السبت، 7 ديسمبر 2013

هيدجر والبحث عن أصالة الذات : من دكتاتورية الهم إلى تحليلية الدازاين لزهير الخويلدي

هيدجر والبحث عن أصالة الذات : من دكتاتورية الهم إلى تحليلية الدازاين


"إن كل عصر راهن يجب أن يحدد من جديد موقعه طبقا لعمل هيدجر أو موقفه منه. ويستوجب على كل مفكر معاصر ساهم هو نفسه في تطوير سؤال هيدجر الفلسفي ونشره أن لا يحدد فقط موقع تفكير هيدجر في الفلسفة الراهنة بل عليه أيضا أن يحدد وجهة نظره منه" 
استهلال: 
لم يغب مارتن هيدجر( 1889-1976) لحظة واحدة عن دائرة الاهتمام في الحياة الفلسفية والفكرية منذ مغادرته العالم، إذ أن الفكر المعاصر ظل مشغولا بما طرحه من إشكاليات وقضايا وجودية إنسانية كبرى وبما رسمه من آفاق للعلاقة بين مختلف رؤى العالم ويعود ذلك خاصة للثورة الكوبرنيكية التي أحدثها في سماء النظر التعقلي إلى عالم الحياة عندما تساءل عن أصل الأثر الفني وحقيقة الفرق الأنطولوجي بين الموجودات والوجود وبحث عن كينونة الموجود البشري وعلاقته بالهم On وعندما ربط بين الفكر والشعر وبين الميتافيزيقا والتقنية وبين الوجود والعدم ولذلك ترجمت نصوصه إلى عدة لغات في العالم وصار تلامذته فلاسفة كبار على غرار غادامير وجوناس وحنا أرندت وليفيناس وكارل لويث وليفيناس وبول ريكور وصار مشروعه الفنومنولوجي الأنطولوجي هو مشروع العقلانية النقدية المعاصرة التي جعلت من فلسفة اللغة باراديغمها الأكبر. 
غير أن الكتابة عن هيدجر ليست بالأمر الهين والمقدور عليه من أي كان وذلك للشعاب الوعرة التي سلكها عبر رحلته الفكرية والدقة العالية التي طرح بها اشكاليتها وعسر الكتابة عن هيدجر اعترض تلامذته المباشرين فما بالك الذين لم يروه ولم يدرسوا عنده والذين يجهلون لغته ولا يشاركونه هموم ثقافته، ولعل غادامير هو واحد من هؤلاء الذين عبروا عن عظمة فيلسوف كاتب "الوجود والزمان" وغموض عبارته واشتباك العلاقة التي تجمع به وتعقدها .
في هذا السياق نجد المترجم إلى الانجليزية دينيس جي شمدت يصرح:" على الرغم من المتعة التي يجتنيها المرء من الكتابة عن معلمه إلا أنها كانت كتابة ذات صعوبة خاصة. والصعوبة جلية: فحين يكتب المرء عن شخص تمتد جذور تأثيره إلى سنوات التكون – وهي سنوات لا يغادرها المرء إطلاقا- فانه يدون ورطة غريبة ودينا لا يوفى أبدا.وفي هذه الحالة تصطبغ حالة المؤول الهرمينوتيقية بحدة فريدة عندما يعلم أن كتابة نص كهذا تقتضي إلى حد بعيد مع الذات مع أنها تتوسل غيرا. فعندما يكتب غادامير عن معلمه هيدجر تزداد رهانات هذا الاشتباك وتصبح أعقد مع ذلك بفضل التأثير الذي كان قد تركه كل واحد منهما على تلك السنوات والذي يمتد إلى خارج الفلسفة أيضا...حينما يلتفت غادامير للكتابة عن هيدجر فانه لا يشرح فقط بعض السبل التي سلكها فكر هيدجر إنما يواجه بطريقة هادئة وشخصية نفسه ونمو علاقته بهيدجر. " 
إلا أن هيدجر في عيون بعض النقاد فيلسوف المنعطفات الحاسمة بالنسبة للفكر المختلف ما بعد الميتافيزيقي ويعد لفظ المنعطف kehre من أكثر الألفاظ استخداما من طرف هذا الفيلسوف الألماني في مرحلته الحاسمة بعد الحرب العالمية الثانية، وما يلفت الانتباه أن هيدجر أراد بهذه الكلمة أكثر من مجرد مصطلح حيث تعامل معه كحركة يتجاوز بها الفكر الموجودات إلى الإنصات إلى صوت الوجود المتكتم. كما أنه لا يرتكز على إحداث قطيعة معرفية بين الماضي المبتذل والحاضر العلمي بل هو دائرة تأويلية نعود بها دوما على بدء وارتقاء بالفكر نحو الوجوداني existantial التاريخانيhistorial داخل تجربة الحدثانEreignis بوصفها إمكانية مفتوحة لحظة صعود التقنية على زمانية وجود في انسحابه وانبساطه وفي تخفيه وانكشافه. 
من هنا تنهمر علينا الأسئلة التالية:ما المقصود بالمنعطف؟ وماذا حصل للناس حتى وقعوا تحت سلطان الهم وأخضعوا أنفسهم لهيمنة النحن؟ وماذا نعني بالدازاين؟ ولماذا تظل هذه الكلمة غير قابلة للترجمة إلى العربية والى أية لغة أخرى؟ كيف ساهم المنعطف في السفر بالإنية من وضع الهم إلى منزلة الدازاين؟ وهل يعد هيدجر فيلسوف الغيرية بالمعنى الحقيقي للكلمة ؟ وماهو تصوره للوجود المغاير؟ هل هو مجرد وجود مع Mitsein أم وجود هنا مع Mitdasein ؟ والى أي مدى يقتدر الدازاين على إثبات الإنية والنهوض بمطلب إضفاء المعنى على العالم الذي يحيا فيه؟ كيف أدى تشييده للأنطولوجيا الأساسية إلى التخلي عن كل انهمام إتيقي؟ وهل يلزم عن ذلك إسقاط كل رأي في السياسة من طرفه؟ لكن ما سر علاقته بالدعاية النازية وتبجيله من طرف النظام السياسي في عصره وتحميله مسؤوليات جامعية مرموقة؟ ولماذا سكت عن هيدجر عن استئناف النظر في المسألة اليهودية؟ وهل بالفعل ترتب عن سكوته عن جرائم النظام النازي التصاق تهمة معاداة السامية به ؟
ماهو في ميزان الفكر عند العرب وما يمكن الاستفادة منه هو تحطيم الفكر الميتافيزيقي والذاتية المنغلقة على الوعي والاهتمام بالبعد اللغوي للوجود الإنساني وإعادة الاعتبار للتراث والفهم القبلي من أجل القيام بتأويل وجودي يحقق المصالحة مع عين الذات ويؤثث إقامة رحبة في العالم خارج لغة المفاهيم المجردة ومقولات المنطق الجامدة. غير أن السؤال الذي يطرح بادئ ذي بدء هنا هو: ماذا ترتب عن هذا المنعطف في تصور هيدجر للإنسان ؟
1- المنعطف:
"مازال هيدجر هنا يفكر أيضا بموجب الوجود الإنساني أو الدازاين بقدر ما أن التغير الكامن الذي تخضع له الأنطولوجيا الأساسية كتحليل للدازاين( عندما يعتبر تحليلا زمانيا) يدعى "منعطفا"." 
رحلة هيدجر من الفنومنولوجيا إلى الأنطولوجيا توجت بقيامه بمنعطف توجه بمقتضاه بعد سنة 1946 إلى التعليق في قسم كبير من مجهوده على الفلاسفة والشعراء بالاعتماد على منهج فنومنولوجي صريح وبالتساؤل عن حقيقة الوجود من خلال تجلياته بعد أن حاول البحث عن معناه من خلال سائله الإنسي. في الواقع لقد خط هيدجر طريقه في الفنومنولوجيا يوم قرأ البحوث المنطقية وخاصة البحث السادس لهوسرل الذي تأثر فيه بفكر الظاهرة كانعطاء والحدس المقولي لهوسرل المثالي وقد تدرب أيضا مع أرسطو من خلال مقال برنتانو : "في تعدد تصورات الوجود عند أرسطو 1862" وقد أعجب بقولة أرسطو الموجودة في كتاب الميتافيزيقا:" الوجود يقال على أنحاء عدة" ورأى أن هذه المعاني هي الوجود بالقوة وبالفعل، الوجود صادق وكاذب، والوجود بالذات وبالعرض، والوجود حسب المقولات. 
هكذا قرأ هوسرل من خلال أفق مشكل تعدد معاني الوجود المعلنة من طرف أرسطو، هذا التعدد يمكن تأكيده عبر الاختلاف عند هوسرل بين الحدس الحسي والحدس المقولي. لقد مكنته فنومنولوجيا هوسرل من إعادة اكتشاف الطابع الجوهري للفكر الإغريقي ولم يتأثر بتوجهه المثالي الذي ظل غريبا عنه. يستعمل هيدجر المعنى الإغريقي للفنومنولوجيا الذي يتكون: logos وphainomenon قصد التمييز بين الظاهرة وظهورها: إذ نحن نتحدث عن الظهور عندما يعلن شيئا ما عن نفسه من خلال شيء آخر وذلك بأن يظهر هو بينما يظل ذلك الشيء في حالة انسحاب. أما الظاهرة فهي تظهر بذاتها ولا تحتاج إلى شيء آخر لتظهر. هنا ينبغي التفريق بين المعنى الصوري للظاهرة والمعنى الفنومنولوجي. إن مواضيع الحدس الحسي التي هي ظواهر بالمعنى الشائع المتداول وأشكال الحدس التي تسبق وتصاحب الظاهرة هي ظواهر الفنومنولوجيا.
يستقر مفهوم الفنومنولوجيا من خلال امتحان لفظ logos وتفيد المعنى العادي للفظ الكلام والحقل والعلاقة أما المعنى الأصلي للغوس فهو "الذي يسمح برؤية ما يجعل الكلام مسموعا". إذا كان الفكر يتكون من حكم يضم محمولا إلى موضوع في صيغة أ هي ب فان هذا يسمح برؤية شيء ما على أنه شيء يظهر. ويؤدي هذا إلى تغيير في مفهوم الحقيقة فهي لم تعد تطابق وتوافق بل انكشاف ولاتحجب Aléthéia .
يرفض هيدجر في "الوجود والزمان" أن تكون الفنومنولوجيا مذهبا أو نسقا فلسفيا ويعتبرها منهجا وخطة عمل أي " فعل الإظهار الذي يسمح بظهور ما يريد أن يظهر بنفسه" وما يقع إظهاره هو هذا العمق أي وجود الموجود وليس هذا الموجود أو ذاك وإذا عنينا بالأنطولوجيا الكلام المباشر حول الوجود فإنها ليست ممكنة إلا بوصفها فنومنولوجيا، هنا يفهم رأي هيدجر حول الكيفية التي كانت بها الفنومنولوجيا طريق عبور جديدة إلى السؤال الأرسطي حول تعدد معاني الوجود. لكن لماذا عمدت هذا الأنطولوجيا المباشرة إلى التفريق بين الوجود والموجود؟
"الوجود هو الثيمة الحقيقية والفريدة للفلسفة.وهذا ما يؤدي إلى القول بالسلب: ليست الفلسفة علم بالموجود بل علم الوجود أو أيضا لكي نتكلم بالإغريقية: إنها أنطولوجيا ."
يشير هيدجر إلى أن الشجرة والسيارة وبلد من البلدان كلها موجودات ولكن الفعل الذي تكون به هذه الأشياء موجودة هو الوجود وبالتالي إذا كان الموجود يشير إلى الأشياء فان الوجود يشير إلى معناها. من هذا المنطلق فان الفرق بين الوجود والموجودات هو فرق أنطيقوأنطولوجي أي أن كل ما يرتبط بالموجود فهو أنطي وكل ما يرتبط بوجود الموجودات فهو أنطولوجي.
يفسر هيدجر هذه الفكرة في "مدخل إلى الميتافيزيقا" من خلال ضربها لمثال المعهد الذي يراه متعلقا بموجود يمكن الإحاطة به والعرف عليه من خلال القاعات والتجهيزات والمخابر والمدارج ولكن إذا طرحنا سؤال أين يوجد وجود المعهد؟ فان الإجابة تتمثل في أن هذا المعهد موجود أي أن الوجود ينتمي إلى الموجود ولكننا لا نستطيع بلوغه. إن المشكل الذي يرغب هيدجر في طرحه هو مشكل الوجود، لكن ماذا ستغنم الفلسفة من البحث عن مفهوم معروف من قبل الجميع وبديهي؟
اللافت للنظر أن لفظ الوجود هو في الآن نفسه الأكثر عمومية والأكثر استعصاء عن التعريف، وإذا ما عزفنا عن استعمال الرابطة est فإننا نعجز عن تركيب أية جملة وعن تكوين أي خطاب وإذا ما أشكل علينا لفظ الوجود فانه يتعذر علينا فهم الموجود سلفا من جهة كونه موجود. لكن أن نطرح السؤال عن معنى الوجود هو أن نعمق اللقاء معه بشكل يجعلنا نكون في جوهرنا كائنات متكلمة. 
هنا يظهر دور هرمينوتيقي يتمثل في أن ما نفكر فيه هو مفهوم سلفا وكأنه أمر لا يلزم التفكير فيه لكن الأمر لا يتعلق بدور فارغ وعقيم بل التفكير ذاته خارج الدور لا يكون تفكيرا. ينكشف الوجود لنا إذن في طابعه المفارق، انه الأكثر معقولية بما أننا لا نفهم أي شيء إلا إذا كان لنا فهم ضمني لفعل وجد أو للرابطة est، في هذا السياق يصرح هيدجر:" لو طلب منا توضيح ما نفهمه بهذا الوجود المعاد فهمه أي ما نفكر فيه بلفظ وجود فإننا نقع في التيه".
إن فهم الوجود هو الخاصية التي تميز الإنسان عن بقية الموجودات ولكن الإنسان عادة يهتم جوهريا وأساسيا بماهو موجود أي الأشياء والأمكنة والناس والحياة اليومية بشكل يجعله ينسى الوجود ولا يتذكر ولا ينشغل بالوجود رغم أنه يمتلك فهما قبليا له. يبدأ كتاب "الوجود والزمان" بالإقرار بأن السؤال عن الوجود سقط في النسيان: نسيان الواقعة من طرف الفلاسفة الذين لم يعودوا يهتمون بمعنى الوجود ونسيان بنيوي لأن السؤال عن الوجود يؤثر الانسحاب والتخفي ويفضل أن يكون منسيا على التجلي والانطراح.
إن العلم الذي يهتم بالوجود هو الأنطولوجيا التي تظل عند هيدجر مشروعا في حاجة إلى إعادة تشغيل واستئناف ثان بعد البدء الأول فكيف سيتعامل هيدجر مع الأنطولوجيا التقليدية؟ هل سيستوعبها ويتجاوزها في حركة جدلية كما يفعل هيجل أم أنه سيقوم بتفكيكها وتحطيمها من أجل أن يخلى المكان لظهر قول مستحدث عن الوجود؟
على هذا النحو تكون الأنطولوجيا هي علم التحديدات الأكثر عمومية لماهو موجود وتتساءل عن العلاقات الممكنة بين الموجودات وتنظر إليهم من خلال معرفة قبلية وكمواضيع للتجربة. هنا يحاول هيدجر تأسيس أنطولوجيا أساسية مباشرة على أنقاض الأنطولوجيا القديمة ويبحث عن حقيقة الوجود عوض التساؤل عن حقيقة الموجودات ويرى أن الأنطولوجيات المادية والصورية ظلت تمتحن الموجود على أنه كل الوجود، لكن كيف نقدر رغم كل شيء على الوصول إلى الوجود وقول بعض الشيء عنه؟
على هذا النحو تكون الأنطولوجيا هي علم التحديدات الأكثر عمومية لماهو موجود وتتساءل عن العلاقات الممكنة بين الموجودات وتنظر إليهم من خلال معرفة قبلية وكمواضيع للتجربة. هنا يحاول هيدجر تأسيس أنطولوجيا أساسية مباشرة على أنقاض الأنطولوجيا القديمة ويبحث عن حقيقة الوجود عوض التساؤل عن حقيقة الموجودات ويرى أن الأنطولوجيات المادية والصورية ظلت تمتحن الموجود على أنه كل الوجود، لكن كيف نقدر رغم كل شيء على الوصول إلى الوجود وقول بعض الشيء عنه؟
نحن نعلم أن الموجود الذي نكونه يقيم علاقة أولية مفضلة مع الوجود حيث ما فتئ يتفهمه ويقرأه وهذا الفهم هو الذي يسمح له بطرح سؤال ما الوجود؟، يترتب عن ذلك أن الإنسان يتمتع بأولوية أنطولوجية بالمقارنة مع بقية الموجودات تؤهله للتساؤل عن معنى الوجود وأن انجاز تحليلية لهذا الموجود الأولي ربما ترشدنا قليلا على عين الوجود. هكذا فان الأنطولوجيا الأساسية لا يمكن أن تكون ممكنة إلا كتحليل للوجود البشري في كل أبعاده أي كتحليلية وجودانية. 
