الأحد، 17 نوفمبر 2013

هل تحقق اللغة التواصل أم تقصيه؟


الموضـــوع: هل تحقّق اللغة التواصل أم تقصيه؟


ملاحظات منهجية:
المطلوب: إمكانية تحرير
المقدّمة:
 رصد دواعي طرح المشكل
( يُستحسن ضبط المقدّمة بعد الاشتغال على أهمّ محطّات الموضوع أطروحة ونقدا وتأليفا ذلك لأنّ للمقدّمة دورا استشرافيّا لأبرز ما يتضمّنه العمل من تحدّيات وأهداف ومضامين فلسفية ومنهجية..)
إذا كانت الفلسفة منذ بداياتها الأولى، مبحثا جعل من الوجود الإنساني من أبرز أولوياته تساؤلا و شكّا و نقدا وغوصا في أصوله وفروعه و غاياته، فإنّ هذا الوجود هو بدوره مورّط ضمن بعد آخر "ملأ الدنيا و شغل الناس"، و هو البعد الرّمزي الذي يجسّد الوجود اللغوي أبرز وجوهه و أشدّهم طرحا للإحراج نظرا للطابع الملغز للظاهرة اللغوية حيث تتعدّد الألسن بتعدّد الأفق الثقافي والاجتماعي الذي تنبثق ضمنه اللغة أوّلا، و نظرا للبعد التطوّري الذي تتّسم به اللغات تاريخيا ثانيا، و كذلك لتعدّد الصّيغ التي يمكن أن نقول بها ما نريد استنادا للتصوّر الأرسطي المنبني على "أنّ الوجود يقال على أنحاء شتّى" الشيء الذي يدنينا من الآخر تأسيسا لأفق تواصلي ممكن بين الذوات حينا، ويقصينا عنه أحيانا نظرا لالتباس المعنى أو لتحوّل غائية اللغة من تأكيد التفاهم إلى تفنيده أو تحوّل مساره منطقيا أو سيميوطيقيا أو إيتيقيا و ذلك ربّما ما عناه أبو حيّان التوحيدي حين قال في إحدى مقابساته بأنّ الكلام على الكلام صعب… ذلك لأنّ من لم يفكّر في اللغة كمن لم يفكّر أبدا والكلام على هذا الكلام لـآلان هذه المرّة…
* مرحلة الفهم والتفكيك:
قراءة لصياغة الموضوع و تحديد المطلوب
 هل تحقّق اللغة التواصل أم تقصيه ؟
* موضوع من صيغة: "هل" + صيغة إمّية ← يستوجب :
  1 أطروحة ← اللغة تحقّق التواصل
  2 نقيض أطروحة ← اللغة إقصاء للتواصل
 3  تأليف ← الجمع بين الموقفين أو تجاوز كليهما بفتح أفق جديد للموضوع أو القيام بالاثنين معا…
*      الإشكالية:
- صياغة الإشكالية هي بمثابة تخطيط أوّلي لكامل العمل لذلك يجب أن تكون مركّزة وواضحة كما يجب أن تتضمّن سؤالا مركزيّا (لا يعيد السؤال المطروح حرفيا) يجب تفريعه إلى:
-1-  سؤال مفهومي ← نتطرّق فيه لأهمّ مفاهيم الموضوع
-2-  سؤال تجيب عنه الأطروحة
-3- سؤال نقدي أو سؤال تجيب عنه نقيض الأطروحة
- فما وضع اللغة حتّى تكون أداة تواصل بين البشر ومدعاة     
  للشكّ فيه ؟
 لكن قبل الإجابة عن سؤال ملغز كهذا يجب أوّلا طرح الأسئلة  
 التالية:
- ما اللغة ؟  ـ ما التواصل؟
-  ما مدى حاجة الإنسان للغة ولتحقيق التواصل بواسطتها ؟
  و كيف نتواصل عبر مؤسّسة اللغة ؟
- ما الإقصاء ؟
ـ و كيف يمكن للغة أن تقصي الفعل التواصلي و إلى أي حدّ         يجب اعتبارها عائقا تحول دوننا ودونه ؟
* التحليل:
-  الجزء التحليلي من العمل متّصل بالاشتغال على الفعل التواصلي للغة (الأطروحة التي مفادها: اللغة تحقّق التواصل) ← غير أنّ هذا الجزء يمكن تقسيمه إلى لحظات فلسفية كبرى أي إلى مستويات اهتمام لعلّ أبرزها ما يلي:
* التعرّف على المعنى اللساني للغة و للتواصل والبحث عن الشروط الموضوعية لتحقيق أي فعل تواصلي← يمكن في هذا المستوى من العمل التعريج على الفرق بين اللغة واللسان والكلام قصد الوصول بالمتلقّي إلى ضرورة وجود ازدواجية ما داخل مؤسّسة اللغة بين باثٍّ ومتلقٍّ الشيء الذي يشرّع لنا الولوج لمسألة التواصل
* التطرّق إلى البعد الرمزي ودوره في الوجود الإنساني ← التمييز بين التواصل الإنساني والتواصل الحيواني
* الحفر في مستويات التواصل و مدى حاجة الإنسان إليه (التواصل مع الذات، التواصل مع الآخر، التواصل مع العالم...)








































































































