رحابة الحياة حيث يغدو موصولا ببعد إيتيقي يفتح على الكوني: الجمال
كيفية حياة و فنّ وجود: إقبال على الحياة، رمز أخلاقي، تحرّر و وعد بالسّعادة، توحّد بالكوني...