غير أن هيدجر يقوم هنا بحركة فكرية جديدة في منتصف حياته الفكرية اقترب فيها من الكلام والشعر وبحث في ماهية التقنية وأصل العمل الفني سميت بالمنعطف، فماذا يقصد بذلك؟ ولماذا تبنى هذه الإستراتيجية المباغتة ولم يكمل بقية أجزاء وفصول كتابه الشهير "الوجود والزمان" الذي ظل مخروما من آخرته؟ والى ماذا أوصله هذا المسلك؟
ظهر مصطلح kehre سنة 1928 في أخر درس ألقاه هيدجر من دروس ماربورغ لكي يشير به إلى تحليلية زمانية الوجود والتي تمثل ملحقا للتحليلية الوجودانية existantiale. لقد أنجز هيدجر عن طريق هذا المصطلح تجذيرا لفكرة التناهي التي لم تبق محصورة في الدازاين بل اتسعت لتشمل الوجود بماهو كذلك، وقد مكنه أيضا من تفادي النظر إلى الوجود من زاوية مرتبة الموضوع والتفكير فيه من خلال انسحابه الجوهري وقدرته على التخفي والاحتجاب. 
كما سمح له بأن يتصور ماهية الحقيقة كلاتحجب Aléthéia وأن يصوغ سؤال جديد عن الوجود هو سؤال المعنى بدل سؤال الحقيقة ، وربما الذي دفعه إلى ذلك هو جعل الوجود موضوعا وتصوره بمقتضى قابليته للإدراك وهو ما سمي بتشيء الوجود، يقول غادامير في هذا السياق:"هنا يمكن تلمس إشكالية تشيؤ الوجود كإشكالية قادت هيدجر إلى إحداث منعطف" .
إن التفكير في الوجود بعد المنعطف صار يعني فهم الوجود في شدته ولزوميته وقد استلف شعرية هودرلين ونيتشه وفكروية ما قبل السقراطيين من أجل الانعطاف عن الميتافيزيقا. هكذا يفتح المنعطف الطريق للمرور من دكتاتورية الهم إلى تحليلية الدازاين ومن سؤال ما الإنسان إلى سؤال من هو الإنسان؟ ومن الميتافيزيقا إلى البدء الجديد الآخر للفكر، إن هذا لا يعني المنعطف تغييرا في وجهة النظر الأولى بل استعادة السؤال عن الوجود بعد النسيان الذي أحاط به نتيجة صعود التقنية وإهمال الإنسان المعول على الإشهار والطامح إلى السيطرة على الموجود لوجوده الأصيل.
إن الفكر المختلف ليس له من سبيل للخلاص من الميتافيزيقا سوى استدعاء الشعر والشعراء فهم وحدهم القادرين على بلورة تسمية جديدة للمقدس وللإلهي خارج إطار الأنتو-تيولوجيا، ألم يقل هودرلين:" حيث هناك الألم هناك أيضا ما يخلصنا منه"؟ لكن إذا كان المنعطف هو انتقال من دكتاتورية الهم إلى تحليلية الدازاين؟ فماذا نعني بالهم ؟ وكيف يوقع الناس في الدكتاتورية والوجد العرضي والانبتات واللاأصالة؟ وما الفرق بين وجود الإنسان في حالة الهم ووجوده في مرتبة الدازاين؟ وكيف يتم الانعطاف من الأول إلى الثاني؟ وماهي أهمية هذا المنعطف ورهاناته؟
2- تحليلية الدازاين:
" ينتج مفهوم الدازاين أيضا ذخيرة في إزاحة الإنسان عن مكان المركز. لأن هدف التحليلية ليس بناء أنثربولوجيا جديدة وإنما تتبع الصوت الذي يعد بطرح سؤال الوجود من جديد." 
كلمة Dasein تعني في الألمانية الموجود هناك وتميز هنا هذا الموجود النموذجي الذي يسمح للوجود بماهو موجود أن يوجد. في حين أنها كانت عند كانط تعني مقولة الوجود المناقضة لمقولة اللاوجود وكانت تفيد عند هيجل الحضور المتعين، وقد أفتكت اللفظة مكانة جوهرية في فكر هيدجر ليشير بها إلى الطابع الخاص للوجود البشري وتعود المكانة التي احتلتها إلى انفرادها عن بقية الموجودات بقدرتها على مساءلة الوجود وبذلك تحولت إلى مرجع لكل حضور قصدي. يقول عنه هيدجر ما يلي:"إن هذا الوجود الذي نكونه نحن أنفسنا والذي له بواسطة وجوده من بين أشياء أخرى إمكانية طرح الأسئلة سيشار إليه باسم الدازاين ."
يمكن وصف الدازاين بشكل نفسي وأنطولوجي ومن بين الظواهر التي تختص بها نذكر ظاهرة السأم التي تدل على أن الإنسان يعرف نفسه كموجود عرضي ونشير كذلك إلى ظاهرة الهم التي تدل على أن الوجود الإنساني يتجلى من خلال مشروع يثبت من خلاله الإنسان حريته وعزمه على تأويل العالم.
يختلف الدازاين عن الموجود الملقى به في العالم ، لأن هذا الموجود الأخير هو خاصية الدازاين في حالته الحدثية ووجوده العرضي واللاأصيل بعد رفض كل قصد وكل مشروع وكل تجاوز وكل صدور. أما الحدثية Facticité فتعني نمط وجود الدازاين كموجود داخل العالم لا يمنع من قدرته على فهم علاقته بوجود الموجود الذي يعترضه في العالم وهو يتميز عن العرضانية الخاصة بالموجود لكونه ليس مجرد مقولة وإنما نمط وجوداني.
إن الانفتاح يفتح الدازاين على وجوده الملقى به بشكل يجعله يبحث عن معنى وجوده، إن الدازاين قد ألقي به في العالم دون أن يكون قد قرر ذلك تحت ضغوطات ممكنة. الموجود الملقى به هو بعيد أن يكون مجرد سقوط أو حالة انحطاط بل يخص ظاهرة الولادة وغرابة الدازاين والملقى به في العالم.يقف الدازاين مذهولا أمام هذه الغرابة ويبحث عن ملجأ له بالاندراج في عالم يعمق له غربته وانحداره. الانهمام وحده هو القادر على انتشاله من هذا الاندراج في الحياة اليومية ليميط اللثام عن الصلة بين الموجود الملقى به والمشروع. 
إذا كان الدازاين هو دائما في حركة تدارك لذاته فان الموجود الملقى به يشكله على أنه موجود هناك سلفا وبالرغم عنه. انه لا يكشف له الماضي على أنه حدث ثوري بل على أنه ما لا يمكن تداركه في الوجود." بقدر ماهي التأويلات المتعددة للدازاين غنية والتي نملكها منذ مدة أي- السيكولوجيا، الأنثربولوجيا، الاتيقا، السياسة ، التاريخ الخ- فان هذه التأويلات الوجودية لا تستوعب بالضرورة وجودانية الدازاين أي ما يميزه عن كل كائن آخر. فللدازاين بالأحرى بالطبيعة نزوع لفهم اختلافه بالنسبة للكائنات الأخرى كاختلاف أنطي وليس كاختلاف أنطولوجي." 
إن الدازاين لا يستطيع أن يطرح أساسه الخاص بل يكشف عن أفق التناهي الكائن فيه وانفتاحه الدائم على المستقبل، مثلما لا يختزل الموت في مجرد حدث قادم فان الولادة ليست مجرد حدث له تاريخ. كما يقول هيدجر في الوجود والزمان:" الدازاين هو موجود من أجل الموت منذ أن وجد وهو قد أتى إلى العالم بنفس الكيفية" . إن التحليلية الوجودانية تبحث في الوجودانيات أي التحديدات الأنطولوجية للدازاين الذي يتميز عن المقولات التي تمثل تحديدات أنطولوجية للموجودات الأخرى. إن الدازاين ليس الإنسان إلا إذا كان هذا الأخير المكان الذي ينفتح فيه هذا الموجود المسمى الإنسان على انكشاف معنى الوجود. هكذا لم يعد السؤال مع هيدجر هو :ما الإنسان؟ بل من هو الدازاين؟
الدازاين ليس شكل من الباطنية أو وعي معارض لموضوع أو أنه بخلاف موناد لايبنتز التي لا تحتاج إلى نوافذ طالما أنها تعتمد على مبدئها في داخلها يحتاج إلى نوافذ طالما أنه دائما نافذا إلى الخارج ومقذوفا به خارج ذاته. إن إنيته هي إنية مشتهاة ومفتوحة بعبارة أخرى انية الدازاين هي اشتهائه وانفتاحه. انه لا يحتاج إلى عالم يقابله ويكون مضمون لذاته العارفة طالما أنه موجود في العالم بعمق.
الدازاين هو ترجمة تنهل مما سماه أرسطو النفس psyché خاصة قوله:" إن النفس هي بمعنى ما الموجود". لا يتعلق الأمر هنا بنزعة إحيائية بل بحضور الأشياء كلما حضرنا فيها لاسيما أن حضورنا هو الذي يعطي الأشياء حضورها. إن الدازاين هو كل ما يوجد بمعنى يعطي الحضور للأشياء ولا يكون هناك حضور إلا إذا تحولنا في هذا الهناك للدازاين.
إذا كانت المواضيع مجهولة فلأنها مموضعة من طرف ذات متكونة من موضوعيتها عندما تحصل على الزمانية كشكل من الباطنية. على خلاف ذلك تحوز الأشياء على روح عندما تدخل هي نفسها في الحضور الذي تضفيه الدازاين على مكان تواجدها كشيء. لا يؤسس هيدجر الإنسان على شاكلة النفس عند أرسطو ولا الأنا الحديث عند ديكارت بل على شاكلة الدازاين التي لا تكون الأشياء كمواضيع بل تؤسس الإنسان في الأشياء هناك وتجليها وانكشافها ووجودها في العالم. أن أوجد تحديدا هو أن أوجد في العالم، إذ أن الدازاين ليس البتة موجودا مغلقا على نفسه منذ الوهلة الأولى بل يمتلك صلة بالعالم حسب رغبته. وعلى العكس " إذا أمكن له أن ينعزل ثم يستعيد علاقاته مع العالم فلأنه يكون بوصفه موجودا في العالم". 
إن وجود الدازاين في العالم يجعله يهتم بأشياء العالم إلى درجة نسيانه لاختلافه الجوهري مع هذه الأشياء وإدراك نفسه بواسطة هذا العالم، وكما يقول هيدجر:" إن الوجود في العالم ينجر عنه جهل الدازاين فرادة وجودها" . إن العلاقة التكوينية للدازاين مع العالم ليست البتة نظرية وان شكل وجود الموضوع الذي يعثر عليه الدازاين في العالم ليس أبدا هذا الوجود الحاضر المستوى والمحايد بل الوجود الذي ينعطي لنا كأمر قابل للانخراط بمعنى أو بآخر في مشاريعنا ومقارباتنا. إن الخاصية الأساسية للدازاين هي الفهم بوصفه وجودا في العالم يعرف مجال تحقق إمكانية وجوده هنا أم هناك. إن الدازاين في فهمه لذاته يخرط في فهم الوجود لاسيما وأن فهم الدازاين لذاتها وفهمها لوجودها هما شيئان متضايفان. ويتميز الدازاين بخاصيات الانفتاح والحدثية والسقوط والجزع.
يميز هيدجر بين نوعين من الوجود في العالم: العالمية والانفتاح المتوافق مع عالم الدازاين غير المنغلق على ذاته بل المنفتح الذي يطرح وجوده هناك، يقول في هذا السياق:" إن الدازاين عينه هو الانفتاح في حد ذاته". من بين أنماط الانفتاح يمكن أن نذكر نمط الفهم يظفر بالمعنى عند تناول الموجودات والكلام والإصغاء هما طابعان أساسيان للانفتاح للفهم لأنه عندما أتكلم عن شيء ما يعني ذلك أن أكون بجواره والكلام يحملني إلى مكانه وأنا لا أستطيع أن أتكلم عنه وأصغي إلا إذا كان الموجود مفتوحا بالنسبة إلي حيث أستطيع أن أفهمه. 
انفتاح الدازاين يتمثل أيضا في الانعطائية أي القابلية وهي ليست تحسس بل على العكس ما يفتح عالم المواضيع. إن الموجودات لا تظهر إلي بشكل محايد من الناحية العاطفية لأنه إذا لم تكن معنية بوجودي لا تظهر لي. هناك يمنح الإنسان اسم الفاني وتصبح زمانية الدازاين زمانية متناهية ويصبح الوجود في العالم هو من أجل الموت. إن تحديد الإنسان كدازاين يحل محل التحديد التقليدي لماهية الإنسان كحيوان عاقل وهذا التحديد الجديد يعتبره هيدجر أمرا سيحدث في المستقبل أين يعطى الحدث Erigneis انعطاء جديدا للوجود من حيث هو كذلك. من هذا المنطلق كتب هيدجر كلمة الدازاين Da-Sein بدل Dasein واضعا حدا للهناك من جهة وجوده. إن العلاقة القائمة بين الوجود والإنساني علاقة لا يمسك فيها الوجود من حيث هو وجود نفسه عن الانعطاء ولا يتحفظ عن ذلك. هنا يطرح سؤال الضياع في العالم من طرف الذات على النحو التالي: هل غادر هيدجر أرض الكوجيتو أم أنه أوقع الذات بين أحضان الموقف الطبيعي؟
3- دكتاتورية الهم On :

"ليس من قبيل المصادفة أن تظهر قضية الذات مشتبكة مع قضية الهم: انه يبدو في سياق الاستقصاء حول اليومي أي حول العالم حيث " يكون كل واحد آخر ولا يكون أي آخر هو ذاته( الوجود والزمان ص160) ويصنع هذا الوضع المشوش من الأنا سؤالا وليس معطى:" قد يمكن لمن الدازاين اليومي أن لا يكون ذلك الذي أكونه أنا نفسي"( الوجود والزمان ص146)" .
إذا أردنا أن نعرف حال المرء في الحياة اليومية فإننا نشير على التو إلى وضع الواحد إلى جانب الآخر حيث يخضع كل واحد من الذوات إلى سلطة الآخر وهذا ما يسمى تخلي الإنسان عن ذاته ووقوعه تحت دكتاتورية الهم le on. إن الاهتمام بالفروقات التي تميز الإنسان عن الآخرين قد تجعل منه موضوعا معزولا ولكن الإنسان نفسه والآخرون أنفسهم هم كائنات محايدة بشكل ماهوي حيث تذوب شخصياتهم في غمامة غير مدركة تتيح للهم بأن يفرض سلطته على الجميع : "بحيث نصير نفكر مثلما يفكر الآخرون وننفصل عن مجموع البشر مثلما ينفصلون". وتتجلى سيطرة الهم عبر الدعاية والبروباغاندا والإشهار التي تؤدي كلها إلى شح الوجود وكفافه والتماسف والبينونة والتفدين حيث يعطي الفضاء العمومي كل قرار وكل حكم بشكل مسبق دون أي قدرة على الاختبار أو التمحيص.
الهم le on شخص كل واحد فينا وذات محايدة فارغة من كل تميز وتفرد وهو الفرد الضائع في الحياة اليومية المنشغل بأعباء الواقع وهو تعبير عن حالة الإعياء أصابت الذات التي ملت الميتافيزيقا الحديثة من تمجيدها والافتخار بها والادعاء بأنها قادرة وواعية وحرة ومسؤولة. إن الهم حالة وجودانية تنتمي إلى التكوين الايجابي للدازاين وليست حالة سلبية طالما أن الإنسان قبل أن يصل في مستوى وجوده إلى منزلة الدازاين مطالب بأن يمر تاريخانيا ثم ينعطف بعد ذلك إلى مقام الوجود الأصيل. إن الكينونة الخاصة بعيدة المنال ولا تعرف كاستثناء موجودي بل هي تحوير وجودي لهذا الوجوداني المسمى الهم.
إن الأصالة تتحقق على مسطح محايثة الهم عندما يقوم هذا الأخير بالرجوع إلى وجوده البدئي ويحور الانية الأصلية تحويرا وجودي وعندما يعلم أن إمكانية الكينونة المتصالحة هي أرفع شأنا من الاستمرارية الموهومة للهم، من جهة أخرى إن الهم يعني بالتحديد الذات الخالية من كل ذرة من الانية والتي لا ترجع إلى أي أحد لكي تتحدد لأنها في نفس الوقت الكل ولا أحد في نفس الوقت.
"يقال الوجود بمعان عدة" كما بين أرسطو ولكن ما يعنينا هنا هو الدلالة الوجودانية له، فإذا كان الوجود يعني "الملقى به حولنا في مكان ما" وإذا كان مقصورا على الإنسان بماهو وجود في العالم في وحدثيته وفي معيته فان هيدجر يميز بين ثلاثة أنماط من الوجود:
- الوجود المتعين أي الوجود هنا أو هناك ويقصره على وجود الإنسان من جهة كونه دازاين.
- الوجود الملقى به حولنا أي الحضور المباشر ويتمثل في كل ما يمكن أن يلتقي به المرء مصادفة.
- الدازاين وهو الوجود البشري من حيث هو تحديد للكينونة ويخص به الوجود المتعين وحده. فالوجود الإنساني هو إذن وجود فردي بالأساس لكنه لا يدرك على أنه ذاتية أو وعي أو حرية بل يدرك ذاته كقدرة على أن يكون وكمعيش فردي وشخصي.
ثمة منطقة محبذة من الوجود هي الوجود البشري إذا تساءلنا عنها نستطيع أن نستخلص دروسا عن المناطق الأخرى من الوجود. انه منذ اللحظة التي وجد فيها الإنسان فان الوجود بأسره وضع في مراهنة شكل ما ولم يعد لائقا أن نعرف الإنسان كذات ووعي ولا يمكن أن نعامله كوعي يمتلك يقين مطلق كما هو الشأن مع هوسرل بل ينبغي أن نفكر فيه من خلال نمط وجوده. وحده الدازاين موجود هذا ما يميزه عن بقية الكائنات ووجد exister لا يعني حضرprésenter بل يفيد ضرب من الوجود بالنسبة إلى الإنسان.