 * النقد:
 في هذا المستوى من العمل علينا الاشتغال على الفرضية الثانية من الموضوع (نقيض الأطروحة) والتي مفادها أنّ: "اللغة تقصى التواصل"← المطلوب رصد بعض الحجج التي تجعل من التواصل اللغوي مشكلا و هذا يدعونا للتفكير في المسائل التالية:
  - علاقة الدوال بالمدلولات هل هي ضرورية أم اعتباطية ؟
  - إشكالية التأويل و الحقيقة ← هل تقول اللغة ما تعنيه ؟
  - اللغة بين الأغلوطة المنطقية والاستثمار الإيديولوجي
و الاستراتيجي اقتصاديا و إعلاميا وسياسيا لها…










* الخاتمة
-  حوصلة وتأليف
- إبراز رهانات
 و راهنية الموضوع









 إذا كانت الفلسفة حسب التحديد الدولوزي لها (نسبة إلى جيل دولوز) هي فنّ الاشتغال على المفاهيم فذلك لأنّ كلّ مفهوم هو في حدّ ذاته مشكلا فلسفيّا نظرا لما يمكن أن يحمله المفهوم الفلسفي من شحنات تمعين (البحث عن المعنى) ومن ثراء مضموني خصوصا إذا ما تعلّق الأمر بمفهوم اشتغل عليه الفلاسفة منذ القدم  وتحوّل في الزمن الراهن إلى مبحث علمي مدرج ضمن سجّلات العلوم الإنسانية اليوم مثل مفهوم اللغة الّذي تحول إلى المشمولات اللسانية العامّة التي هي علم يدرس الظاهرة اللغوية دراسة علمية بنيويا  ومخبريا بعد أن كانت قبلة للنحاة و المناطقة و المعجميين حيث يعرّفها جميل صليبا في معجمه الفلسفي بأنّها مجموع من الأصوات المفيدة  ويعتبرها الجرجاني :"ما يعبّر به كلّ قوم عن أغراضهم" غير أنّ التعريف اللالاندي لها (نسبة إلى أندريه لالاند) ربّما  كان أكثر إحكاما بربطه بين اللغة والرمز والتواصل حيث قال: "اللغة هي كلّ مجموعة رموز يمكن أن تستخدم لغاية التواصل"، الشيء الذي يدعونا  للتعرّف أكثر على هذا المفهوم الذي ما انفكّ يعلن أولوية الحضور في الأدبيات الفلسفية نظرا لأهميّته من ناحية  ونظرا لما توحي به بعض المؤشّرات المعاصرة من رصد الكثير من لحظات التأزّم الحائمة به  والتي تسعى دائما إلى استبدال قوّة المنطق بمنطق القوّة أو بقوّة الإقصاء.
من هذا المنطلق يمكن تعريف التواصل بأنّه  لسانيا يعني: ربط صلة بين طرفي الخطاب أي توصيل رسالة لفظية ذات معنى بين باثٍّ و متلقٍّ، إنّ عبارة "ذات معنى" في هذا السياق تعني أنّ هناك فرقا بين الخطاب "الممعن" وبين الهذيان أي الخطاب الخالي من المعنى أو الخطاب الملتبس أو المختلّ شكلا أو مضمونا أو غائية كما سنتبيّن فيما بعد، الشيء الذي قد يدعونا ربّما إلى رصد شروط التواصل وآدابه تأصيلا لإيتيقا الحوار وتأسيسا لبينذاتية منطقية و تواصلية في الآن ذاته، إذا ما كنّا جاحظيين أكثر من الجاحظ نفسه فنتبنّى مقولته القائلة بأنّ لكلّ مقام مقال وأنّ لكلّ "بيان"" تبيين"…
إنّ الحديث عن" إيتيقا الحوار" قد يخرجنا من سؤال ما التواصل؟ إلى سؤال لا يقلّ أهميّة عن الأوّل وهو سؤال لماذا نتواصل؟  وعن هذا السؤال تجيبنا المقاربة الهابرماسية ببساطة وبدون التباس أو تعقيد بأنّ الفهم (أن أفهم ما التبس من أفق رمزي) و التفاهم (البعد المشترك والمتفاعل في عملية التخاطب)  الإفهام (أن أساهم في تبسيط فكرة أو معنى ملتبس للغير) هو الغائية الأوّلية لكلّ فعل تواصلي حيث نقرأ له  في "نظرية الفعل التواصلي" له ما يلي: ” أن نقول شيئا ليس معناه أن نقول شيئا، بل أن نقول شيئا لأحد، وأن نُفهمه ما نريد أن نقوله له" حيث تؤكّد هذه الجملة أنّ الكلام أو التخاطب عبر جهاز اللغة ليس غاية في حدّ ذاته إذا لم يؤدّي إلى تبليغ فكرة أو موقف ما في معزل عن اللغو أو مجرّد إصدار صوت أو إشارة معيّنة هذه الأفعال التي بإمكان الحيوان أيضا إصدارها لكنّ التواصل الحيواني لا يعدو إلاّ أن يكون مجرّد إيحاءات غريزية لا يمكن أن نقيس على غرارها التواصل الإنساني المرتبط دائما بالعقل  والتفكير  و الإبداع المتجدّد لأساليب و طرق التخاطب والتعامل بين الأشخاص، غير أن إيتيقا التواصل تستوجب شروطا يحدّدها يورغن هابرماس بالمعقولية والوجاهة والنزاهة والحقيقة وذلك لفتا للانتباه  لما يمكن أن توقعنا فيه اللغة من منزلقات منطقية أو إيتيقية …
 تحيلنا هذه الأطروحة المشتغلة على دور اللغة في تحقيق التواصل على التنقيب أكثر في الأفق التواصلي الذي يمكن أن تشتغل ضمنه مؤسّسة اللغة  وذلك بتجاوز المستوى الأوّلي للعمل الباحث في فلك سؤال لماذا التواصل ؟ إلى معالجة سؤال أكثر إحراجا
 و هو سؤال مع من نتواصل ؟ هذا التساؤل الذي يمكن أن يحتمل أكثر من إمكانية شدّت الاشتغال الفلسفي كما اللساني منذ القديم…
إذا ما اعتبر سارتر" أنّ الإنسان هو كائن الأبعاد" يمكن ربط مسألة التواصل اللغوي ببعض منها عسانا ندرك بعض الجوانب الخفية التي يمكن أن تطال هذه المسألة  مثل البعد الذاتي والبعد الغيري والبعد الوجودي الذي هو دائما حسب التصوّر الهيدقاري للمسألة "وجود ـ في ـ العالم" فبأي معنى  تكون اللغة أداة تواصل مع الذات ؟