الدازاين يحوز على إمكانيات رحبة للوجود وهذه الإمكانية هي ضرب من الوجود ويمكن أن تتحقق أو لا وهي إمكانية غير مسجلة سلفا في تصور وماهية بل هي معطى في الوجود واللاوجود، إن ماهية الدازاين هي أنه معطى وجود. نظرا إلى أن الدازاين يحوز على ماهية نقول انه موجود ولكن بما أن ماهيته هي أحد إمكانيته فإننا نقول أن ماهية هذا الكائن البشري تتحقق في وجوده والمقصود أن الوجوداني يمنح البنى الأولية لوجود الدازاين، انه يتعلق في كل لحظة بوجوده وكل إمكانية وكل قدرة على الوجود هي شكل من الانخراط فيه وطريقة لتحديده بهذا الشكل أو الآخر.
تعني العينية mienneté الفعل الذي تكون به الدازاين الأنا الذي يخصني ويظهر ذلك لحظة المرور بهذا الضمير الشخصي أنا أو أنت وقد أراد هيدجر باستعماله لمصطلح العينية أن الانخراط في الوجود ليس فقط فعلا كاملا بل بنية أولية له. إن الدازاين هو الوجود الذي ينبغي على كل إنسان أن يعيشه وهو كذلك الموجود الذي أكونه في كل لحظة من لحظات الصيرورة. يتفادى هيدجر استعمال كلمة إنسان لأنها مرتبطة بالنوع وتلغي الفرادة والطابع الخصوصي للانية المكون للدازاين.
يميز هيدجر بين الخاص وغير الخاص وبين الأصيل واللاأصيل ويخلصه من المعنى الأخلاقي ليدل به على أن الوجود الأصيل للدازاين هو الذي ينتمي إلى وجود الدازاين. في الواقع لم يراهن هيدجر في الوجود والزمان على مفاهيم الإرادة والوعي والاختيار ابتعادا عن النزعة الانسانوية والارادوية والذاتية. اللاأصالة تعنى أن المرء يمكن ينحط إلى مرتبة الهم ويفقد انيته ويرفض أن يعيش وجوده بطريقة تخصه أو أن يكون الإمكانية التي يريد أن يكونها . كل واحد يشعر بأنه بإمكانه أن يترك نفسه توجد كما هي موجودة ولا يقرر أن توجد على هذا النحو أو على النحو الآخر. كل واحد يشعر بأنه عليه أن ينظر إلى إمكانياته كخصائص طبيعية وبديهية للإنسان عموما وأن يوجد ويفعل كما يوجد الهم ويفعل.
هناك طريقة للدازاين تسمح له بالفرار من انية وجوده ويختبئ وراء ما يفعله الهم وما يكونون عليه، هناك ذوبان للذات في الهم وذلك بألا تضع مسافة تفصل بين ذاته ودوره الاجتماعي، الهم ينتمي إلى كظاهرة أصلية إلى المكون الاثباتي للدازاين. أنا أضيع في الهم لأني منعت من تحقيق انية الدازاين أو بالأحرى الهم هو بالنسبة إلى الدازاين الكيفية التي يوجد فيها كموجود ضائع أو كموجود لم يعبر عن نفسه بعد. هذه هي الكيفية اللاأصيلة للوجود و"الهم هو واحد من كيفيات الدازاين" أما الأصيل فهو أن نوجد بشكل فريد وأن نقرر الحياة وفق نمط مخصوص وألا نكتفي في فعلنا بما يفعله الهم بل نفعل ما نقرر نحن فعله.
إذا طرحنا سؤال ماهو الدازاين؟ فان الإجابة غير الأصيلة تتمثل في أن الهم هو الدازاين أما الإجابة الأصيلة هي أني الدازاين، الأولى تتعلق بألا نتركه يمر إلى المجهول ويصبح نكرة والثانية هي القرار الحازم بأن أكون ما أريد أن أكون.تكشف التحليلية الوجودانية عن المواقف التي يهرب عبرها الإنسان في كل يوم من وجده الخاص. إن الهم لا يضيع إلا لحيازته على تملك أصلي لذاته ولأن الدازاين بوصفه في كل مرة أناي وخاص بي يخفي إمكانية أصلية لوجود ينتمي إلى الذات. إن الأصالة واللاأصالة هي انية الدازاين، تتوقف الأصالة على الاضطلاع بانية الدازاين واللاأصالة تعني الفرار منها. لكن كيف يعبر وجود الإنسان تحت وطأة اليومي الآن عن دكتاتورية الهم؟
4- وطأة اليومي:
"شدد هيدجر دائما على أن الوجود اليومي الذي يفهم نفسه بوصفه حذرا ووسوسة ينتمي إلى الدازاين بذات القدر الذي تنتمي إليه لحظة الذروة التي تسفر فيها انية الدازاين عن نفسها من خلال احتضاره والتي تسفر فيها الطبيعة الأصلية للزمانية عن نفسها كزمانية متناهية ( بمقابل لاأصالة الفهم العامي الدارج للزمان والخلود" .
الدازاين تختار هذا الوجود أو غيره أي أنها دائما تقرر أن توجد بهذا الشكل أو بالآخر لكن الإنسان لا يختار الوجود غير الأصيل بل يكون مغمورا به ويقع تحريضه من طرف المحيطين بع على أن يوجد مثلما يوجد الهم. لقد وقع تشكيل مفهوم اليومي من أجل هذه الغاية وهو يعني وجود كل يوم للدازاين والذي يختص بعدم الاكتراث واللامبالاة: أنا لا أدرك نفسي على أني فريد بل كلنا متعادلين نسبيا فنحن لا نتميز عن بعضنا البعض بأعمالنا ومنزلتنا الاجتماعية بشكل يجعلنا نكون مجموعات متجانسة. 
ينطلق التحليل الوجوداني من اليومي لأنه المجال الذي يوجد فيه الدازاين منذ الوهلة الأولى مغمورا. اليومي له أهمية بالنسبة للإنسان بما أن كل شكل من الوجود يصدر من نمط الوجود ويعود إليه والمرء يقرر أن يكون انطلاقا من عدم الاكتراث الذي يتصف به في الحياة اليومية.
إن الدازاين الموجود على الصعيد اليومي هو الهم وان المرور إلى الوجود الأصيل يمر عبر الهم ولهذا السبب لا ينبغي أن نميز نسقيا الهم عن الوجود عينه بإطلاق، إن الوجود عينه عند هيدجر هو تطوير وجودي للهم كوجوداني ماهوي. ينطرح الدازاين منذ الوهلة الأولى كموجود غير مفهوم يعيش بشكل غير أصيل وتتمثل لاأصالته في النهاية في تخليه عن مطلب تحقيق الانية.
الخاصية الأخرى للدازاين هي التواجد لكن الفلاسفة وقعوا في الخلط بين نمط وجود الدازاين ونمط حضور الأشياء، لكن لماذا يفسر الدازاين في الأنطولوجيا التقليدية على أنه شيء ولا يفهم على أنه وجود؟ يساعدنا مفهوم اليومي من جديد على تقديم إضاءة لهذا السؤال: ماذا يفعل الدازاين يوميا؟ انه يهتم بأشياء العالم، يتاجر ويقود السيارات ويذهب إلى المدارس ويمارس الرياضة ويزور المواقع الأثرية ويبحر في الإنترنت ويقيم علاقات إنسانية مثلما يشترى أكواما من السلع والمقتنيات المعدة للاستهلاك.
هذا الاهتمام باليومي والذي لا يمكن تفاديه هو سبب هروب الدازاين من ذاته وضياعه في الهم وهو كذلك السبب الذي يجعله ينحط عن وجوده الأصيل ويسقط في الانبتات والضياع في العالم، يقول هيدجر في هذا السياق:" إن الدازاين هو في المقام الأول قريب من العالم الذي يهتم به وهو صورة من الهم ونظرا لأنه إمكانية خاصة للوجود عينه بالفعل فانه يسقط دائما في العالم". 
هذا السقوطDéréliction يمثل بنية وجودانية للوجود البشري وان الدازاين تمتلك ميلا لمعانقة نفسها كشيء من العالم وهكذا فإنها تجهل الاختلاف المطلق الذي يفصل بين حضور الشيء ووجود الكائن البشري. هذا الميل في الحياة اليومية يجعل الصياغات الفلسفية حول الإنساني أمرا معقولا رغم أنها جاهلة بالخصوصية التي يتميز بها نمط الوجود الإنساني.
حالة الانعطائية Disposition تكون الطابع الأساسي للدازاين الذي بمقتضاه يعيش خاصيتين وجودانيتين: هو في وجوده لعبة وجوده من جهة ومحاولة لتحقيق الانية في كل لحظة من جهة ثانية، هذه الحدثية الخاصة بالدازاين التي تشهد بها حالة انعطاء الكائن البشري هي حالة سقوطه ويقول عنها هيدجر:" الدازاين يرنو إذن نحو الفرار من مزاجه بغية الهروب من سقوطه الخاص، انه يتسلى ويتلهى وهذه التسلية هي بحث عن الهروب". بقدر ما يكون الدازاين منفتحا بقدر ما يمثل العالم مشكلا بالنسبة إليه وبعض حالاته تسمح للفوز بما يعنيه الوجود في حد ذاته.
هذا الانفتاح Ouverture على اليومي يمكن المرء من تتبع بعض التجارب التافهة حتى النقطة التي ينكشف فيها شيء ماهوي في صيغة سؤال فلسفي. وقد يسمح هذا الانفتاح بتفادي الخلط بين العالم والمحيط فالحيوان له محيط بينما الإنسان يوجد في العالم، ويعرف المحيط بأنه جملة الدلالات المحددة قبليا بواسطة الغرائز والحاجيات عند الحيوان ويمكن أن نصفه بأنه يعاني من فقر في العالم، أما الإنسان فهو مكون للعالم ويستطيع أن ينتج دلالات جديدة من نشاطات قديمة تسمح بظهور كلية العالم.
إن المؤثرات الإنسانية الكبرى مثل الخوف والحزن والفرح والقلق ليست مجرد انفعالات سلبية ولا حالات نفسية بل هي أنماط وجود ويمكن أن تكون أبواب للتعرف على كينونة الموجود البشرية ولذلك يميز هيدجر بين القلق Ennui والجزع Angoisseويلامس من خلاله مفهوم الزمن ومن ثمة مسألة الزمانية. إن الجزع هو الحالة الأنطولوجية الأساسية التي تكون انية الإنسان والتي يعبر من خلالها هذا الأخير عن انشغاله بالعديد من الإمكانيات بقوله:" الجزع هو علاقة بين الحرية والخطأ لاسيما وأنهما يظلان إمكانيتين".
إن الفرق بين الجزع والخوف هو أن الذي يسبب الخوف موضوع ما حاضر أمام الإنسان أما الجزع فانه ينشأ عندما يستشعر المرء أن العالم الموجود فيه يمثل خطرا عليه من جهة المستبق" ويمكن أن نقول أن الذي يولد الجزع هو شعور الإنسان بالعدم وحصار الزمن وتناهيه. الجزع لا يفهم كتجربة سلبية وانفعال حزين كما يفعل اسبينوزا وكيركجارد بل يضع الدازاين في مواجهة الوجود الأصيل ويسمح بأن تتفجر الإمكانات الأكثر خصوصية للدازاين وذلك بأن يسهم في تحرره وانعتاق وجوده من كل ما يمنعه من تحقيق انيته ويدفعه إلى تحمل مسؤوليته في ذلك والاضطلاع بانية وجوده. 
إن الجزع Angoisseيسمح للدازاين ببلوغ حالة تملك لإمكانياته لأنه عندما يرنو نفي حالة جزع فانه لا يمكن أن ينحط إلى مرتبة الحشد ويسلم نفسه إلى الهم فيفعل ما يفعلونه وينظر إلى العالم كما ينظرون ولا يميل إلى العيش وفق نمط الهم بل يتجلى كغير أصلي ويظهر له وجوده كماهو في العالم. يحلل هيدجر التمفصل بين الجزع والهروب وذلك بالاستبيان بمفهوم الغرابة Etrangeté لأن الجزع لا يفيد الهروب من العالم بل من الهم le on إلى الانية ويؤكد أن الجزع يجعل الإنسان غريبا وغير أهلي ويشعر بأنه موجودا في غير مسكنه الأصلي وبالتالي فان الجزع يفقده نقط المرجعية الثابتة التي كان يستند عليها.
الغرابة Etrangeté تفيد عدم اكتراث العالم بي وعدم اكتراثي بالعالم، وهي بذلك تمثل العمق غير المحبذ من الجزع لأن الدازاين ليس له منذ البدء عالما يذهب إليه بل يوجد في عالم بالرغم عنه ويدفعه إلى أن يفر من نفسه وبالتالي إن موطن الإشكال والغرابة هو وجود الإنسان في العالم وان الوجود هو غرابة حقيقية والإنسان يحاول أن ينسى ذلك بالهروب إلى اليومي والى الهم حيث يمكن له أن يحس بالدفء الخمري للعالم وينظر إليه على أنه قوقعته الأصلية.
إن الجزع Angoisse يكشف العلاقة الماهوية المنثالة بين الدازاين والوجود والعدم، إن العدم ليس الفراغ ولا السكون بل هو فعل ويشكل جزاء من الوجود عينه وهو المسار نفسه لإعدام الموجودات والانتصار للوجود الأصيل. وهنا يظهر الوجود مفارقة غريبة فهو في الآن نفسه وجودا فارغا أي لامحدد ووجودا وافرا أي مليئا بالموجودات والأشياء والمعاني والألفاظ والرموز والدلالات. انه في نفس الأكثر عمومية والصمد الذي ليس كمثله شيء. عندئذ تبين فنومنولوجيا هيدجر أن الوجود والعدم ليس لهما دلالات ولا تحديدات مفهومية لأن هويتهما تدرك من خلال أحوال وجودانية مثل الجزع. إن الدازاين يعيش أثناء تجربة الجزع من خلال الفرق الأنطولوجي بين الوجود والموجودات ويسمح له الجزع بأن يضع تجربة وجوده الخاص موضع رهان.
إذا جهلنا انية الدازاين فان الخطاب الفلسفي حول الإنسان عندما يأخذ كل إنسان كمثال للنوع البشري يتيح إمكانية تجاوز كل اختزالية في الانية. يعثر هيدجر على وجه من القرابة بين مفهوم هوسرل عن الموقف الطبيعي ومفهومه عن السقوط في اليومي ولكن الأمر عنده يتعلق بكيفية معرفة السبيل الذي يقود الإنسان من خلال بنية وجوده نفسه إلى نسيان كونه إنسان وأن يعيش ويفكر ويعامل نفسه كمجرد شيء مثل بقية الأشياء والمواضيع التي يتكون منها العالم. 
إن الإنسان يفهم نفسه على ضوء كونه واحد من موجودات العالم الذي يشتغل فيه يوميا في كل يوم الإنسان يهرب من نفسه ويواري حقيقته ويعيش تجربة السقوط ويعتقد أن ذلك قد يحمله بعيدا أو يقربه من ذاته. غير أن الإشكالي هنا عند هيدجر هو طبيعة العلاقة مع الآخر، فماذا يقصد بالدازاين مع غيرية؟ وكيف تتحدد العلاقة بين الدازاين والغير؟ وبالفعل يمكن اعتبار هيدجر قبل ليفيناس هو الفيلسوف الذي اكتشف إلى حد ما مسألة الغير وأصلها تأصيلا فلسفيا في كتابه الشهير:" الوجود والزمان"؟
5- الوجود هنا مع الغير:
"هذه التساؤلات غمرته تماما بحيث ما عاد هناك مكان يفصل بين ما يفكر فيه ويعلمه وبين ذاته ذاتها. وهذا النوع من التفكير غير المألوف يقوم على نكران الذات وهو نكران للذات لا يعود يعرف ذاته ولا يعود متورطا في جدل محاولة معرفة نفسه أفضل فأفضل." 
إن الأنطولوجيا المباشرة عند هيدجر تضع الإنسان أمام خيارين: إما أن يمسك بالحياة الذاتية الأصلية وإما أن يفشل،إما الربح والخسارة في علاقة بالوجود الحقيقي، يكون مع ذاته وفي ذاته أو ينخرط ويتهاوى بين يدي القوى الغريبة المسيطرة ويضيع في الحياة اليومية.
تطرح فنومنولوجيا هيدجر مفاهيم القصدية والعالم والآخر الموروثة عن هوسرل وتعتبر الدازاين من حيث وجوده هو في رفقة أصلية مع الغير، وإذا كان مفهوم القصدية يعني توجه الوعي إلى شيء ما قصد تمثله وإدراكه وتذكره وإذا كان العالم يعني الأفق المفتوح الذي يحضر فيه الإنسان بجسده وفكره مبدعا وفاعلا وعلاقتنا به هي علاقة تلازم وتضايف وألفة وأحيانا أخرى يحضر العالم في أذهاننا حضور الرمز والدلالة فان الآخر في عرف الأنطولوجيا ضروري لوجود الأنا وللوعي بالذات لأنه ليس عدوا للأنا ولا هو غريب عنه بل هو ذات أخرى وإنسان آخر وثقافة أخرى مختلفة نلتقي بها على صعيد التواصل ونتثاقف معها ونتبادل خبراتنا وتجاربنا وكما قيل:"يولد مني الآخر كما ولد الآخر الأول من ضلع آدم". ألم يقل هيدجر:"على أساس هذا الوجود في العالم المتأثر بالوجود مع فإن العالم هو في كل مرة هذا الذي أتقاسمه سلفا مع الآخرين.إن عالم الدازاين هو عالم مشترك Mitwelt . إن الوجود في هو الوجود مع Mitsein في اشتراك مع الآخرين. إن الوجود في ذاته لهؤلاء الآخرين في داخل العالم هو تعايشMitdasein "؟ 
أما البيذاتية فهي كلمة معاصرة برزت في نصوص هوسرل وتواصل حضورها مع سارتر ومرلوبونتي وهيدجر وليفيناس وتتكون الكلمة من لفظين الأول بين ويفيد علاقة معية أو البينية أما الكلمة الثانية فهي الذاتية وتعني عودة الذات إلى ذاتها، وبالتالي تدل البيذاتية هي علاقة ذات بذات أخرى في ما يتعلق بنمط وجودهم. غير أن الفنومنولوجيا تستبعد التصور الديكارتي للذاتية المحضة المنغلقة عن العالم والمتعالية على الجسد لوقوعها في نوع من الأنانة ولا تقر وجود الذات إلا بقدر تواصلها مع الذوات الأخرى وانفتاحها وتفاعلها مما يجعل الحياة الإنسانية أفقا مشتركا للتلاقي والتواصل.
"إن الدازاين من جهة كونه موجودا في العالم يرى نفسه مكتشفا للعالم وفي نفس الوقت وجود الموجود الذي هو في العالم ودازاين الغير. علاوة على أن فهمها للوجود لا يغطي أصليا على فهم موجودات العالم فحسب بل وأيضا على فهم الدازاين للآخر". 
الوجود هناك مع mit-dasein هو نمط وجوداني يميز الآخر من حيث هو شبيه بالدازاين الموجود هناك مثل الآخرين وليس أنا متميزا عن الآخرين. إذا كانت العينية mienneté هي تجديد عميق في الدازاين فهي لا تتعارض إطلاقا مع الغيرية. إن الوجود مع mitsein هو تحديد خاص للدازاين الذي يكونه كموجود مع الآخر ،في حين أن الوجود هناك مع mit-dasein هو الذي يحدد وجود الغير. إن الدازاين ليس موجودا وحيدا البتة لاسيما وأن الوحدة تفترض منذ البدء وجود مع في العالم بشكل يسمح للوجود هناك أن يحيا وفق نمط خصوصي.
إن عالم الدازاين ليس فقط عالم خال من الاهتمامات أو مكتفي بالاهتمامات الفردية الأنانية بل أيضا فيه اهتمامات مشتركة واعتناءات جماعية. يضبط كيفية الهم هذه شكل تصرف الدازاين من حيث هو موجود مع الآخرين الذين ليسوا موجودات متوفرة ولا موجودات مستمرة. إن الاعتناء يقبل تعددية متنوعة أو تنوع متعدد يذهب من عدم الاكتراث إلى الإخلاص الشديد بالمرور بالعدوان. يختزل الاعتناء في هذه الأنماط السلبية الآخر إلى مجرد موجود مستمر ويمكنه في أنماط ايجابية أن يرفع الهم إلى الآخر بتحقيق الاستمرارية معه. إن الآخر في هذا الاعتناء التعويضي يمكن أن يصبح اعتناء تابعا حتى وان ظلت هذه الهيمنة مغطاة عند توفر المساعدة.
الإمكانية الأخرى تتمثل في إعادة وضع الآخر في وضعيته الانهمامية وذلك ليس بزيادته إلى الآخر بل بدفعه نحو وجوده المقتدر. ليس وجود الآخر هو من الأمور التي ينبغي أن نهتم بها بل يساعده الاعتناء من أن يقبل بشكل شفاف على همه وأن يصبح أكثر حرية منه. لكن إذا كان الاهتمام يحصل على تيقظ وكان الاعتناء يحصل على مراعاة فان التساهل يمكن أن يؤدي إلى نقص في الاعتبار والتصالحية.
إن انفتاح الوجود هنا مع الغير المكون للوجود مع يعني أن فهم وجود الدازاين يتضمن فهم الغير. على خلاف ما يدعيه ليفناس لا يهمش هيدجر البتة خصوصية الغير رغم أنه عزف عن بلورة نظرية في البيذاتية واقتصرت تحليلية الدازاين على بلورة فكرة أن الدازاين ليست ذاتا بل انهماما بالذات واعتناء بالكينونة وتوقا إلى تحقيق الانية لا يستكمل أبدا.
يستعمل هيدجر استعمالا حجاجيا الأسطورة لتوضيح أطروحته عن ارتباط الدزاين بالانهمام بنفسه ويحث على الاهتمام بعدة ظواهر أهملتها الأنطولوجيا القديمة وذلك من أجل التعرف على الذات الإنسانية كماهي في الواقع وكما تعيش في الحياة اليومية وبين أن الانهمام Sorge هو بلا منازع بنية الوعي ويتميز بأفق وجود خاص ويعني لغويا الاهتمام المصحوب بالقلق ويرادفه الحزن والغم والكرب والكآبة وإذا عدنا إلى لغة الضاد نجد ما يلي في الكشاف للتهانوي عن الانهمام:" انه جهاد فكري وقال أبو البقاء في الكليات: إن الدعاوي إلى الفعل تكون على مراتب وهي السانح ثم الخاصر ثم الفكر ثم الإرادة ثم الانهمام . 
تتمثل الأسطورة اللاتينية التي عبر عنها هيدجر في "الوجود والزمان" مصورا العلاقة التكوينية بين الانهمام والدازاين في ما يلي:" كان الانهمام يعبر ذات يوم نهرا من الأنهار وحينما لمح بعيد قطعة صغيرة من الأرض يحملها هذا راح يفكر ماذا عساه يصنع بها، وحينما وجد نفسه وجها لوجه أمام جوبيتير مضى يطلب منه أن يصبغ الروح على تلك القطعة من الأرض، فلم يتردد جوبيتير في أن يجيبه إلى طلبه. ولكن ما كاد الانهمام يطلق اسمه على ذلك المخلوق حديث العهد حتى اعترض جوبيتير على ذلك بدعوى أن اسمه أحق في أن يطلق على ذلك المخلوق. وبينما كان الانهمام وجوبيتير يتقارعان الحجج ظهرت "الأرض" وراحت هي الأخرى تطالب بأن يطلق اسمها على ذلك المخلوق وحجتها في ذلك أنها هي التي أعطته قطعة من جسدها. ثم توجه جميعهم نحو زحل Saturne طالبين منه أن يحكم بينهم بالعدل. ولكنه لم يلبث أن حكم على النحو التالي: بما أنك يا جوبيتير قد وهبت هذا المخلوق الروح فسيكون من حقك أن تستردها منه عند الوفاة وأنت أيتها الأرض بما أنك قد أعطيته الجسد فسيكون من حقك أن تسترجعيه وأما أنت أيها الانهمام فلأنك أنت الذي كونته بادىء ذي بدء فسيكون من حقك أن تتمتلكه وتسيطر عليه طوال حياته. ونظر لأن الخلاف مازال قائما حول الاسم الذي ينبغي أن يعطى له فلنطلق عليه اسم آدم لأنه صنع من أديم الأرض." 
دلالة الأسطورة أن هي أن هيدجر يتحدث هنا عن وجود الدازاين كانهمام من خلال مفهوم التاريخية ويفسر ذلك أنطولوجيا ولذلك نراه يصرح حول الغاية من اعتماده على هذه الأسطورة كنمط حجاجي ما نصه:" لقد توصلت إلى هذه الأسطورة عن طريق كونراد بورداخ ( وهو أديب ألماني عاش في القرن 19) ووردت هذه الأسطورة في مؤلفه "فاوست والانهمام" كما أن غوته حدد المصطلح بكونه وصف للإنسان الأول". وربما تبين لنا الأسطورة أن هيدجر قد عثر على التعبير الرمزي الخاص بنظريته في "انهمام الزمان" وتبين كيف أن أصل الإنسان يعود إلى الانهمام الذي يجري في دمه طالما ظل على قيد الحياة وأن الزمان هو صاحب القرار النهائي حول طبيعة الإنسان.
يمكن أن نعتبر أن الانهمام هو الدليل الفنومنولوجي على وجود الإنية وسعي كل كائن بشري إلى تحقيقها دون أن يبلغ ذلك بشكل تام لاسيما وأن الإنسان ابن الأرض وحليف الانهمام وربيب الموت ولأن الانهمام يعمل عمله في وجود الإنسان فيصطبغ بالوعي ويصبح ذلك الكائن الزمني الذي يجعل عبء وجوده وينزعج دائما من حمل ميراث الماضي وضغط الحاضر وتحديات المستقبل.
يتكون الانهمام Souci من بنية ثلاثية: التقدم على الذات والوجود القبلي والوجود البعدي وهي موحدة في مواجهة الموت بأن تقذف بنفسها صوب المشروع. يتبين لنا أن الدازاين هو وجود في مواجهة الموت ومن هنا يظهر مفهوم التناهي التي تساعدنا تحليلية الدازاين على مراجعته، لأن مفهوم التناهي ليس نقصا أو عيبا بل حدثية وانخراط في حالة من الواقع وتكوين ايجابي للدازاين.
"عندما يوصف هيدجر الدازاين والوجود مع أحوالا للوجود في العالم ويعلن أن الانهمامSouci هو التكوين الأساسي للوجود في العالم فانه ...يوجه السؤال من هو الدازاين توجيها فنومينولوجيا نحو الوجود اليومي المكبل بهم حذر بالعالم وبالجاهز للاستخدام وبالمعية (مع الآخرين). " 
إن الإنسان نظر إليه على أنه متناهي بصفة عامة لأنه غير فان وضعيف ومرتبط بالجسد بينما الدازاين هو موجود في العالم لأنه زمني زمانية ماهوية أي متناه تناهي تاما. بهذا المعنى فان:"تناهي الدازاين ليس تحديدا بل يكونها تكوينا ايجابيا. الإنسان ليس موجودا له ماهية ولذلك فهو مقيد بها بل تناهي الدازاين هو أمر أصلي بالنسبة إليه أكثر من الإنسان" .
يرى هيدجر أن أسئلة كانط الشهيرة ماذا يمكنني أن أعرف؟ وماذا يجب علي أن أفعل؟ وما الذي يجوز لي أن آمل؟ والراجعة إلى سؤال واحد هو سؤال: ما الإنسان؟ يمكن الرد عليها بمفهوم التناهي الإنساني الذي يجعل من أمور القدرة والرغبة والأمل أبعادا متحققة في الانية الإنسانية.
لقد قادتنا تحليلية الدازاين إلى نتيجتين حاسمتين:
- تصور جديد للتناهي يحل محل اللاتناهي الذي بحثت فيه طويلا الفلسفات ويسمح لنا بالتفكير في وجود الإنسان تفكيرا مختلفا لاسيما وأن التناهي لا يحد من قدرة الإنسان بل يتيح له أن يكون ما يريد أن يكون.
- التناهي يمثل جزءا من فهم الوجود في علاقة بالزمانية بما أن كل ما يمكن أن يقال عن الوجود هو موجه من طرف تأويل عن الزمان.
بيد أن الغنم الذي يمكن الحصول عليه بعد هذا الانعطاف من دكتاتورية الهم إلى تحليلية الدازاين هو الذي عبر عنه بول ريكور على النحو التالي:" سيكون استنتاجي كما يلي: أولا،إن هدم الكوجيتو بوصفه كائنا يطرح ذاته عينها كذات فاعلة مطلقة ليمثل عكس هرمينوتيقا "أنا أكون" بما أن هذا يتكون من علاقته مع الوجود. ثانيا، إن هذه الهرمينوتيقا لل"أنا أكون" لم تتغير جذريا منذ "الوجود والزمان" إلى دراسات هيدجر الأخيرة. ولقد ظلت وفية إلى صيغة المرجع الاستعادي الاستباقي من الوجود إلى الإنسان. ثالثا، ثمة جدلية موازية بين حياة أصلية وحياة غير أصلية تعطي شكلا محسوسا لهذه الهرمينوتيقا. وسيكون الفارق الأساسي حينئذ بين هيدجر الأخير وهيجر1 هو كما يلي: لم يعد على الذات أن تبحث عن أصالتها في الحرية بالنسبة إلى الموت ولكن في السكينة التي هي عطاء الحياة الشعرية". 
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل تستطيع الشعرية بالفعل أن تخرج الذات في عرضية وجودها في العالم وتمكنها من تحقيق الانية؟ وكيف يتسنى للدازاين أن تفهم الوجود خارج إطار نمط الزمانية بماهي حضور؟ بعبارة أخرى كيف يتسنى لها أن تدشن الزمانية كعود بدئي وبدء عائد ؟
خاتمة: 
" يصف هيدجر الإنسان الإغريقي والإنسان الكوكبي بشكل أكثر استفاضة من الإنسان القروسطي الذي يتحدث عنه قليلا وبشكل أكثر إحراجا من إنسان الأزمنة الحديثة. الإحراج لأن العصر الحديث هو عصر ثورة الإنسان وعصر التمركز على الذات بامتياز. لكن هو مجرد عنوان لأن الإنسان الإغريقي يصلح كنموذج وكمرجعية للإنسان المعاصر. أما فيما يخص الإنسان الكوكبي الموعود دون شك بمستقبل مشرق فإنه بعيد عن أن يكون الوريث للماضي في مجموعه وإنما يستمد قدرته العجيبة من التقلص المذهل في الحقيقة" . 
هيدجر فيلسوف البدء ودعوته إلى لزومية العود على بدء هي دعوة تتخلل مجموع نصوصه ولكن تصوره للبدء يختلف من مرحلة إلى أخرى ولذلك نراه يتحدث عن البدء الأول والبدء الثاني ولا يعرف البدء الأول بالأسبقية الكرونولوجية للأول بل بالأسبقية الأنطولوجية والتاريخية ولذلك فهو يفهم على أنه ضربة مرسلة وعطاء وإعفاء متفتح لعصر وصانع للتاريخ. بهذا المعنى يكون الإبداع الفني اعترافا مؤسسا للحقيقة . إنها لا تحيلها إلى مجرد ذاتية مبدعة بل تؤسس تاريخانيا للدازاين كمشروع يتحقق في المستقبل بالاستزادة في الوجود.
يعني البدء في كل الأحوال الإعلان عن شيء مستقبلي أكثر من الاستعداد للإجابة والمطابقة مع النداء الموجه نحو الذات. إذ يسمح فكر الوجود بوصفه اغتناء تاريخي بالاستفادة من درس الفلسفة كما جاءتنا من تاريخ البدء الأول ويكون ذلك برفضه أنطية الموجود التابعة للتجربة الميتافيزيقية وانكبابه على تحقيق اغتناء الوجود. إن الفكر الذي يجرب الوجود هو بعيد من أن يكون مجرد معرفة أنطية بل هو قريب من حقيقة الوجود في اغتنائه كحدث يفكر باتجاه البدء الآخر.
هذا المرور من البدء الأول إلى البدء الآخر أو هذا المنعطف يصوره هيدجر من خلال مجازات تمفصل الفكر الذي يبدو غير قابل للاختزال الأنطولوجي والتاريخي إلى أي نسق ممكن، هذه الصور هي:
1- التشخيص الذي يعين النقطة التي يعثر فيها التفكير على أساس في تجربة نسيان الوجود.
2- لعبة التمرير التي تعني الحوار بين الفكر الإغريقي قبل الأفلاطوني وغير الميتافيزيقي والفكر الذي جاء بعده.
3- القفز في الوجود كحدث الذي يبعث فسحة تتضمن مجال الاختلاف بين الوجود والموجود وانتماء العدم إلى الوجود.
4- التأسيس الذي شيد بواسطته الفكر حقيقة الوجود كدازاين بوصفها انفتاح على القفز.
5- التفسيرات التي تختبر هذا التخاصب المؤسس لحقيقة الوجود بالقرب من الآلهة.
6- الإله الأخير يعني التشكيل الذي تنعقد فيه الصلة بين الوجود الالهي والإنساني في الإله مثلما تظهر عبر حقيقة الوجود.
ينبغي أن يفهم الوجود في العالم بالانطلاق من التعالي الذي يضعه هيدجر مكان القصدية الهوسرلية للوعي، إذ لا يمكن للدازاين أن يربط علاقة مع ذاته إلا بتعاليه باتجاه مقصد تكويني للحرية بماهي انفتاح نحو الآخر. إن التعالي المكون للانية يجعل من الحرية أصل كل تأسيس بشرط أن تكون هذه الأخيرة حرية من أجل التأسيس وبشرط أن نفهم من فعل التأسيس القيام بالفعل الوسط والاعتماد على الموجود الوسط وهو ما يسمح للتعالي أن ينفتح على عدة إمكانية وأن ينغلق على أخرى في نفس الوقت.
التأسيس يعني أن نعطي أساس وأن نتحرك في إطار أفق انتظار بمعنى أن التعالي يحرر سؤال لماذا ويعطيه الضرورة المتعالية لتسويغ ما يسمح بتجلي الموجود في وجوده.