   عودا على بدء، لا يمكن أن يتجاهل تاريخ الفلسفة النداء السقراطي المنقوش على جدران معبد" دولف" بأثينا " يا أيّها الإنسان اعرف نفسك بنفسك" ذلك أنّ العقل الأثيني قد كان متفطنا منذ البدء إلى وجود ما يمكن تسميته بالبعد الواعي في الذات الإنسانية هذا البعد سواء كان نفسا أو عقلا هو المسؤول عن سلوكات وتوجّهات الكائن لذلك وجب الإصغاء له و اتّباع تعاليمه هربا من سلطة الأهواء وجموح الرغبة  و تلك هي الرسالة الحقيقية لفعل التفلسف الذي يجب أن يبدأ بالحوار الذي يمكن أن ينطلق من محاورة الذات لذاتها كما شاء لأفلاطون تسمية ذلك  وهذا الحوار لا يمكن إلاّ أن يفرز ضربا من ضروب تواصل النفس مع ذاتها عبر منظومة الفكر واللغة اللذان سيعتبرهما بنفينيست فيما بعد شيئا واحدا نظرا لتوافق مقولاتهما غير أن تواصل النفس مع ذاتها لا يمكن أن يقصي تواصل الذات مع الغير باعتبار " أنّ الإنسان ليس جزيرة منعزلة " كما عبّر الشاعر الأنقليزي جون دون و هذا الإقرار ليس بغريب ضمن الأدبيات الفلسفية التي تسعى دائما إلى التفكير في البعد الاجتماعي للوجود الإنساني هذا البعد الذي تجسّد اللغة أبرز وجه فيه الشيء الذي دفعبـجورج ڤيزدورف إلى الإقرار التالي׃" أنا أتكلّم لأنّي لست وحيدا" فاللغة هنا هي أعجوبة الوجود الإنساني
 و أرقى ما توصّل إليه العقل البشري من ذكاء وظّف لكسر منطق العزلة ذلك الغول الذي نعته الروائي الفرنسي فيكتور هيـڤـو  بأقذع النعوت حين اعترف بأنّ " الجحيم كلّه في كلمة العزلة…".
إنّ العزلة إذا كانت قدرا وجوديا لا يمكن أن تكون انعزالا كلّيا عن كلّ ما يحمله الوجود من ثراء وخصوبة  ومعنى إذا كان على "الدازاين"(الموجود ـ هنا ـ والآن) هيدقيريا على الأقلّ محكوما عليه بتجربة "الوجود ـ فيـ العالم" فإنّ ذلك سيدعوه إلى خوض تجربة التواصل مع هذا العالم فكان الشعر و النثر والمقدّسات وضروب أشكال التعبير الجمالي بوّابة عبور بين الحامل والمحمول التي لن تكون مدركة إلاّ على شاكلة خوض تجربة الرمز التي بها ربّما أدرك سندبادنا الوجودي ـ عفوا ـ (الإنسان) سرّ الحوت الضخم الذي غشته التربة والأشجار بعد أن اعتقد منذ البدء أنّه جزيرة عائمة… لهذا السبب ربّما أعلنهيدقير أنّ هذه الجزيرة إن لم تكن حوتا أسطوريا عملاقا فستكون اللغة لا ريب حيث يقول في "ماهية الشعر": " هناك فحسب حيث توجد لغة يوجد عالم، أعني هذه الدائرة المتغيّرة من التصميم والمغامرة، من الفعل والمسؤولية".