تظل قضية علاقة الذات بالوجود من أهم الإشكاليات التي عالجها هيدجر في مجمل أعماله على الرغم من إمكانية الحديث حسب بول ريكور عن هيدجر الأول وهيدجر الثاني إذ يصرح في هذا السياق ما يلي:" إن التحليل لا يجد تبريرا لنفسه إلا إذا ما أحلنا إلى هيدجر1 فهو يقوم من ناحية المنعطف ومن ناحية الانقلاب المنعطف. وبالفعل ألا نستطيع أن نزعم بأن المنعطف يضع نهاية لهذه العلاقة المعقدة مع الكوجيتو؟ ولهذا فإني سأحاول... أن أبين أن نوع التضمين الدائري بين الوجود والدازاين ، بين قضية الوجود والذات والذي يشكل موضوعا في مدخل "الوجود والزمان" لا يزال يحكم فلسفة هيدجر الأخير وعلى كل فإن هيمنته لتكون على مستوى فلسفة اللغة وليس على مستوى تحليلية الدازاين." 
في الختام يظل سؤال الوجود هو السؤال المركزي في تفكير هيدجر نظرا لأنه يميز بين الحقل الأنطي للوجود والحقل الأنطولوجي، لكن إذا كانت الميتافيزيقا تساؤل الموجود في اتجاه وجوده وتعطي في كل حقبة معنى حصري للوجود(فكرة، جوهر، موناد، موضوعية، روح ، إرادة قوة) فان الفكر المختلف يتساءل في اتجاه الأساس الذي يستند إليه الوجود ويضع بين قوسين تجانس مبدأ العلة ويثمن دور الفرق والبينونة في تفكر حقيقة مايحدث. انه يضيف إلى الطابع الملغز للوجود كأساس طابع ملغز آخر للحرية في التأسيس للدازاين الذي يسأل عن الوجود. إن الوجود يظهر كأمر لا يمكن حسابه وهو شبيه بلعب الأطفال الذي يلعب لمجرد كونه يلعب. لكن من له القدرة على تغيير العالم؟ ومسؤولية من هذا التغيير؟ 
لقد نقد ميشيل هار أفكار هيدجر عن الوجود من أجل الموت واعتبر العلاقة المزدوجة بين الإنسان والوجود نوع من التوازي الخاطئ وربط بين الإنسان دون صفات وفقر الإنسان الإنساني وحطم مقولة الإنسان حيوان عاقل واعترض على ذوبان الذات في التقنية ليشير إلى أن الكلام هو ماهية الكائن البشري وأن حصته من الوجود هي أن رغبته في التضحية هي وحدها التي تمكنه من تجاوز حال التناهي والسقوط في اليومي وشقاء التفكير. 
في هذا السياق يقول عنه غادامير:"مهما يكن من أمر فإن هيدجر هناك وليس بمقدور المرء تجنبه ولا أن يرتقي خلفه على طريق سؤاله لسوء الحظ، فهو يقطع الطريق بشكل مقلق جدا. انه سد منجرف يغمره تيار الفكر المندفع صوب الكمال التقني ولكنه سد لا يمكن أن يزحزح من مكانه." 
لكن إذا كان هيدجر قد شيد أنطولوجيا دون إتيقا تابعة لإنية غير معترفة اعترافا كاملة بوجود الغيرية فماهو السبيل الذي سلكه ليفناس إلى تشييد إتيقا خالية من كل أنطولوجيا قادرة على الانفتاح الكامل على الغيرية الجذرية واستشكال مفهوم الغير استشكالا فلسفيا أصيلا؟

المراجع:
بول ريكور، صراع التأويلات، ترجمة منذر عياشي، دار الكتاب الجديد المتحدة ، 2005، 
هانز جورج غادامير، دروب هيدجر، ترجمة حسن ناظم، وعلي حاكم صالح،دار الكتاب الجديدة المتحدة،2007
فرانسواز داستور، هيدجر والسؤال عن الزمان، ترجمة سامي أدهم، طبعة أولى عن مجد 1993 
M. Heidegger, Etre et Temps, trad par f.Vesin, éditions, Gallimard, Paris, 1986
M. Heidegger, Qu’est-ce que la métaphysique, question1, Gallimard, 1968 
M. Heidegger, concepts fondamentaux de la phénoménologie, traduction ,par J.f. Courtine, Gallimard , Paris,1985 
Michel Haar, Heidegger et l’essence de l’homme, Editions Jérome Millon,2002

قيل: ليس التاريخ ما يصنعنا، وإنما ما نصنعه نحن جميعا. بأي معنى يصنع الإنسان التاريخ؟

قيل: ليس التاريخ ما يصنعنا، وإنما ما نصنعه نحن جميعا.
بأي معنى يصنع الإنسان التاريخ؟
      يتأطر مضمون هذه القولة ضمن موضوع التاريخ, وبالضبط دور الإنسان في صناعة أحداث ماضيه, وقبل أن نجيب عن مضمون هذه القولة المرفقة بسؤال, تجدر الإشارة أولا, إلى دلالة ما يعنيه مفهوم التاريخ, فما دلالة هذا المفهوم؟
التاريخ في دلالته اللغوية هو معرفة بأحداث ووقائع ماضية مرتبطة بالإنسان, انه بعبارة أخرى ذاكرة الإنسان بمختلف أنشطتها المادية والفكرية.
بعد هذا التحليل لدلالة مفهومي التاريخ والصناعة, ننتقل إلى الإشكال المؤطر لمضمون السؤال والذي يمكن صياغته في التساؤل التالي:
إذا كان التاريخ هو ذاكرة الإنسان, أي سلسلة من الأحداث الماضية, فهل الإنسان فاعل ايجابي في هذه الأحداث ومتدخل في سيرورتها, أي انه الصانع الفعلي لتاريخه آم انه مجرد أداة مسخرة في يده, خاضع لمنطقه ومنفذ لغايته؟ بمعنى آخر هل للإنسان حرية داخل سيرورة التاريخ آم انه خاضع بالضرورة لهاته السيرورة؟
   كجواب عن هذا الإشكال, يلاحظ أن منطوق القولة يدافع عن الرأي الذي يرى بان الإنسان صانع لتاريخه, وقبل الإجابة عن السؤال المطروح في القولة, تجدر الإشارة أولا إلى مضمون الموقف الفكري الذي ينفي عن الإنسان كل قدرة في صناعة تاريخه, وبعدها سنرى أن ثمة موقف آخر يرى أن الإنسان صانع لتاريخه وماضيه.
وفي هذا الإطار يمكن الاستئناس بما قدمه احد الفلاسفة المحدثين, وهو الفيلسوف الألماني هيجل, فقد ذهب هذا الفيلسوف إلى القول بان سيرورة التاريخ محكومة بالروح أو المطلق الذي ينمو ويتجلى في مختلف أشكال الوعي, حتى يحقق غايته النهائية التي هي الحرية والتطابق مع مفهومه الكامل, أما الإنسان في نظر هيجل فدوره في التاريخ يتجلى من خلال ما ينجزه العظماء, الذين يجعل منهم هيجل مجرد وسائل تحقق غايات العصر والروح المطلق, وتجمع الناس حول هؤلاء العظماء ومساندتهم لهم في مشروعهم, ما هو في واقع الأمر إلا إدراك من هؤلاء, إن هذه الشخصيات التاريخية تمثل الاتجاه العميق للتاريخ, الذي هو تاريخ الروح المطلق, وليس تاريخهم الخاص, وعندما يحققون غايات الروح المطلق, تنتهي مهمتهم ويسقطون في نظر هيجل, كمثل قشور فاكهة أفرغت من نواتها, ويقدم هيجل مثالا لهؤلاء الأبطال الذين كانوا مجرد وسائل في يد الروح لتحقيق غاياتها, فهناك الاسكندر الأكبر الذي مات شابا, ونابليون بونابرت الذي نفي, فهؤلاء سقطوا كالقشور بعد أن حقق الروح التي هي النواة غاياتها.
فليس البشر إذن في نظر هيجل, بمجتمعاتهم وشعوبهم ومؤسساتهم ودولهم وإبداعاتهم, سوى تجليات مؤقتة لحركة الروح الدائبة, إنها أزياء وتجسيدات ترمز إلى مراحل من تحقق الروح, سرعان ما تتخلى عنها لتحقق ذاتها في أزياء وتجسيدات أخرى, من هنا يمكن أن نفهم قولة هيجل المشهورة "كل ما هو واقعي فهو عقلي, وكل ما هو عقلي فهو واقعي" , فكل ما وقع في التاريخ من أحداث, كان لابد أن يقع, وكل ما هو واقعي فهو معقول, لأنه يشير إلى مرحلة من مراحل تحقق الروح المطلق, وليس الرجال العظام والمجتمعات العظيمة سوى مسالك تتحقق فيها هذه الروح.
نخلص من هذا التحلل لتصور هيجل لدور الإنسان في صناعة تاريخه, وهو التصور المعبر عنه في السؤال, إن التاريخ البشري هو تاريخ الروح أو العقل المطلق, والإنسان يلعب داخل هذا التاريخ دور الممثل ودور الحامل لفكرة تتجاوزه وتتعالى عليه, لأنها من مصدر آخر غير ذاته, لكن هل يمكن القبول بهذا التصور كحل لإشكالية دور الإنسان في التاريخ؟ هل فعلا أن الإنسان داخل التاريخ هو مجرد أداة مسخرة ليس إلا في يد الروح المطلق أم أن الأمر عكس ذلك؟
     بالرغم من القيمة الفكرية والتاريخية التي تحتلها فلسفة هيجل في تاريخ الإنسانية والفلسفة على الخصوص, بحيث نقل العقل مكن طابعه الستاتيكي أي الثابت القائم على مبادئ صورية ترفض التناقض, والذي عرف مع كل ديكارت وكانط, إلى عقل دينامي, يشتغل وفق مبادئ المنطق الجدلي الذي يقوم على ثلاثة لحظات أساسية: وهي الإثبات والنفي ونفي النفي, وهي لحظات تشمل بجانب العقل الكون والطبيعة والإنسان, لكن بالغم من أهمية هذا التصور الهيجلي للعقل, كقوة لامتناهية متطورة ومنفتحة على نقائضها, فقد ظل العقل لديه ذو مسحة روحية تنأى به عن ما هو متعارف عليه في ميدان العلم, فيجل في وصفه للعقل لا يقدمه كقدرة فردية ذاتية, وإنما كعقل الهي, او كفكرة مطلقة, فهذا العقل هو الذي يحكم العالم ويمنحه النظام والانسجام, انه يتجسد في كل الحقائق الواقعية, فالأشكال السياسية والاقتصادية والاهتمامات والمصالح البشرية, ما هي إلا أدوات ووسائل مسخرة لهذا العقل الكوني, بل أكثر من ذلك فقد أوقف هيجل حركة العقل وتطوره, على المستوى السياسي في الدولة البروسية, فمعها اكتمل نضج العقل المطلق وانعكس هذا النضج على هذه الدولة, وأيضا على مستوى الدين المسيحي الذي كان هيجل من اكبر المتعصبين له, بل المطلق هو أيضا فلسفته التي كان يرى فيها خاتمة الفلسفات, وقد لاحظ نيتشه ذلك بتهكم, فالتاريخ عند هيجل هو تاريخ الروح او العقل المطلق, والإنسان داخل هذا التاريخ ما هو إلا أداة مسخرة لتحقيق غايات هذه الروح.
لقد تعرض هذا التصور المثالي للتاريخ إلى انتقاد مجموعة من المفكرين, وعلى رأسهم الفيلسوف الألماني كارل ماركس, الذي رأى في الجدل الهيجلي النواة الأساسية للتطور التاريخي, لكنه جدل في نظره يمشي على رأسه, وقد وجب قلبه وإقامته على قدميه, لذا اقترح تصورا ماديا للتاريخ البشري يقوم بالأساس على الصراع الطبقي, وان دور الفرد محكوم بشروط مادية, اقتصادية على الخصوص, وظروف خارجة عن إرادته. فالناس في نظر ماركس هم الذين يصنعون تاريخهم الخاص, إلا أنهم لا يفعلون ذلك عشوائيا, وضمن شروط من اختيارهم, بل شروط معطاة مسبقا وموروثة...
إن هذا التصور الماركسي المادي للتاريخ البشري, جعل السؤال حول دور الإنسان في صناعة تاريخه يطرح من جديد, ويفتح آفاقا فكرية جديدة, وهو الأمر الذي يمكن لمسه لدى الفيلسوف الفرنسي سارتر, الذي سيحاول الانفتاح على الماركسية من اجل توضيح دور الإنسان في صناعة التاريخ, وتوضيح حدود هذا الدور, وذلك من خلال تحديد طبيعة العلاقة الموجودة بين الإنسان وشروط وجوده, فعكس ما قاله "انجلز" الناس هم الذين يصنعون تاريخهم بناء على شروط واقعية سابقة, يرد عليه "سارتر" الناس هم الذين يصنعون تاريخهم وليس الشروط السابقة, وإذا ما افترضنا أن هذه العبارة صحيحة فان الناس سيصبحون محركين لقوى لا إنسانية, ستقوم بالتحكم من خلالهم في العالم الاجتماعي, صحيح أن الشروط موجودة, وهي وحدها التي يمكن أن توفر التوجيه والواقع المادي للتغيرات الموجودة في حالة استعداد, لكن حركية الممارسة الإنسانية تتجاوزها وتحتفظ بها في الوقت نفسه, لكن السؤال المطروح هو كيف يمكن تفسير انفلات التاريخ في بعض الأحيان من الإنسان, هل يمكن رده إلى القضاء والقدر؟ يجيب سارتر على هذا السؤال ويقول: إذا انفلت مني التاريخ, فليس مرد ذلك أني لا اصنعه أنا, بل مرده أن الغير يصنعه أيضا..., التاريخ إذن في نظر سارتر من صنع الإنسان, سواء كان هذا الإنسان أنا أو الغير, وليس كما يظن القدر أو الصدفة.
      نستنتج من تحليل ومناقشة القولة المرفقة بسؤال, والمواقف المؤيدة والمعارضة, انه بالرغم ن محاولة ماركس منح التاريخ الإنساني طابعا واقعيا مرتبطا بظروف الناس المادية, فهو لم يخرج عن ما قدمه أستاذه هيجل, من رسم منطق خاص لحركية التاريخ, تنتهي عند حدود معينة, وينتفي من داخلها الفعل الإنساني, بحيث يصبح أداة طيعة بيد حركة هذا التاريخ, وهنا يصبح التصور السارتري إلى حد ما مقبولا, حين يطرح إمكانية صنع الإنسان لتاريخه, رغم ما يعرفه هذا الإنسان كشخص أحيانا من اكراهات, تقف حجرة عثرة أمام مشروعه التاريخي, وهو القول الذي يمكن أن ينسجم مع هوية الإنسان كشخص, تلك الهوية التي تتشكل من أبعاد متعددة متداخلة فيما بينها, فيها ما هو ذاتي أي الوعي والإرادة, وفيها ما هو موضوعي أي الظروف المادية والبيولوجية والاجتماعية منها والاقتصادية, كل هذه العناصر تدفعنا إلى القول بدو نسبي للإنسان كشخص في صناعة تاريخه, وهذا الدور لا ينقص من قيمة الإنسان, بل يرسم له الحدود الممكنة للتصرف بحرية في صنع تاريخه, وهذا التصرف رهين هو أيضا بامتلاك الإنسان لقدر من الوعي بماضيه, ولما يروم تحقيقه في المستقبل, فالإنسان ليس خاضعا مطلقا لقدر يتصرف به وبتاريخه كما يريد, وليس حرا حرية مطلقة, لكنه قادر على الوعي بما يعرقل نشاطه الفكري آو المادي.                                    


جاك ميجليوني: الدرس الفلسفي

الــدرس الــفــلــســفــي
بأي معنى يجب القول بأن الدرس الفلسفي لا يشبه درسا آخر؟ فباعتباره درسا يجب أن يفهم بنفس الطريقة التي نفهم بها درسا في الرياضة البدنية والرسم أو الغناء؛ إنه الفعل غير المنقسم للتكوين والتكون الذي ننجزه أمام التلاميذ، أو الذي نسمعه لنتعلمه ونحفظه؛ في حين يتطلب ميدان الرياضة البدنية والرسم أو الغناء ممارسة التلميذ الفعلية التي يحددها له الأستاذ، والتي يعالجها فيما بعد لتصحيح عملية إنجازها؛ فالأستاذ يطلب ويقوم، وإنجاز العمل كله متوقف على التلميذ. بالفعل أن الأستاذ يقضي الليالي في القراءة والتأمل، لكنه لا يذهب إلى المدرسة ليشتغل لذاته؛ على هذا الأساس هناك ميل اليوم إلى اعتبار أن الأستاذ لا يستحق ما يتلقاه من أجر وتقدير وهو يشغل تلامذته ويقوم عملهم.
       هل يتعلق الأمر أيضا بعمل لا ينتج شيئا وغايته الوحيدة هي تهيئ التلميذ للتكون فقط: فالأعمال المرئية التي لا نستطيع تقديرها، ليست إلا وسائل بالنظر إلى هذه الغاية. لكن التمرين الواقعي يبقى الحجة الوحيدة، فالغناء والرسم والرياضة البدنية مجالات تتطلب تطبيقا معينا يمكن من إرضاء جمهور محدد، لكن نتائج هذا العمل لا تعرض إلا للمشاهدة أو الاستماع، رغم كونه في الحقيقة عملا داخليا يمكن أن يكون موضوعا للتدريس. يبقى الهدف من هذا العمل هو التغلب على كبرياء الراشد الذي غالبا ما يكون سلبيا بالنسبة للفتيان، والذي يدفعنا إلى الاعتقاد بعدم وجود درس للتلقي، في حين أن التلميذ الحقيقي لا ينطوي على ذاته، بل يتعلم ويتغير بتقدمه الذاتي.