  إذا اعتبر هيدقير أنّ اللغة مغامرة فإنّ هذه المغامرة قد لا تكون مضمونة النتائج دائما نظرا لما قد يحفّ بتجربة التواصل اللغوي من بعض الغموض والالتباس الشيء الذي من شأنه أن يحوّل غائية اللغة من تحقيق للتواصل إلى إقصاء له، والإقصاء لغة يعني المنع و إعدام الفعل أو الشيء و نفيه أو إلغائه وإقصاء التواصل يعني تحويله إلى رفض للآخر أو الترصّد به أو مغالطته والتمويه عليه… فمتى تكون اللغة كذلك ؟
لئن كانت اللغة و لا تزال أداة التواصل الأوّلية بين البشر نظرا لما تتّسم  به من بعد كوني فإنّ تعدّد الألسن يمكن أن يكون عائقا في فهم المختلف ثقافيا، كما أنّ التعثّرات الكلامية و التلعثمات التي تصاحب زلاّت اللسان بالمدلول اللساني أو بالمعنى التحليلي النفسي قد تقصي هي الأخرى غائية التواصل، هذا بالإضافة إلى وجود ما يُسمّى في علم اللسانيات بالصواتم المتشابهة   والكلمات ذوات المعنى الواحد  أو الكلمات ذوات الكتابة المشتركة والمعاني المختلفة مثل كلمة "عين" في  اللسان العربي التي تعني "عضو الإبصار" كما تعني "النبع الجاري" كما تعني "الجاسوس"، فبغضّ النظر عمّا يمكن أن تثيره مثل هذه المسائل من تداخلات معجمية أو منطقية أو لسانية متعلّقة مثلا بالبحث عن طبيعة العلاقة بين الدوال والمدلولات من جهة الضرورة أو الاعتباط  و استتباعات  ذلك على علاقة الكلمات بالأشياء وعلاقة الحقيقة بالمعنى وما قد يؤدّي ذلك من تأزّم لدرجات الفهم، يمكن اعتبار أنّ جلّ هذه المسائل من شأنها أن تقصي التواصل الذي قد يصطدم بمعضلة سوء التأويل أو إفقاد الكلام تماسكه الداخلي أو بنيته المنطقية الواضحة…
 يمكن أن يدفعنا هذا الإشكال إلى مجابهة قضية التأويل الذي يعني "إخراج اللفظ من الدلالة المجازية إلى الدلالة الحقيقية" كما عرّفه ابن رشد في "فصل المقال ما بين الحكمة والشريعة من اتّصال" غير أنّ طلب الحقيقة قد يكون صعب المنال في غالب الأحيان  حيث يقولابن الهيثم: " الحقّ مطلوب لذاته وكلّ مطلوب لذاته فليس يعني طالبه غير وجوده، و وجود الحقّ صعب، والطريق إليه وعر، والحقائق منغمسة في الشبهات…"
إنّ كلّ عملية تأويل هي قراءة  ممكنة ولكن ما من ضامن أنّها هي القراءة الحقيقية التي يقصدها الخطاب  لذلك قد يتعطّل التواصل إذا ما تضاربت التأويلات أو تصارعت على حدّ عبارة بول ريكور الذي يعتبر أنّ " الرمز ليس شفّافا " بل إنّ قراءته تظلّ دائما منفتحة نحو الإمكان الأفضل ونقد القراءات القديمة قصد تجاوزها أو استبدالها أو تعديلها برصد مؤشّرات أو معاني أقرب للحقيقة لذلك  اعتبر أرسطو" أنّ اللغة لباس للعقل" فإذا  كان اللباس فضفاضا غاب المعنى و إذا كان اللباس ضيّقا حصل الالتباس.
 إنّ واقع الإنسان اليوم، في زمن العولمة، ما ينفكّ يستثمر التباس اللغة ويتفنّن في صناعة الوهم  و نمذجة  الأغاليط فالمتأمّل في عالم الإشهار مثلا يمكن أن يستنتج بشيء من الفطنة أنّ هذا الفنّ هو خير دليل على أنّ السفسطائيين لا يزالون يعيشون معنا حيث تقول الباحثة الألمانية "حنّا آرنت " أنّ الإشهار اليوم قادر على إقناع الجماهير بأنّ المرأة التي لا تستعمل نوعا معيّنا من الصابون يمكن أن تظلّ بثرة وعانسا طيلة حياتها، ذلك أنّ لغة الإشهار هي خطاب يستعمل التوظيف الإيديولوجي للعلم و يستثمر آخر اكتشافات علم النفس قصد التأثير والإقناع و ما يصح ّعلى علوم الإشهار يصحّ أيضا على المجال السياسي غير أنّ أعمال ميشال فوكو في هذا الشأن تؤكّد حقيقة واحدة هي أنّه " ليس باستطاعتنا أن نقول كلّ شيء…"
  إنّ مجابهة موضوع شائك من قبيل: هل تحقّق اللغة التواصل أم تقصيه؟ من شأنه أن يشي برهانات قد لا يتفطّن الوعي البسيط إنّ لم نقل الساذج  لها نظرا لأنّ "ما هو مباشر أكثر هو آخر شيء يمكن أن نفكّر فيه" والكلام للفيلسوف إيدموند  أورتيق ـ مرتبط بكشف الطابع المزدوج للغة، فهي من جهة  بوّابة عبور بين الإنسان و ذاته وبين الإنسان وغيره وبين الإنسان وعالمه  فتكون بذلك أسطورة ابتدعها هذا الحيوان الرامز حاكت بإحكام شبكة الوجود الرمزي كما بيّن ذلك كاسيرر على الأقلّ من خلال فلسفة الأشكال الرمزية، و من جهة أخرى  يمكن أن يكون سحر اللغة سببا لنسج الوهم والإيهام، عندها ينقلب السحر على الساحر، ليقع الإنسان في أحبلة  بلاغته و بيانه و بديعه  خصوصا إذا ما زاوج بين إقناع اللغة وتأثير الصورة في حضارة الرقم والمشهد، زمن "السماوات المفتوحة "و"العقل المغتال" كما يقال، غير أنّ مثل هذه المنزلقات الاستراتيجية والإيتيقية للفعل التواصلي بالإمكان تجاوزها بتوفّر حسّ نقدي ووعي عميق بما يمكن أن يحاصر العقل من تهجين واغتراب زمن "اللا نظام العالمي الجديد " والعبارة لتودوروڥ، غير أنّ الرهان في التفكير الفلسفي هو دائما " ليس بلوغ الهدف بل ما يعترض الفيلسوف في الطريق" كما يقولهاڥيلوك إيليس…

الرمز عنف. إلى أي حدّ يصحّ هذا التصور؟

الموضوع ׃ "الرمز عنف"  إلى أيّ حدّ يصحّ هذا التصوّر ؟
التمهيد و دواعي طرح المشكل׃
لئن جسّد وجود الرّمز و استحداثه من طرف الإنسان نقلة نوعيّة لهذا الكائن أخرجته من الوجود الطبيعي المتوحّش و المنغمس في العلاقة المادّية و المباشرة مع العالم الذي يعيش فيه إلى وجود ثقافي  مبدع و خلاّق ومتحضّر فإنّ هذا الكائن لم ينجح بعد في تجاوز مفهوم العنف الذي ما ينفكّ يعيد الإنسان إلى الجذور الحيوانيّة و إلى الوجود الطبيعي اللا ـ متحضّر، إن لم نقل إنّ الإنسان بات ـ 
استنادا لملكة الإبداع لديه التي منها اخترع الرموز ـ يستخدم الرمز في بعض الأحيان كبديل للعنف المادّي المباشر محوّلا وجوده الرمزي إلى أداة عنف معنوي متعدّد الوسائط و متعدّد المنطلقات و إن كانت أهدافه واحدة  وهي الانتصار للخصوصيّات و استهداف المختلف عرقيّا و دينيّا و لغويّا و جماليّا و اقتصاديّا و سياسيّا و إيديولوجيّا، الشيء الذي يدعونا للتفكير في جدلية الرمز و العنف من جهة فهم إمكانية استحالة الرمز إلى عنف، و من جهة التفكير في أسباب العنف الرمزي و آفاق تجاوزه ببديل أكثر عقلانية و أدنى لإعادة صهر ممكنات التواصل بين الإنسان و الإنسان من جهة و بين الإنسان و العالم من جهة أخرى…
الإشكالية׃
ما الرّمز ؟ ما العنف ؟ متى يتحوّل الرمز إلى عنف ؟ و متى يكون أداة تواصل ؟
التحليل׃
1 ـ  التأصيل المفهومي׃
الرمز في أكثر معانيه شيوعا هو تجسيد حسّي لشيء ما  أو لفكرة مجرّدة أي أنّه تمثيل حمّال لمعنى معيّن، فهو إذن ضرب من ضروب الإيحاء و الإحالة إلى شيء آخر غيره، لذلك يقول أدونيس (علي أحمد سعيد): "الرمز إيحاء صامت، إنّه اللغة التي تبدأ حين تنتهي القصيدة…" فالرمز إذن حسب هذا التعريف هو لغة عن اللغة يجب استنطاقها و تأويلها للحصول على مقصود القول و دلالة التعبير، لذلك يكون النجاح في قراءة الرمز مرتبطا بنجاحنا في تأويله و قد يجسّد الإخفاق في هذه العمليّة ممارسة عنف على الوجود الرمزي ذاته برصد قراءة متعسّفة عليه تجبره على قول ما لم يرد قوله بسب عدم فهمنا للنظام الرمزي الذي يستبدل اللا معنى بالمعنى و الالتباس بالوضوح  و كذلك  إحباطا فعليّا لعمليّة التواصل بين المرموز و المتلقّي لذلك اعتبر بعض فلاسفة الهرمينوتيقا (التأولية) و نذكر في هذا المجال پول ريكور أنّ الرمز غير شفّاف أي أنّ دلالته عادة ما تكون محلّ صراع للتأويلات  إن لم نقل إنّ دلالته قد تحمل شحنة عنف مستهدفة للمختلف المتعدّد الأوجه أي المخالف للانتماء الرمزي أو الفكري أو العقائدي أو الإيديولوجي.  