       إن الدرس الحقيقي هو الذي يغير الأفكار فيما بعد الدراسة، بل وفي الحياة كلها، هذا ما تعنيه بالضبط كلمة التكون والتعلم. يمكن أن تملأ أذهاننا بالمعارف دون أن نُكَون بأية طريقة؛ كما نسمع بأن نهاية الدراسة بما هي اكتساب شيء ما ينقصنا ولا نملكه بعد، أقل قيمة من أن نصبح على الشكل الذي نملك -مسبقا- القدرة الوصول إليه وتحقيقه.
       إعطاء درس لا يعني نقله وتقديمه كهدية، بل هو طلب وسؤال يمكن أن يصل إلى مستوى الإلحاح والإجبار؛ والسؤال المطروح هو: من يقدم أكثر؟ الأستاذ أم التلميذ؟، لنقل مع ذلك بأن فضيلة الأستاذ هي التقتير وليست الإسراف؛ فالدرس هو فعل تجميع واختيار، لأن ركام المعطيات والوثائق لا يشكل درسا، ولا يصلح حتى أن يكون درسا صامتا، فهو يبقى مجرد تجميع معطيات حول الكلمة التي تثير التفكير.
       لقد أصبح فعل التعليم غامضا بفعل وفرة التقنيات المخصصة للتواصل. وحتى لو لم نقل شيئا عن الصورة، فإننا لا نشك في كون الكلمات تنقل الأفكار بشكل سحري يصبح فيه التدريس فعل إفراغ وتعبئة، لكن رغم ذلك يجب أن نعرف بأن الأصوات لا تنقل إلا أصواتا، فحينما لا نتقن لغة معينة مثلا، أو حتى لغتنا المتداولة، فإن الكلمات حينها تصبح مجرد ضجيج لا معنى له؛ وعندما نبقى خارج الأسئلة المطروحة بسبب غياب الثقافة أو التعلم، فإن الكلمات حينها تصبح أحجيات غامضة.
       إن التعليم الحقيقي هو الذي تُتلقى فيه الكلمات على شكل دلالات، لكن المعاني التي تثيرها هذه الأخيرة لا توصلها إلا إذا كنا نحملها بوجه يجعلها تسبق الخطاب الذي يبقى بدون فعالية. إن الأستاذ الحقيقي هو الذي ينخرط في عملية التدريس من الداخل؛ لكن مدرسينا يتفادون أفلاطون وسان أوغستين: إنهم لا يريدون المخاطرة بفقدان مناصبهم.
       يمكن لحادث تاريخي أو حادثة نتعرض لها في حياتنا أن تكون درسا، لذلك يجب أن نتوفر على هامش كبير من الحرية لتغيير الأفكار، بل وأكثر من ذلك تجنب العادات والآراء التي تعيق التفكير. قد يكون من السذاجة الظن بأن المحادثة ضرورة من ضرورات الصحة، لأنها تتبع الاستعمالات فقط، في حين أن هذه الاستعمالات لا تدخل ضمن شروط الصحة؛ وقد قال موليير الشيء الكثير بهذا الخصوص، فالإشكال يكمن في معرفة كيفية الاستمرار في تشغيل الذهن بجدية فيما يتعلق بالصحة دون الميل إلى الفظاظة. فالحوار إذن، تكرار طقوسي لأسئلة سبقت الإجابة عنها، إنه المجال الذي يكثر فيه استعمال الآراء المفندة بشكل مستمر قد يمتد لقرون أحيانا، وذلك يتجاوز تلك التفنيدات أو معالجتها.
       فإذا ما وضعنا جانبا الفضيلة الاجتماعية للمضايفة التي تحظى بالاعتبار، يصبح الحوار مجرد أحكام مسبقة وانفعالات حزينة تؤثر سلبا على كل من الدراسة الحرة والمدرسة أيضا.
       ليس الفراغ هو الذي يعطل العقل، بل كثافة الأفكار هي التي تؤدي إلى ذلك؛ على هذا الأساس يراهن الدرس الفلسفي - منذ بدايته- على تجنب الآراء الجاهزة والأحكام المسبقة التي تحتل العقل وتمنعه من التفكير الذاتي؛ فلا يمكننا سماع درس معين، إن لم يعكس الجسد انتظامه للموضوع ذاته بتركيز الانتباه. فالذي لا يستطيع الإنصات وغير قادر على الالتزام بالصمت، وبالتالي كبح آرائه ونزعاته، فلن يفهم ولن يتعلم شيئا أبدا، ولهذا فالدرس يخالف المحادثة الملازمة للكوميديا الاجتماعية. من النادر أن نقبل بالتعلم أو التكوين بالشارع، أو في قاعة أو على طاولة حيث من المفروض أن تتقاطع المحادثات. وبصفة عامة نرفض التكوين أو التعلم في سن متقدمة. بالنسبة لأغلب الناس كما نعلم أن نكون كبارا يعني أنه لم يتبق لنا ما نتعلمــه - ولا حاجة للتذكير به - بأن المعلومات العادية ولو أذيعت عبر قنوات متعددة لا تشكل درسا البتة.
يجب التذكير بأن القسم يحتاج إلى حماية، فلن تبق له أية قيمة إذا ما تعرضت المؤسسة لكوارث مناخية تؤثر على التلاميذ والأساتذة. هل توافق السلطات المسؤولة على ترك المدرسين يدرسون والتلاميذ يتعلمون؟ هذا هو السؤال المطروح اليوم.
يعتبر الصمت داخل القسم شرطا ونتيجة للانتباه، فهو يرمز إلى استكانة الروح، ويثمن الحديث، فلا حديث الأستاذ ولا حديث التلميذ يكسران الصمت الذي سرعان ما نعود إليه في كل حين. هذا الصمت الذي يسبق ويلي الحديث. هذا الصمت الذي يحمل الحديث لأنه موقع المعنى، لن نقول أبدا ما الذي يجعل من القسم قسما، إنه ليس جمعا لمتناقضات، لكنه عدد محدود من التلاميذ، يمكن معرفته، وانعدام حركية الجسم والضبط والتحكم في الحركة. فهناك شروط فيزيائية من دونها يضيع الحديث؛ ومعنى ذلك أن الحديث لا يفتقد في الصمت، في حين قد يكسره دون أن يقضي عليه، ولكنه يضيع في الضوضاء والحركة. بطبيعة الحال يمكننا الكلام ونحن نتمشى، لكن الخطوة تعطي إيقاعا للتفكير في إتمام الحديث أو الصمت. من لم يعرف الزمن خارج الزمن والسعادة في التفكير دون انفتاح على العالم المحيط لن يعرف قط القسم ولا التعليم.
إن الدرس الإلقائي، أي تعليم الأستاذ ليس خطبة. يجب إعادة قراءة أفلاطون؛ الخطيب يريدك أن تعطي لمقولاته قيمة دون فهمها، فهو يراهن على ضعف المتلقي وعلى نزواته وتخوفاته وغرائزه، إنه يريد جمهورا لا يبذل أي مجهود، جمهورا غير مقيد بواجب معين، وما تقوله الكلمات بفعالية، هو أن الانتقال من الديماغوجيا إلى البيداغوجيا هو أن تجعل الطفل مكان الشعب وليس تغيير الروح، وعلى العكس من ذلك فالمدرس يجب أن يحبط كل الانتظارات les attentes.
يجب أن يجد المستمع - منذ البداية- نفسه محبطا أن يكتشف أنه يستطيع انتظار أي شيء ما عدا انتباهه، إنه أكبر سر للتعليم الذي يهيئ مستمعا شديد الانتباه، في حين أن البيداغوجيا الصاخبة تعد بالاختلاف والملل. لن تتحقق الفائدة إلا إذا استلهمت من المضمون وأحدثت بواسطة التعليم نفسه. ولكون الأهمية لا تسبق  التعليم بل هي نتيجته، ينتهي المستمع دائما باختصار اهتماماته العابرة أو القليلة القيمة، أو كما نقول محفزاته، وعلى سبيل المثال فإن ضرورة ومتطلبات فكرة عظيمة مكتوبة على سبورة سوداء تقضي على كل النماذج.
على العكس من ذلك وكيفما كانت دقة التقنيات المجربة في التداريب، فإن المدح  ليس له من نتائج غير هدم التعليم، عندما تلتقي هذه الابتكارات أو بالأصح المكائد مع دعم السلطة السياسية، فإنها تشكل انقلابا مستمرا ضد المدرسة، وتنمي الكراهية داخل المدرسة وضدها.
كيف -على سبيل المثال- (وليسمح لي الرياضيون على استخدام هذا التقليد) يمكن لبرهان على مثلث متساوي الساقين أن يفيد التلميذ إذا لم يتمثله ذهنيا أولا ؟ اللهم إذا  كان هو طاليس نفسه. يجب أولا أن نضع أنفسنا موضع التلميذ، كما يجب أيضا أن نتذكر بأن طاليس كان تلميذا لنفسه؛ وهنا بالضبط تكمن حقيقة التكوين: تعلم التفكير انطلاقا من ذواتنا (التعلم الذاتي) لأن البرهان ليس في الحديث أو الكلام، ولا رسوما نخططها على الرمال أو السبورة، فضلا عن أن المدرس الحقيقي لا يقدم نفسه كمالك للمعرفة. عن قريب كنا نصل إلى حد مقارنته بالرأسمالي القابض الوقح الذي يفرق خيراته ببخل. على العكس من ذلك فهو متواضع وفقير ودائم البحث كأي شخص لا يعرف الحقيقة بعد، هل هو مدرس غير عارف ؟ بالتأكيد لديه دائما شيء من سقراط،  فهو يساءل نفسه معطيا بذلك مثالا على الانتباه. هذه الصلاة الطبيعية التي بفضلها نحصل على الحكمة التي تنيرنا؛ حقيقة أن البيداغوجيين الرسميين وغير الرسميـين لا يقرؤون مالبرانش Malebranche، بسبب عدم مساءلة الذات أولا، وأيضا عدم مساءلة ذلك الأستاذ -لنفسه- الذي يجلس على الكرسي لإلقاء خطاب ليس خطابه الخاص. من الخطأ أن نقول عنه أنه درس إلقائي لأن الأستاذ لا يشتغل لنفسه، إنه يحكي ما يعتقد أنه يعرفه، في حين أنه ليس عملا فكريا، وأنه لا يعلم نفسه فقط؛ وكنتيجة لذلك فإنه لا يدرس ولا يساءل نفسه، وبالتالي فالأسئلة التي يطرحها على التلاميذ لا تجد طريقها إلى الفكر.
لهذا فإن الإنسان الذي يعتبر نفسه أكثر معرفة بالعالم قد يكون غير قادر على التعليم. ليس لأنه غزير المعرفة أو العلم، وبطبيعة الحال لن نكون كذلك، ولكن قد يبدو له تعلم الأشياء التي قد تعلمها فيما سبق من الرتابة بمكان.
إن هذا الشخص الذي يرفض تعلم الأشياء وتكرار نفس مسار التعلم لن يكون بمقدوره ممارسة التعليم. فأهلية التعليم مرتبطة بتكرار نفس مسار التعلم الذاتي، ولكوننا لن نرضخ لتعليم الآخرين، إذا ما نحن اقتنعنا بمعارفنا المكتسبة، وإذا ما تحررنا من الجهل والخطأ، وكذلك إذا لم يذهب المعلم إلى المدرسة ليتعلم أيضا، فإن التلاميذ لن يستمعوا إليه وسيسأمون منه؛ ليسقط بذلك في أسلوب الشرح الذي يترك - كنتيجة رجعية- بصفة كلية فتورا وإرهاقا أيضا. عندما يشرح المدرس ما توصل إليه بنفسه، يمكن أن يُسمع ويستحسن، لكن التلاميذ يفكرون في شيء آخر، مما يفسد انتباههم في الدرس الفلسفي أكثر من أي درس آخر. إن التسلسل المستجمع، وتقدم الفكر بالفكر، هو تقدم واع بذاته، لأنه لا يتملص من لحظة الخطأ والجهل، فالتلميذ إذن يملك إحساسا لا يتبع فيه فكر الآخر بشكل سلبي، أو شحنه -وكأنه وعاء- بفكر سبق التفكير فيه، لكنه يكون نفسه بتفكيره الخاص، لا بإجباره ومطالبته بالتفكير وكأنه مدين بفعل ذلك.
   تضيع الفرصة عند الاستعجال في استهلاك الفواكه المعرفية الناضجة جدا. فالتعلم ليس هو الاكتفاء بما أنضجه الآخرون، بل هو قدرة المرء على ترقب نضجه المعرفي بنفسه. لكن إنسان الحداثة لا يقبل  بأي فقر معرفي، فبالنسبة له تستهلك المعرفة، أو بالأحرى تحفظ حتى تستهلك في الوقت المناسب؛ معرفة متجمدة قابلة للانصهار من أجل الاستهلاك العادي، فلا حاجة هنا للجني والاختيار وتهيئ ومراقبة الطبخ. إن التقنيات الجديدة تضع رهن إشارتنا وبشكل انسيابي معارف عدة، كما لو تعلق الأمر بسوق تجارية كبيرة للمعرفة. معارف متجمدة لا حاجة لها بنا كي توجد، بل نلجأ إليها عند الحاجة، لكن هناك من بين الإنجازات الحديثة واحدة نعيها ولا نجرؤ على قولها، تتعلق بالاقتصاد وبالقضاء على المدرسة.
       تنشر المعرفة ولا توزع، وعلى كل فرد أن يسعى لامتلاكها شخصيا أن يكتسب قبل كل شيء ضبط حقل معرفي معين، وهذا هو ما يعنيه التعلم. على التلميذ ألا يبقى مكتوف اليدين كما لو أن الأمر يتعلق باستعراض لا يشارك فيه، لقد صار أخذ النقط بمثابة الحجة الوحيدة عل انتباه التلميذ، وإلقاء درس خير من حصة استعراضية تقام ليلا كما هو الحال في السينما.
 لقد تابعت لمدة سنتين درسا إملائيا في الرياضيات، شكل بالنسبة لي التعليم الأكثر حيوية، بحيث لم أر مثيلا له من قبل، فالأستاذ الشاب النحيف الذي كان يرتدي بذلة سوداء والمبرز حديثا، والذي -لحسن الحظ- لم يتلق أي تدريب بيداغوجي كان ارتجاليا، والسبورة تحفظ له بآثار الأشكال والعبارات، لكن الكلام يشكل -دون أن ننتبه لذلك- تحريرا كاملا. هذا الكلام كان جد قريب من الفكر الذي ما فتئنا نستجديه حتى دون أن نكون مدعويين لسماعه، حينئذ فهمت بشكل أفضل ديكارت، الذي حدثنا عنه أستاذنا في الفلسفة السنة الموالية.
" تلك السلاسل الاستدلالية، الطويلة، والبسيطة، والسهلة، التي اعتاد الرياضيون استعمالها في براهينهم الأكثر صعوبة".
يشدد التعليم الرياضي على الاحتراز الذي يجنب التلاميذ المجتهدين من أن يدحضوا من طرف التلاميذ النبهاء، ذلك لأن الدرس عندما ينتهي -كما نعلمه- تكفي قراءته قبل الدرس الموالي، والقيام بإنجاز التمارين المطلوبة. كل ما يجب معرفته بالنسبة لباقي الأعمال يكون مسجلا ومضبوطا على الدفتر، ويجد فيه كل من التلميذ المتعثر أو المشاكس ما يجعله يساير التعلم، وهذا ما لا نجده اليوم في معظم المواد الأخرى.
لقد فهمنا بأن النقط التي سجلناها، أو بالأحرى ذلك التحرير المنجز والمملى بشكل فعلي، كان حتما أفكارنا؛ لا شيء يقارن بتلك الدروس المنسوخة التي تعفينا من الذهاب إلى الكلية؛ التتبع والتفحص المعرفي لكلمة الأستاذ، يجعلنا كما لو أننا أخذنا تلك النقط بأنفسنا وباختيار شخصي، الشيء الذي كان يساعدنا على الإجابة على أسئلة الدرس الملزم على البحث، لكن ما نكتبه كان خاصا بنا، حتى تحرير الدرس قد أنجز بما كنا قادرين على التفكير فيه مباشرة وبأنفسنا.
يمكن القول إن الخمسة والأربعين  تلميذا الذين كنت من بينهم، كانوا يشكلون قسما، ندرس اللغة اللاتينية واليونانية، وقد التحق العديد منهم بالمدارس الكبرى وكنا جمهورا مدرسيا مختلفا عما نراه اليوم. وكرد عل خطاب الكراهية الذي يقول بتحريم الإقلاع عن المتطلبات المدرسية تحت ذريعة جعلها مواكبة لمستوى الشعب، والذي يقول كذلك أنه كلما كان مستوى التلاميذ ضعيفا كلما كانت المناهج أكثر شدة وصرامة.