إنّ في هذا التعريف للرمز بما هو إحالة على العنف و متوسّل له في الآن ذاته، ما يدعونا لضرورة تعريف العنف الذي يعني في المعنى العام الإفراط في استخدام القوّة فنتحدّث بذلك عن عنف مادّي إذا كانت القوّة المستخدمة مادّية و عن عنف معنوي إذا كانت القوّة المستخدمة من قبيل رمزي أو معنوي، أمّا في المعنى الخاصّ فيحيل مفهوم العنف إلى كلّ فعل يمارس ضدّ الغير لحمله رغما عنه على القيام بشيء ما، أو لمنعه من القيام به باستعمال قوّة ما أو سلطة ما، أو لانتهاك حقوقه المادية أو المعنوية…
2  ـ  الاشتغال على الأطروحة و تفريعها إلى مستويات بحث׃
تدعونا الأطروحة  القائلة بأنّ "الرمز عنف" إلى تقليب وجهات النظر التي تعتنق هذه الفكرة و تدافع على هذا التصوّر و ذلك برصد تمظهرات العنف الرمزي في الوجود الإنساني المتعدّد الأبعاد إذا ما اعتنقنا التعريف السارتريللإنسان بأنّه׃ "كائن الأبعاد" و في هذا الإطار قد نحتاج للقراءات السيميولوجية  أو الألسنية (أو حتّى الابستمولوجية) و التوجّهات الانثروبولوجية الناقدة للايدولوجيا باعتبارها "وعيا زائفا" على حدّ عبارة كارل ماركس بقدر حاجتنا لفلاسفة السّلطة مثل بيار بورديو الذي اختصّت كتاباته بدراسة ظاهرة العنف الرمزي  أو السلطة الرمزيّة، أو أعمال ميشال فوكو الذي أكّد في كتاب المراقبة و المعاقبة أنّ العنف المعنوي أشدّ تعذيبا و أكثر قسوة من التعذيب الجسدي.
أ ـ مستوى سيميولوجي ألسني׃
يمكن الانطلاق في هذا المستوى برصد البعد الرمزي للإنسان الذي يحتلّ محلّ الأداة و الواسطة بين الإنسان و عالمه الشيء الذي قد يدفعنا للحديث عن تبعيّة الإنسان لهذه الوسائط التي يمكن أن يتحوّل دورها التداولي إلى دور سلطوي يسجن الإنسان ضمن إمكاناته الرمزية  و ضمن حدوده الذهنية في فكّ شفرة الرموز و الإشارات التي يتلقّاها من الغير المشارك لوجوده الثقافي و الاجتماعي أو المختلف عنه و في هذا الإطار يمكن استحضار أطروحة ارنست كاسيرر القائلة׃ " إنّ الإنسان لم يعد قادرا أن يواجه الواقع مباشرة، أي لم يعد يستطيع أن يحدّق فيه وجها لوجه" في غياب الخيوط التي تحاك منها الشبكة الرمزية وهذا التصوّر كفيل بتأويل العنف الذي يمارسه الرمز على مستعمله و هذا يدعونا إلى استحضار أطروحة رولان بارط الذي يشاطر التصوّر المنطقي الفتغنشتايني و الذي يعتبر أنّ׃"حدود عالمي هي حدود لغتي"، حيث يكتب بارط في كتاب" دروس" أنّ׃ "اللغة سلطة تشريعيّة اللسان قانونها (…) فأي لهجة إنّما تتعيّن بما ترغم على قوله أكثر ممّا تتعيّن بما تسمح بقوله" و ما الإرغام حسب هذه العبارة إلاّ وجها من وجوه العنف المعنوي الذي يحاصر الإنسان دون أن يعي به…
ب ـ مستوى ابستمولوجي׃
إذا كان الحديث عن الرمز لا يمكن حصره في المجال اللغوي فإنّ عنف الرمز يمكن أن يطال الرسم و التصميم و الخريطة، و غيرها من الوسائط التي يستخدمها الإنسان في وجوده المباشر و في المجال المعرفي و العلمي في شكل نماذج اختزالية أو تصغيرية أو تكبيرية للتعبير عن موضوعات العلم (المعرفة الموضوع و المعرفة المشروع) الشيء الذي جعل البعض مثل بول فاليري يعتبر أنّ "النمذجة هي الكلمة المفتاح في العلم اليوم" في حين يتحدّث آخرون عن اعتبار النماذج في العلم عائقا إبستيمولوجيا نظرا لعدم مطابقتها و وفائها للواقع المركّب الذي تكون عمليّة اختزاله رمزيّا بمثابة العنف المستهدف للحقيقة العلمية.