كراهية الماضي تغشي بصر أنصار الحداثة بشكل يؤدي بهم إلى منع إشاعة  الاعتقاد الذي شكل قديما المجد المحتقر اليوم من قبل أساتذتنا، أجرؤ على إضافة أنه إذا ما ألححنا على إرغام التلاميذ على الدراسات التأملية، فسننتهي إلى تعليل الإقلاع عن كل تعليم واقعي. لكن التخلي التدريجي عن الضرورات المدرسية يؤدي إلى تضخم عدد الحاصلين على شهادة البكالوريا وليس العكس كما نتوهم لكي ندافع على أنه حان الوقت الذي سنعالج فيه مشاكل التعليم بجدية، بالرغم من كل النقائص التي تعتريه، وإلا كيف نفهم أن المدرسة الابتدائية نفسها قد أصابتها العدوى. هل نسينا أن المدرسة منذ قرن كانت تحتضن جميع الأطفال الذين كان عدد كبير منهم محرومين من التمدرس كما هو الحال اليوم؟
 بالعودة إلى مثالنا، نتساءل من أين أتى كل هذا الضجيج بخصوص أخذ النقط؟ يقول عباقرة علم النفس، أننا لا يمكن أن نكتب ونسمع في الوقت نفسه، كما لو نقول أن الموسيقي يمكن أن يتتبع التقسيم الموسيقي ويقود الاركسترا في آن واحد؛ الفرق الوحيد هو أن عمل الموسيقي في مجمله  يقتصر على حفظ التقسيم الموسيقي عن ظهر قلب، في حين أن الفكر يبقى في حاجة لنقطة ارتكاز تضيع إذا ما بقي مرتبطا بالأقوال التي ستتلاشى فيما بعد؛ لكن العناية التي يوليها التلميذ للفكر تلزمه بحفظ أثر منه، لكي يتمكن بعد ذلك -وبصمت - من بلوغ التفكير.
منذ ما يزيد عن ألفي سنة ونحن ننشر نقط الدرس، منها ما شكل مؤلفات فلسفية كبرى. نتمرن على أخذ النقط بالانتباه المساير للحديث والرغبة في حفظه والحفاظ عليه وعلى التركيبة نفسها التي تحمل هذا المعنى؛ وهذا يتطلب منا بطبيعة الحال معرفة القراءة والكتابة إلى مستوى يصبح فيه الدفتر بديلا عن الأستاذ؛ لكن الدرس يعني قبل كل شيء القراءة. هذا التمرين ينمي العقل، بشرط عدم الاقتصار على تراكم المعلومات. ليس أخذ النقط تخزينا، إنه قبل كل شيء اختيار وفهم واستيعاب للدرس، يؤدي أخد النقط -إذا ما تعلق الأمر بدرس معين- إلى أسمى مستوى من فن الإنصات.
بداية، يعتبر الدرس الفلسفي مثل جميع الدروس الأخرى، لكنه يشتمل على ضرورة غير متوفرة، أو على الأقل غير قائمة بنفس الطريقة في دروس أخرى، بحيث يراهن كل درس فلسفي على الفلسفة بكاملها؛ يجب أن تكون الميزة الخاصة لطريقة التفكير حاضرة باستمرار كيفما كان الموضوع؛ فإذا ما تجاهلنا الجدالات السفسطائية التي تعتبر ماهيتها مثيرة لكنها غير مسلية، فلا يجب أن نكثر في التمييز بين درس يعالج موضوعا ما من جهة، وبين سؤال وحوار من جهة أخرى. على هذا الأساس فإن السؤال ليس لحظة خاصة بالتعليم الفلسفي كما هو الحال بالنسبة لتمرين في المراقبة المدرسية. يتبع الدرس -بكامله ومنذ بدايته- الأسلوب التساؤلي، سواء كان المجيب أستاذا أو تلميذا،   وكيفما كانت قيادة  التفكير؛ من الأحسن أن يحتفظ الأستاذ بالإجابة في بعض الأحيان حتى يترك للتلميذ وقتا للتأمل من جهة، ويبادر على الإجابة من جهة أخرى، وبالتالي فهو يساهم في تشكيل الخطاب رغم أنه يؤدي إلى إحداث منعرج أو موجز لم يكن متوقعا، ذلك لأن الدرس يتشكل وفقا لمقياس، ويتقوى بالصعوبات، بمعنى الحظوظ التي تتوفر، والتي لا نتوقع ظهورها دائما.
 أما بخصوص الدرس الإلقائي، فإذا كان المعلم على الأقل معلما حقيقيا، فإن التلميذ يرتقي إلى الوصول إلى المصادر الأولى لفكر لا يقدم كما فكرنا فيه مسبقا، لكنه ذلك الفكر الذي يتشكل أمام التلميذ ومعه وعبره؛ لهذا ففي أحسن الدروس لا يحتاج التلميذ لأن يسأل بهدف الإجابة، لكن لكي يعترض ويطرح السؤال بنفسه، وبأنه مدعو للإجابة والاعتراض عوض المعلم، حتى نشهد بأنه قد امتلك بنفسه التحكم في التفكير.
عندما لا نفهم ما معنى التعلم، ونفتقر للحرية العقلية، لا نتوقف عن تخيل الذرائع التي تهدف إلى إفراغ التعليم من كل ما يمكن أن يشكل مادة للتعلم؛ تلك هي الافتراضات الضمنية لكل الإصلاحات لكي نخفي كل ما يمكن أن نسميه بغرابة الإخفاق المدرسي. لا نحتاج إلى التخلي عن المضمون ونعتقد في الأخير بأننا تحررنا من كل المتطلبات الخاصة بكل مادة، وبهذا نريح ضميرنا لكي لا ندرس أي شيء؛ في حين أنه من أجل التعليم، يمكن الاكتفاء بمعرفة أن العقل يوجه العقل، وأن الكلام هو الوسيط بين العقول، وأن القسم بكامله يطلب بقوة وإلحاح بواسطة الحضور الفعلي لفكر يساهم في بناء نفسه بنفسه. فالذي لا ينتبه من تلقاء نفسه للروابط التي تجمع بين الكلام والفكر، ويتعلق بفكر غيره أو بفكره الخاص، سيبقى دائما -وكيفما كانت المبررات- عاجزا عن ممارسة التعليم. فمضمون درس ليس كالمنتوج الصيدلي الذي لا يمكن أن يقدم بدون سواغ Excipient. حضور العقل للعقل هو الشرط البيداغوجي الوحيد: هذا المضمون الذي يتقوى حيث لا يمكن أن نقول أنه لا يحفظ أكثر من الحكم - كما يستحضره كانط- إلا عبر المثال والتمرين. فبخصوص التلاميذ الذين قد أشرفوا على نهاية الدراسات الثانوية، نفترض بالتأكيد أن لهم معارف كافية حول اللغة التي تستحيل من دونها القراءة والإنصات: معرفة القاموس والنحو، بمعنى ضبط فكر لا ينفصل أبدا عن تعبيره، كما هو حال الهدف الأول لكل درس. هذا التأمل في الكلمات، في تقاطعاتها وتقابلاتها، يبقى أحسن وسيلة للتمييز والربط فيما بينها بالمفاهيم، ومراجعة كل شيء انطلاقا من عناصر.
       يجب أولا التفكير في التعليم الفلسفي كتعليم أولي، إذ يقول هيجل بهذا الخصوص بأن قواعد اللغة هي الفلسفة الأولية. لنطرح بدورنا السؤال: هل يمكن لأساتذة الفلسفة أن يكونوا آخر المدرسين؟ نستطيع بالطبع أن نتساءل عن علاقة الحركية البيداغوجية التي تتجاوز اليوم كل المقاييس، بتراجع اللغة الفرنسية في المدرسة: فأين يكمن السبب؟ وأين تكمن النتيجة؟
       أخيرا، فإن الدرس الفلسفي يندرج في وحدته وكليته، حيث يكون المحور معلوما من البداية حتى النهاية. لهذا فالأستاذ ليس في حاجة ليكرر تكرارا حقيقيا لكي تكون لتعليمه قيمة إيجابية وفعالة وغير مملة.
واجه تعليم الفلسفة منذ أكثر من عشرين سنة نوعين من التهديدات: فمن ناحية واجه المشاريع الوزارية المتتالية الهادفة إلى تقليص تدريس الفلسفة واختفائه؛ ومن ناحية أخرى واجه الأنماط الفكرية العاملة على تفريغ هذا التعليم من محتواه. في الستينيات كثيرا ما أهمل البرنامج بأكمله تقريبا لفائدة الثلاثي الشهير: ماركس، نيتشه، وفرويد،  »فلاسفة الشك  «كما يقال، والذين تتم الاستعانة بفلسفتهم لإبطال كل فلسفة؛ بالإضافة إلى النجاح الذي حققته العلوم الإنسانية الدافعة إلى تجميع معطيات المراد منها أن تشكل وثائق حول الأحلام، حول العصاب أو ما يشبهه، دون أن نتمكن من التوضيح الفلسفي لمفهوم واحد مستعمل، كاللاشعور على سبيل المثال. لقد تم إرجاع إخفاق هذا التعليم إلى البرنامج الموسوعي الذي لا يمكن تطبيقه. وقد ذهبنا إلى حد وضع مفهوم البرنامج نفسه في القضية، وهذا باسم مصلحة التلاميذ ومحفزاتهم، ولحرية البحث التي تم تخليصها من الإكراهات القديمة والتعسفية التي لم تعد صالحة. يمكن اليوم أن نعرف بسهولة المذهب المعزز من طرف السلطة السياسية، وهي في الحقيقة فكرة الدرس نفسه، الدرس الذي تم تناسيه وطرده، ليس في الفلسفة فقط، الشيء الذي يفسر بأننا لا نظن دائما أننا مجبرون على إنهاء مقرر التاريخ أو الجغرافيا مثلا: إذ يمكن للتلاميذ أن يجتازوا البكالوريا دون أن تعطى لهم الفرصة في معرفة حوض البحر الأبيض المتوسط أو الثورة الفرنسية !
يمكن أن نمضي كل حياتنا المهنية في معالجة السفسطة الإبمينيدية  d’Epiménide أو العصاب دون توقف. في حين أن الدرس يتحدد بمدته أولا، والسؤال الذي يطرح إذن هو: كيف نكون عرضا يستدعي الفكر في حدود الوقت المتوفر؛ فعندما يتعلق الأمر على سبيل المثال بفكرة الحقيقة، فلا يمكن لإنجاز درس في ساعتين أن يكون ملخصا لدرس سنة كاملة. لا تسمح شروط الوقت لا باختصار الدرس ولا بتقطيعه؛ ببساطة من الصعب دائما اختصار الدرس. لا يستطيع الغبي سوى أن يحصي ويعرض معلومات أو نظريات. يجب أن يكون المرء أكثر اطلاعا من أجل التبسيط، أو بالأحرى إبراز الأساسي لتبسيط القول. تحضير الدرس يتطلب ثقافة معمقة، وقدرة على التأمل تمكن من الوصول إلى البسيط واستخراج الأساسي. تجب الإحاطة بكثير من الثقافة الفلسفية والتفكير التأملي لإنجاز درس كامل في ساعتين حول الحقيقة. لا يعني أنه بمجرد إنجاز درس كامل مباشرة وبوضوح لجمهور متواضع، أنه قد تم إنجازه بشكل جيد؛ بيد أن المشكل يكمن في كل من شروط توضيح الفكرة والوجهة المستقيمة للمحور الفلسفي التي لا تتطلب أكثر من نقطتين مركزيتين كافيتين لتشكيل كل  Un tout يستند على مركز للتفكير، ولا يتكون داخل خليط غير محدد الأجزاء. فالعرض  étalageليس له حد ولا نهاية، في حين أن الدرس الأصيل له حد لأن له نهاية.
       من خلال القراءة واعتماد الأعمال الفلسفية، نتعلم بناء الدرس، ويمكن لكل من المثال والملاحظة والصيغة أن تحقق الاقتصاد الداخلي للتنمية، وبالتالي فهي تعطي القوة للتحكم في الجدول الزمني المحدد؛ وما يخص درسا واحدا، ينطبق على دروس سنة كاملة؛ لكن هذه الدروس -المفترض إنجازها- هي التي تحدد مضمون درس بسيط في تصميمه وحدوده، خاصة وأن كل درس، مهما كان موضوعه ومدته، يمكن أن يكون درس فلسفة حقيقي ! تدعو فيه الخلاصة -دائما- للاستمرار والمتابعة، دون أن تكون حدا يصطدم به التفكير. لكن التلميذ ليس هو هو، فقد تعلم وهو يعلم ذلك.
       بعدما تخلينا ولمدة طويلة عن الأعمال الفلسفية نفسها لفائدة النظريات المتجاوزة والملخصة بشكل سطحي، اكتشفنا القراءة المباشرة لأمهات النصوص؛ وقد أحدث هذا تقدما هائلا أنقذ التعليم الفلسفي فعليا من الإهمالات التي من خلالها تمكنا من التخلي عن حقول معرفية أخرى، كما أدى هذا التقدم أيضا إلى نتائج معاكسة.
يعوض الدرس في بعض الأحيان بمجموعة متنوعة وغير محددة من النصوص المختارة اعتباطيا بأجزاء مختارة تعفي من قراءة المؤلف مباشرة، وقد تم تناسي بأن فقرة من نصوص ديكارت أو صفحة من مؤلفات كانط يجب أن تستدعى من طرف السؤال الفلسفي الذي نطرحه بأنفسنا. الأستاذ الذي قرأ وتأمل يصل إلى القسم إذن وهو يحمل مقطعا عبارة عن صفحة أو مجرد صيغة لإلقائها كإضاءة حول الموضوع الذي يقترح معالجته، والذي لا يتردد في أن يمليه على التلاميذ؛ في هذه الحالة لا يصبح شرح النص تمرينا متميزا، لكنه يشكل جزءا مكملا للدرس، سواء لأنه يساعد في عرض الموضوع وفتحه، وتحديد المحور الفلسفي، أو أنه يمكن من إنجاز الدرس. مادامت مصادر المعرفة الفلسفية متعددة، ستصبح كل محاولة لتقنين الإجراءات مجازفة لا طائل منها؛ إن الذي يسعى إلى تقنين المادة، إنما هو شخص يزيغ عن الأهم ولا يعير مفهوم الحرية أي اهتمام؛ لابد من تكرار هذا القول: على المدرس أن يكون ذا ثقافة فلسفية متجددة باستمرار ومدعمة بقراءات متكررة، عليه ألا يعتبر الظروف المؤسساتية (برامج أوقات العمل، امتحانات) عراقيل، وإنما هي ظروف عمله، ولو كان يتمنى ما هو أحسن منها عليه بالخصوص كلما رحل إلى ملاقاة تلاميذه أن يجد مبررا لتنقله. فالمستمع يميز بسرعة إذ كان ما يتلقاه مطابقا لقاعدة دخيلة أو طقس بال، أو أنه على العكس من ذلك نابع من الفلسفة، فتنفتح الأذهان وتتحاور في أعلى المستويات؛ في هذه الحالة ما يقدمه التلاميذ كهدية يتمثل في حضورهم المركز، وفي مشاركتهم التلقائية، وفي تطورهم الذاتي ورغبتهم اللامحدودة في التعلم وإدراك سعادة التفكير.
يفترض تدريس الفلسفة إذن ضبط مادة محددة، وإيجاد معرفة مبدأها تعميق هذه المادة وكذا ثقافة مجددة لها، وأخيرا حضورا ذهنيا يترجمه النظر باستقامة في وجوه التلاميذ، يتحقق به حوار العقول، دون الحديث عن استعمالهم السليم للغة وتكوينهم الصلب الذي يعتبر من أهم الشروط الأساسية في التعليم الفلسفي؛ وأي تطور آخر يأتي بعد هذا يدخل في باب التجربة ويعفي من كل التجارب اللامسؤولة.
مثال واحد: لنأخذ المقطع SEQUENCE الأول من مقرر في البكالوريا التقنية G/F الطبيعة والتقنية والفن. من المؤكد أنه بساعتين فقط في الأسبوع ومع تلامذة قليلي التكوين يستغرق المدرس مدة طويلة في دروسه حول الطبيعة؛ ولن ينتهي منها أبدا، إذ يبدو وكأن السنة غير كافية ولا أحد يتعلم شيئا. إن هذه المسألة (الطبيعة وحدها) يجب أن تطرح في أعلى مستوى من التعليم الفلسفي كموضوع واحد للنقاش في برنامج سنوي؛ نفس الشيء بالنسبة للمفهومين الآخرين(التقنية والفن). ألا يمكن إيجاد موضوع تتوحد فيه المفاهيم الثلاثة ويجعل منها موضوعا واحدا. لنتخيل مدرسا يأتي منذ الدقيقة الأولى ويطلب من التلاميذ أن يكتبوا على السبورة: " إذا كان فن صنع البواخر يعتمد على الخشب، فإن هذا يؤثر على الطبيعة" (Physique II,199b). إن المسألة لا تستدعي قراءة أفلاطون وإعادة قراءة أرسطو لكي نعلم أن الباخرة لا تنمو كما ينمو الشجر، وأن أي مادة مصنوعة ليست من صنع جيل ولا من نموها كما هو الشأن بالنسبة للنبات أو الحيوان؛ هناك ما يدعو إلى التساؤل حقا، قد يكون التفكير عن الجيل وعن الصناعة أحد محاور التلاقي بين الطبيعة والتقنية في ظروف يميزها الجهل باللغة الفرنسية على مستوى القراءة والكتابة. يمكن إثارة مسألة اللغة (الخطاب) من أصعب المشاكل، إذ يصبح الدرس منصبا على شرح معاني الكلمات، ومحاولة رفع مستوى القسم إلى إتقان القواعد الأولية للغة واستيعاب المفاهيم ومعانيها؛ يمكن إتمام هذا المثال بافتراضنا أنه في حين من الأحيان قد يطلب المدرس من تلامذته أن يكتبوا على السبورة ملاحظة كانط الآتية: "إن كل ما نفعل ( نستطيع فعله) عندما  ندرك أن الشيء الذي نبحث عنه لا يسمى فنا"(Critique du jugement, S.43) يجب ألا تكون التقنية مجرد تطبيق للمعرفة، ذاك هو السؤال الجوهري المتعلق بهذا المفهوم، وفي الأخير يقول كانط: " العبقرية هي تلك الموهبة التي بواسطتها تعطي الطبيعة قوانين الفن" (Critique du jugement, S.46)؛ وهكذا فإن الإبداع في ميدان الفنون الجميلة لا ينحصر فقط في التراكيب أو البناء، بل تبدو العبقرية الفنية وكأنها في ارتباط مع الطبيعة؛ وسنحقق الكثير  إذا مكنا التلميذ من أن يستعمل ويبرز المعاني المختلفة لكلمة فن في" فنون المهنة" والفنون الجميلة.
هذا المثال لا يُؤخذ كنموذج مهم رغم ما تميز به من عالمية، لأن كل فرد له ثقافة خاصة تساهم في تشكل أسلوبه الشخصي. لقد أردنا فقط أن نبين إلى أي حد يكون مدرس الفلسفة حرا في بناء دروسه، وأن المقرر المطبق حاليا يجب اعتباره -على الأقل- نقطة ارتكاز، بدل أن يتخذ كعراقيل تمنع من تطبيق هذه الحرية. دعونا من الحديث عن الحمولة الزائدة SURCHARGE، لابد من الاستمتاع بحرية أكبر حتى لا تبتلعنا الأسئلة العديمة الأهمية، ونضيع في دوامات يكون المشهد الرئيس فيها متميزا (غير مرئيINVISIBLE)؛ إن ساعة واحدة قد تكفي أحيانا لتسليط الضوء على سؤال مركزي يختزن كل التقليد الفلسفي.
نرى أن الدرس الحقيقي يفترض أولا بأننا قد قمنا بالتدبير، حيث يجب تجنب العوائق التي خلقتها الطريقة الفصلية والتفلسف دون احتراس في الصمت المتحمس إضافة إلى مشاركة القسم؛ صمت متحمس لأننا نهتم بالشيء نفسه فقط، لكنه صمت خصب بالعبارات الشاهدة على الفكر ذاته. الدرس هو هذا الخطاب الذي يثير-بدون بلاغة- التأمل دون أن يحدث أي شيء بنفسه: فهو بكل بساطة يدفع العقل للتفكير. نعني أن هذا الخطاب هو خطاب ظاهري (سهل الإدراك)، يتطلب منا على الأقل أننا نستطيع بالتأكيد أن نقرأ ونكتب، ونمتلك -بدون شك- ما يجب أن نمتلكه من معجم علمي أو تقني؛ لكنه لا يعرض البتة ألغازا للحل؛ وكما يحب أن يقول البعض: إنه يحدث التفكير بكل بساطة.
يمكن أن ننجز بعد درس الرياضيات تمارين ونحل المشاكل التي تبقى من دونها المعطيات غامضة، ويمكن -بعد درس الفلسفة- أن نقرأ ونشرح النصوص، نكتب ونعالج الأسئلة؛ البحث (الإنشاء الفلسفي) الذي يكتبه التلميذ لم يوضع للمتفحص من أجل معرفة ما يستطيع التلميذ التفكير فيه، لكنه وضع فقط لمعرفة ما إذا كان التلميذ مكونا وقادرا على التفكير. الدرس الفلسفي يؤسس التلميذ الفيلسوف. يُعرف الفيلسوف الأكبر بأنه دائما تلميذ الحقيقة؛ وواضح أن الجدير بهذا الاسم في ثانوية ما -إذا كان موجودا- هو الأستاذ أولا، القسم هو مجال الحرية، مجال التفلسف بامتياز. فكيف نظن إذن، أن هنالك من الفلاسفة من لازال قادرا على انتظار أن نقول له ما يجب أن يفعله؟
 جاك ميجليوني
ترجمه عن النص الفرنسي : جواد بلكامل

نص لهيدغر حول تهديد الغير

تهديد الغير
إن التباعد باعتباره خاصية مميزة للوجود – مع – الغير، يلزم عنه أن الموجود – هنا يجد نفسه داخل وجود- مشترك يومي تحت قبضة الغير. إن الموجود – هنا، باعتباره وجودا فرديا خاصا، لا يكون مطابقا لذاته، عندما يوجد على نمط الوجود – مع- الغير، لأن الآخرين أفرغوه من كينونته الخاصة. فإمكانيات الوجود اليومية للموجود هنا، توجد تحت رحمة الغير. فالغير في هذه الحالة ليس أحدا متعينا، بل على العكس من ذلك، بامكان أي كان أن يمثله، فما يهم هو هذه الهيمنة الخفية التي يمارسها الغير على الوجود-هنا عندما يوجد مع الغير. فالذات نفسها عندما تنتمي إلى الغير تقوي بذلك من سلطته.
إن " الآخرين "، الذين نسميهم بهذا الاسم لإخفاء أننا ننتمي إليهم بشكل أساسي، هم الذين يوجدون منذ الوهلة الأولى، وفي الغالب، وفي الحياة المشتركة على نمط " الموجود-هنا".
في استعمالنا لوسائل النقل العمومية، أو في استفادتنا من الخدمات الإعلامية ( قراءة الصحف مثلا )، نجد أن كل واحد منا يشبه الآخر. فهذا الوجود- المشترك يذيب كليا الموجود – هنا، الذي هو وجودي الخاص، في نمط وجود الغير، بحيث يجعل الآخرين يختفون أكثر فأكثر ويفقدون ما يميزهم وما ينفردون به. عن وضعية اللامبالاة واللاتمييز التي يفرضها الوجود-مع-الغير، تسمح للضمير المبني للمجهول " on" أن يطور خاصيته الديكتاتورية التي تميزه.
إننا نتسلى ونلهو كما يتسلى " الناس " ويلهون، ونقرأ الكتب ونشاهد الأفلام، ونحكم على الأعمال الأدبية والفنية كما يقرأ الناس ويشاهدون الأفلام ويحكمون على الأعمال الأدبية، وننعزل عن الحشود كما ينعزل الناس عنها ونعتبر فضيحة ما يتعبره الناس كذلك ( ...)
يمكن أن نقول : لقد أريد هذا، كما يمكن أن نقول لا أحد أراد هذا فيصبح كل واحد هو آخر، ولا أحد هو هو ، إن المجهول الذي يجيب عن سؤال من هذا الموجود- هنا ليس شخصا متعينا، إنه لا أحد.
مارتن هايدجر، الوجود والزمن، الترجمة الفرنسية لبويم دي ويلهانس، غاليمار، 1964،ص: 158-160
Martin Heidegger, Etre et Temps.


 1- تــأطـيـر الــنـص:
النص عبارة عن مقاربة فلسفية مقتبس من كتاب" الوجود و الزمن"، وفيه يروم الفيلسوف الى ابراز معنى الوجود في العالم ومع الآخرين والتفكير في سؤال معنى الوجود، وذلك ببحثه في الوجود الإنساني الراهن والعيني  (Dasein)
2- صــاحــب الــنــص:
مارتن هايدجر فيلسوف ألماني ( 1889- 1976 ) و لد بقرية مسكرش – بالغابة السوداء – ونشا في أسرة مسيحية تنتسب إلى الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، تشبع منذ صباه بتعاليم القديس توما الأكويني حيث كان يعد لنفسه لحياة الرهبنة لكنه عدل عن ذلك، وكرس نفسه لدراسة الرياضيات والعلو الطبيعية والفلسفة. التحق بجامعة فريبورغ ودرس على يد هوسرل، وأعد تحت إشرافه رسالة للدكتوراه عن نظرية المقولات والمعنى عند Duns scot، اهتم منذ ذلك الحين بالثراث الفلسفي القديم، ولم يلبث أن عين أستاذا للفلسفة بجامعة ماربورج سنة 1923، فعكف منذ ذلك الحين على تعمق مشكلة الوجود، واهتم بالكثير من المسائل الميتافيزيقية الأخرى، إلى أن تمكن سنة 1927 من إصدار الجزء الأول من كتابه الضخم المسمى باسم " الوجود والزمان"sein und zeit . هذا والتحق الفيلسوف بجامعة فريبورغ وعمل بها أستاذا مساعدا لهوسرل،ثم خلفا له سنة 1929.ظهرت له في تلك السنة أبحاث قيمة،أولها كتابه المشهور:"كانط و مشكلة ما بعد الطبيعة" ثم " ما تعيه العلة" وهي دراسة قدمها هيدجر الى أستاذه هوسرل بمناسبة بلوغه سن التقاعد.وأخيرا رسالة له بعنوان " ما الميتافيزيقا؟" وهي عبارة عن محاضرة ألقاها بجامعة فريبورج في 24 يوليوز1929، بيمناسبة تعيينه أستاذا بها خلفا لهوسرل.
ومن أهم كتابته الفلسفية ندكر: " هيلدرلن و ماهية الشعر" سنة 1936،" نظرية أفلاطون في الحقيقة" سنة 1942،" ماهية الحقيقة " سنة 1943، " رسالة في النزعة الانسانية " سنة 1947، " متاهات" سنة 1950، " ما الفلسفة ؟ " سنة 1955.
3- إشكال النص:
هل وجود الغير يمثل تهديدا بالنسبة للانا ؟
4- مفاهيم النص:
•الموجود- هنا: الأنا
•الوجود المشترك: المجتمع
•الوجود مع الغير: الحياة الاجتماعية التي ينخرط فيها الأنا مع الغير.
•الوجود مع الآخرين: هو ذلك النسيج الاجتماعي للموجود البشري بوصفه موجود يحيا دائما مع الآخرين Mitsein " والآخرون " أو " الغير " إنما هم أولئك الذين " أوجد " معهم، ويوجدون معي سواء بسواء.
•الكينونة: ما يمثل جوهر الكيان الشخصي لكل فرد والمقصود الخصوصية
•On: ضمير مبني للمجهول يستعمل عادة في الأمثال و الحكم التي لا يعرف قائلوها والتي تعبر عن مجموع الآراء والمعتقدات التي يشترك فيها الجميع.
5- أطروحة النص:
إن حضور الغير في علاقته بالأنا هو إفراغ للذات من خصوصيتها وكينوناتها الفردية التي تميزها عن أخرى وتذيب كل الاختلافات  والتمايزات التي تفقد هويته التي تميزه في الحياة اليومية المشتركة مع الناس.
6- أفكار النص:
- الوجود مع الغير يجرد الأنا من خصوصياته ويقوي من سلطة الغير ويجعل الأنا مجرد جزء من الآخرين لا هوية له.
- التواجد مع الغير في مجتمع يجعل الأنا يشبه الآخرين فيذوب وجوده  الفردي في الوجود الاجتماعي ويصبح الموجود الحقيقي هو الآخرون وليس الأنا
 7- حجاج النص:
-أسلوب التوكيد:"إن التباعد باعتباره خاصية.."
-أسلوب التعليل:"...لان الآخرين أفرغوه من كينونته الخاصة"
-أسلوب الاستدراك:"بل على العكس من ذلك"
-أسلوب التمثيل:"قراءة الصحف مثلا"
-أسلوب التقابل: الموجود هنا#الغير/ وجودي الخاص#وجود الغير
 8- خلاصة تركيبية :
إن الوجود مع الآخرين لا يشكل ضرورة أنطولوجية لابراز الذات، ذلك أن وجود الغير في علاقته بالأنا ليس إلا إفراغا للذات وذوبان الفرد في حياة الجماعة. بحيث يفقد الشخص هويته التي تميزه في الحياة اليومية المشتركة مع الناس .
9- قــيـمـة الــنــص:
إن قيمة هذا النص تتجلى في رهان العلاقة الوجودية مع الغير وتصوره للانسان الحديث في علاقته مع الجمهور و انغماسه معهم، حيث أن هذا الأخير أصبح يعيش في حالة جماعية زائفة باتخاده من " الوجود مع الآخرين " ذريعة للتنازل عن وجوده الخاص ليصبح وجوده مجرد انغماس في عالم الجمهور. و هكذا فقد انسان العصر الحديث انسانيته و حريته، و صار مجرد موضوع ينطق بلسان الآخرين. لكن هذا الوجود الذي هو في نظر هيدجر انما هو ذلك الوجود الحقيقي الذي تشعر معه الذات بأنها قيمة بنفسها، مسؤولة عن ذاتها، وأنه قد خلى بينها و بين حريتها و أنه لا بد لها من أن تأخد على عاتقها تبعة وجودها.   
10- حدود النص:
جون بول سارتر:
 إن حضور الغير بالنسبة للأنا هو سلب للذات و قتل لعفويتها و ذلك بوصف الأنا موضوعا، فكل محاولة لادراك الغير هي مجاوزة للذات في فهم الآخر. فادراك الغير بوصفه أنا آخر مخالف لأناي هي علاقة بين أشياء لا علاقة بينهما.
    إن قيمة الموقف السارتري يتجلى في ما يراهن عليه الفيلسوف في فعل النظرة، ذلك أن فعل النظرة هو فعل مزدوج، فهو ضروري من أجل إدراكي كوعي و كذات. وفي الوقت نفسه يصبح هذا الفعل بمثابة قيد يحد من حرية الذات ليصبح الانسان عبدا أمام فعل هذا الأخير. لكن رغم عبوديته، فالفيلسوف يراهن على حرية الفرد واستقلالية الذات من تبعية هذا الاخير.
جيل دولوز:
 إن حضور الغير بالنسبة للأنا لا يشكل أنا آخر من حيث هو مخالف لطبيعة الأنا، و إنما بوصفه عالما ممكنا لا يظهر من خلاله الغير كذات  أو كموضوع و إنما يظهر بوصفه عالما لم يتحقق في بعده الواقعي.لكن رغم ذلك فهو عالم معبر عنه من خلال لغة معبر تمنح صفة الوجود لهذا العالم الممكن لينفتح أمام الذات و ينكشف هذا الآخر للأنا و ذلك بالتعبير عنه بلغة واقعية تجسد حقيقة هذا الآخر وتجعل من عالمه الممكن عالما قائما الذات.
غاستون بيرجي:
 تشكل الذات عالما  فردا من نوعه  في استقلال وانفصال عن الغير ، إذ لا يمكن سبر أغوار أحدهما  رغم حضورهما معا .  
-استحالة معرفة الغير من فضل  الحواجز والعوائق التي تنصبها الذات أمام الآخرين مما يجعلها ذاتا  مبهمة أو شاذة تستعصي على الإدراك والمعرفة .
-لا يمكن معرفة الغير كذاتي ، لأنه وإن كان شبيها لي فإنه ليس مثلي ، وهنا تطرح مسألة الاختلاف وأن الغير لا يمكن أن يماثل الذات و إنما يختلف عنها ، وهذا الاختلاف يخرج الغير من دائرة المعرفة والضبط والإحكام 
 استحالة معرفة الغير  تطرح لنا مسالة  عزلة الأنا الذي  له إمكانية  الاستغناء  عن الآخرين وبالتالي نسقط في الفر دانية المتطرفة أو الأنا وحدية ، مما يجعل مسألة التعايش والتفاهم مستحيلة ما دام لا يوجد أساس مشترك يمكن أن نتفق عليه  وأن ننطلق منه في عملية بناء الذات  انطلاقا مما  تنتجه هذه الذوات 
هوسرل:
معرفة الغير ممكنة وذلك بوجود عالم مشترك يمكن الذات والغير من الغير من الارتباط بينهما . وهذا المشترك هو ما يسمى بالعالم .
الوجود مع في عالم مشترك ومن خلال التجارب التي يمتلئ بها هذا العالم هو ما يمكن الذات من معرفة الغير . إنفراد الذات بتصور خالص للعالم ، وهو ما يميزها على الآخرين ، لكن هذا العالم نفسه هم من يضمن معرفة الغير ، إذا بارتباطهما بهذا العالم نخلق مجالا مشتركا للإدراك من خلال ما أدركه من العالم .
العالم هم مجال الأفعال والأعمال ، وهذه ناتجة عن الأفراد مما يجعلها تدل عليهم وتحيل إليهم ، وهذه الأعمال تتراكم لتشكل مجموع التجارب تتواصل فيما بينها وتتعارف ، مما يجعل هذا الوسط العام والمجال الذي ندرك فيه أفعال الإنسان ومن ثمة  يدرك الإنسان ذاته أو الغير .
الخاتمة:
 لا يجب أن ننظر إلى علاقة الأنا بالآخر وكأنها تتلخص في صراع  حول الموضعة  , بل يجب أن ننظر على أنها  علاقة تواصل  الشيء الذي ينفي  العلاقة المعرفية الموضوعية التي هي نتيجة للنظر من موقع الأنا  أفكر أو العقل في نشاطه القائم على التجريد والتقييم , وهذه الوضعية يمكن تجاوزها عندما يدخل الأنا والغير  في علاقة معرفية  متبادلة  كل منهما  في  فرديته ووعيه وحريته , ويحضر التواصل حتى في حالة اللاتواصل  لأن غياب التواصل هو  تواصل ممكن .

لا بد من إقامة  علاقة جدلية تركيبية بين الذات والغير ، إذ لا وجود لاستقلال كامل إلا للكائن المطلق أو للكل المطلق  فالفرد لا يعرف  الاستقلال الكامل عن الآخرين ، بل يكتسب استقلاله ضمن وجوده معهم مما يجعل الفرد  ليس مسئولا  على نفسه فقط  وانه سيد  على نفسه ومستقل  وحر كليا  في أفعاله  والحكم عليها وإنما  المسؤولية  تتعداه إلى الآخرين .