ج ـ مستوى انثروبولوجي׃
تسعى الأنثروبولوجيا إلى دراسة الثقافات مقتفية لآثار الرموز التي قد تتّخذ شكل وشم أو شكل أسطورة أو شكل تعبير جمالي أو طقوسي يعبّر عن قداسة بعض الرموز لدي بعض القبائل و عن سلطته السحريّة المستمدّة من تصوّر معيّن للمقدّس الذي قد يتّخذ لدى بعض القبائل شكلا طوطميا يعتقد شعبه أنّه قادر على الفعل في هذه المجتمعات إيجابا أو سلبا من جهة مكافأتهم أو معاقبتهم بالأعاصير أو بالجفاف أو الأوبئة كما رصدت الانتروبولوجيا أشكال العقوبات التي تمارس على الأشخاص الذين يدنّسون المقدّس أو لا يحترمون قانون العشيرة لأداء بعض الطقوس، فأسهمت بذلك هذه البحوث في رصد العنف الذي يحفّ بالرمز الديني أو الأسطوري بالإضافة إلى الأشكال الأخرى من العنف اللا مباشر مثل نشوب العديد من الحروب بسبب مخطوطات يعتقد أنّها تحمل سرّا متعلّقا بالآلهة أو بتاريخ القبيلة أو أنّ لها علاقة بغضب الآلهة أو بحزنها أو فرحها…
* يمكن أن نوظّف هنا أطروحة فولتار حول التعصّب الديني و مدى خطورته  بالنظر إلى العنف الذي يمكن أن يسبّبه و تأثيره على كسر منطق التواصل.
* كما يمكن توظيف العنف الرمزي الذي تروّجه شعارات الإثنية المركزية تبريرا لأفضليّة عرق على آخر
د ـ مستوى سياسي إيديولوجي׃
تستمدّ السياسة سلطتها من عنف الرمز فشعارات الدول رموز تحمل تنّينا أو أسدا أو نسرا و هذه الرموز عادة ما تعبّر على القوّة و السّلطة و السّيطرة بالإضافة إلى كونها تلعب دورا نفسيّا على المتلقّي و كذلك دورا إيديولوجيا مثل شعار المطرقة و المنجل الشيوعي أو شعار الصليب المعقوف النازي
* يمكن أن نوظّف في هذا المستوى العنف الرمزي للصورة  في مجال الإعلام.
* توظيف أطروحة هابرماس المميّزة بين الفعل التواصلي و الفعل الاستراتيجي
(مع ضرورة ربط المسألة برمزيّة العنف)
3  ـ نقيض الأطروحة:
الرمز ليس عنفا بل هو مبدأ تواصلي
←  رصد مستويات اشتغال مثل العمل الذي قمنا به عند الاشتغال على الأطروحة
4  ـ الخاتمة׃
رصد فكرة إمكان تجاوز العنف بتجاوز أنماط الوعي الزائف بين الإنيّات و بالتشربع للاختلاف كحقّ كوني.

ـ الاختلاف يمكن أن يكون خادعا أي أنّ التنوّع يمكن أن يحمل الوحدة (إحالة على أعمال ادغار موران أو أعمالكلود ليفي شتروس)